23 مايو 2018

النكبة بمنظار آخر

إنّ التلاعب بعواطف العرب أضحى لعبة في أيدي قوى إقليمية إسلامية ليست عربية تحاول بسط نفوذها في الجغرافية العربية المأزومة بأنظمتها وحكّامها المهزومة بذهنيّة نخبها وعوامها.

 

سلمان مصالحة ||

النكبة بمنظار آخر


هل هنالك ما يعوّل عليه في مواقف العالم بخصوص القضية الفلسطينية؟ إنّه سؤال يتكرّر طرحه مع كلّ اشتعال جديد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. قد يأتي الاشتعال في غزّة وقد ينشأ بسبب نقل السفارة الأميركية إلى القدس. لكن، ومع كلّ ما قد يظنّ البعض من أنّ للعالم دورًا في مثل هذه القضايا، غير أنّ الحقيقة تبقى خلاف تلك الظنون.

إنّ تحويل قضيّة حصار غزّة أو نقل السفارة الأميركية إلى القدس إلى مسائل مصيرية فيه ضحك على ذقون العامّة من العرب المتعاطفين مع قضيّة فلسطين. هكذا يستطيع السلطان العثماني المتجبّر والمتكبّر أن يظهر بمظهر المنافح عن القضايا الإسلامية والعربية. فمن جهة يأمر بإبعاد السفير الإسرائيلي بمسرحية مصوّرة، بينما يبقي التعامل التجاري مع إسرائيل على ما هو عليه، بل وربّما يزداد حجم التعاون الاقتصادي في الخفاء. إنّ السلطان العثماني لا يفعل ذلك حبًّا في العرب والقضايا العربية، بل هو يفعل ذلك في محاولة لمنافسة نظام الوليّ الفقيه ونظام ”صاحب الزمان“ الجاثم في طهران، والذي برع في لعبة خرق الجغرافية العربية بشعارات ”الشيطان الأكبر“ ورديفه ”الأصغر“.

لقد شاهد السلطان العثماني في الأعوام الأخيرة كيف أفلحت إيران في بسط نفوذها في المشرق العربي عبر أذرعها الطائفية العابرة للحدود الوطنية على خلفية الفشل العربي في التعامل مع قضية فلسطين وقضايا عربية أخرى.

إنّ التلاعب بعواطف العرب أضحى لعبة في أيدي قوى إقليمية إسلامية ليست عربية تحاول بسط نفوذها في الجغرافية العربية المأزومة بأنظمتها وحكّامها المهزومة بذهنيّة نخبها وعوامها. هكذا يبعد السلطان العثماني السفير الإسرائيلي، بينما لا تفعل ذلك أنظمة عربية تقيم علاقات مع إسرائيل في السرّ والعلن. هل يحاول السلطان العثماني أن يكون عربيًّا أكثر من العرب ذاتهم؟ هل يحاول اللعب في ميدان المزاودات على العرب مع نظيره الإيراني؟ وما هو رأي سائر العرب بهذه اللعبة على حسابهم وحساب شعوبهم؟

فها هو مؤتمر إسلامي آخر ينعقد في أسطنبول، فماذا يتمخّض عنه؟ كالعادة، بيانات ختامية تدعو المجتمع الدولي أن يتدخّل في قضايا هذه المنطقة وخاصة في قضية فلسطين. لو كان الأمر مضحكًا لضحكنا. المأساة أنّ هذه اللغة وهذه البيانات الختامية للمؤتمرات ليست سوى ذرّ للرماد في العيون وإسكات لضمير مستتر في غياهب أنظمة لا همّ لها سوى البقاء في سدّة الحكم. كلّ هؤلاء الملوك والرؤساء والسلاطين يطالبون المجتمع الدولي أن يتدخّل، والسؤال الذي يطرح نفسه بشدّة في هذا السياق، ألستمّ أنتم حضرات جنابكم مجتمعًا دوليًّا؟ فلماذا لا تتدخّلون حضراتكم؟

إنّ بيانات المؤتمرات الإسلامية أو العربية المطالبة بتدخّل المجتمع الدولي تعني في الحقيقة مطالبة المجتمع المسيحي أن يتدخّل في قضايا عالقة بين إسرائيل الممثّلة لليهودية وفلسطين كممثّل عربي وإسلامي. لقد نسي هؤلاء أنّ العالم، أو المجتمع الدولي المسيحي لن يتدخّل لصالح عربي أو مسلم مقابل دولة تمثّل في نهاية المطاف الجذور الدينية للمسيحية.

إنّ التعامل مع نقل السفارة الأميركية إلى القدس وكأنه مسألة مصيرية يُقلّل من خطورة ما جرى في المدينة خلال عشرات السنين المنصرمة من الاحتلال الإسرائيلي. ففي الحقيقة ليس نقل السفارة بقضية ذات أهمية مقارنة ببناء عشرات الأحياء الاستيطانية التي أحدقت بالمدينة من كلّ جانب وعزلتها عمليًّا عن الضفة الغربية. إنّ هذا الاستيطان هو قضيّة أهمّ بكثير من نقل سفارة، غير أنّ الاستيطان المتراكم منذ سنين لم يحرّك ساكنًا لدى أحد من أصحاب الشعارات الرنّانة عن القدس والخطر المحدق بها.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ تكريس الانفصال بين غزّة والضفّة الغربية يصبّ في نهاية المطاف في مصلحة السياسة الإسرائيلية. فما دام هذا الانفصال قائمًا فإنّ ذلك يعني عدم وجود صوت فلسطيني واحد يستطيع اتخاذ قرارات ملزمة في أيّ مسألة مطروحة. فلا سلطة غزة قادرة على إلزام أحد بقراراتها ولا سلطة رام الله تستطيع الحديث باسم الفلسطينيين أجمعين.

هكذا، تواصل غزّة لفت أنظار العالم الذي سيبحث عن تهدئة، بينما تواصل إسرائيل قضم الضفة الغربية شبرًا وراء شبر. بينما يواصل ملالي طهران والسلطان إردوغان لعبة قضم الجغرافية العربية من جهة أخرى.
وماذا يفعل العرب؟ لا شيء. يتفرّجون على ما يجري وكلّ منهم يغنّي على ويلاه.
*
الحياة، 23 مايو 2018


Print Friendly and PDF

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة.
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة