الخميس، 26 يوليو 2018

عن الأسد وحرق البلد

إنّ هذا النظام «الممانع» الذي حقّق أيديولوجيّته القائلة بـ«حرق البلد» طوال السنوات المنصرمة على الهبّة السورية بغية بقاء الأسد لن يُبدّل جلده أو طبعه.




سلمان مصالحة ||

عن الأسد وحرق البلد


«على سورية أن تلتزم باتفاق وقف النار الموقع مع إسرائيل سنة 1974 وباتفاق فصل القوات على الحدود معها. يجب العمل على بناء علاقات جيدة بين سورية وإسرائيل والحرص على أمن إسرائيل...». هذا ما صرّح به الرئيس الرئيس الروسي في المؤتمر الصحفي مع دونالد ترامب في هلسنكي.

قبل لقاء القمّة هذا بين بوتين وترامب كان نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، قد صرّح لدى زيارته موسكو مؤخرًا ولقاءه فلاديمير بوتين أنّ إسرائيل لا تمانع بعودة النظام إلى الحدود مع إسرائيل، فهذا النظام «لم يطلق عيارًا ناريًا واحدًا على الحدود مع إسرائيل منذ أربعين عامًا»، أضاف نتنياهو.

وهكذا نجد لزامًا علينا أن نعود للنظر فيما تعنيه لغة البيانات والخطاب الإعلامي. ففي الجهة الإسرائيلية نقرأ مصطلح «عدم الممانعة» الذي يقابله مصطلح «الممانعة» في الجهة الأخرى. إنّ عدم الممانعة الإسرائيلية بعودة النظام للحدود ملتزمًا بالاتفاقات المبرمة منذ عقوذ طويلة تعني شيئًا واحدًا هو الاطمئنان الإسرائيلي من طبيعة هذا النظام الرّابخ في الشام والذي «لم يُطلق عيارًا ناريًّا على الحدود منذ أربعين عامًا». أمّا من الجهة الأخرى، وطوال عقود طويلة، فقد شنّف هذا النّظام آذاننا بخطاب «الممانعة» ومحاربة إسرائيل.

إنّ هذا النظام «الممانع» الذي حقّق أيديولوجيّته القائلة بـ«حرق البلد» طوال السنوات المنصرمة على الهبّة السورية بغية بقاء الأسد لن يُبدّل جلده أو طبعه. إنّ هذا الخراب الكبير العمراني والإنساني الذي تسبّب به نظام الاستبداد هذا هو خراب بشري واجتماعي تاريخي لن تلتئم جراحه طوال عقود، بل ربّما طوال قرون طويلة قادمة. ففي التاريخ العربي الكثير من الشواهد على مثل هذه الخرابات البشرية والاجتماعية التي لا زالت أصداؤها تُسمع حتّى الآن.

عندما وصلت شرارة الانتفاضات العربية التي وُسمت بالـ«ربيع» إلى ما يُسمّى القطر السوري بلغة البعث مضرمة فيه النيران البشرية التي خرجت بمظاهرات سلمية مطالبة بالحرية بعد عقود من حكم الاستبداد البعثي القبلي والفاشي، نشرت مقالة بالعبرية في صحيفة «هآرتس» عنوتها بـ «الأسد ملك إسرائيل»، إذ إنّ الأسدين، الأب والابن، والنّظام الحاكم في سورية، لم يكن لهم همّ سوى تأبيد الحكم القبلي الاستبدادي والتحكّم بمصائر البلاد والعباد لتوريث النظام من شرّ سلف إلى شرّ خلف، بينما يفرضون سيادة الهدوء على الحدود مع إسرائيل.

وها هي إسرائيل «لا تمانع» بعودة هذا النظام «الممانع» الذي، وبأوامر صارمة من فلاديمير بوتين - الباب العالي الحالي - لن يُطلق عيارًا ناريًّا واحدًا على حدودها في الجولان. إذ إنّ خلاصة الـ«ممانعة» التي كان دومًا يعنيها هي في نهاية المطاف استعداده التامّ إلى أن «يُحارب إسرائيل» حتّى آخر قطرة دم لبنانية أو فلسطينية، بينما تبقى الحدود مع إسرائيل آمنة تمامًا. أمّا كلّ أولئك النفر من اللبنانيين والفلسطينيين الذين عوّلوا في الماضي ولا زالوا يعوّلون حتّى الآن على أنظمة من هذا النوع، ضاربين عرض الحائط مصالح شعوبهم، فهم إمّا أغبياء وإمّا شركاء مباشرون في جرائم يرتكبها هذا النوع من الأنظمة بحقّ الحجر والبشر حيثما تطأ قدمه.

ومن يعش ير.
*
الحياة، 26 يوليو 2018

مشاركات




تعليقات في الموقع: يمكن إضافة تعليق هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بالموضوع.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

مرگ بر ديكتاتور

الأساطير لا تموت. الأساطير خُلقت لكي تعيش على مرّ الزّمن. قد تخبو أحيانًا وقد يلفّها النّسيان لبعض الوقت غير أنّها تظلّ كالجمر الكامن تحت الرّماد، فما أن تهبّ ريح على موقدها حتّى يتناثر الرّماد فتستعر من جديد.
تتمة الكلام...

سلمان مصالحة

نصوص
  • القصيدة الأندلسية

    رَكِبْتُ ضُحًى صَهْوَةَ القَلْبِ شَوْقَا
    كَمَنْ شَدَّهُ الحُلْمُ، أَوْ رَامَ نُطْقَا

    وَيَمَّمْتُ وَجْهِيَ صَوْبَ رُبُوعٍ
    نَمَتْ فِي الجَنَانِ، فَأَوْرَقَ رَوْقَا

    وَأَعْمَلْتُ فِكْرِيَ بَعْضَ نَهَارٍ
    بِمَا أَوْرَثَ البَحْرُ فِي الأَرْضِ أُفْقَا



محتويات الموقع

 
مختارات
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره.


  • كشف أسرار الرهبان

    "اعلم أنّ بعض هذه الطائفة أعظم الأمم كذبًا ونفاقًا ودهاء، وذلك أنّهم يلعبون بعقول النصارى ويستبيحون النساء وينزلون عليهم الباروك، ولا يعلم أحد أحوالهم...
  • مواطنة شرف

    عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا،  أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...
    تتمة الكلام
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة...
    تتمة الكلام...

قراءات
  • يهوه التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح ...


  • سبحان الذي أسرى

    نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام...