1 ماذا جرى مع يهود خيبر؟

سلمان مصالحة
ماذا جرى مع يهود خيبر؟

خيبر هي منطقة تقع إلى الشمال
من المدينة على طريق الشّام، وكانت تشتمل على حصون كثيرة وعلى الكثير من الواحات ومزارع النّخيل. وحسبما يروى فقد كانت أراضي خيبر تشتمل على أربعين ألف نخلة ("أرض خيبر، وهي أربعون ألف عَذْق... والعذق النخلة."، سيرة ابن كثير: ج 3، 383. ومن بين الحصون التي كانت تابعة لهذا الإقليم نذكر حصن ناعم، والقموص، والشقّ، والنّطاة، والسّلالم، والوطيح، والكثيبة، وأعظم حصون خيبر هو حصن القموص). وكان سكّان هذه المنطقة في غالبيّهم من اليهود، كما يفهم من نسبة الاسم في بعض الروايات إلى لغة اليهود، فيذكر ياقوت أنّ لفظ خيبر يعني الحصن بلسان اليهود، ولأنّها اشتملت على حصون عدّة فقد سمّيت الولاية أيضًا "خيابر" بالجمع. وبحسب روايات أخرى، سمّيت خيبر بهذا الاسم نسبة إلى أحد الجدود القدماء (وهو خيبر بن قانية بن مهلائيل بن أرم، أنظر: البلدان لياقوت: ج 2، 195؛ وأنظر أيضًا: معجم ما استعجم للبكري: ج 1، 149؛ الروض الأنف للسهيلي: ج 4، 64؛ تاج العروس للزبيدي: ج 1، 2744؛ السيرة الحلبيّة: 834). كما تشير رواية أخرى بشأن مصدر الاسم إلى كونها منطقة غنيّة بالمزارع والينابيع: "ورأيت في بعض التواريخ أنّ اسمها في الجاهلية - خَيْر بَرّ -، لأنّه كان بها من العيون بعدد أيام السنة." (تحفة المدنيين لابن الفقيه: ج 1، 52).


عندما حاول محمّد في البداية جاهدًا أن يتقرّب من يهود المدينة عارضًا نفسه عليهم أنّه "النبيّ الأمّي"، أي المسيح اليهودي المنتظر الذي يجدونه في التوراة، كما أشرنا من قبل، فقد أرسل يهودُ المدينة الرسائل إلى يهود خيبر يستشيرونهم في أمره. وسرعان ما جاء ردّ يهود خيبر في هذه المسألة برسالة شديدة اللّهجة يُحذّرون فيها يهودَ المدينة من محمّد، ويذكّرونهم بأنّ النبوّة لا تكون في العرب: "فكتب يهود المدينة إلى يهود خيبر إنّ محمدًا يزعم أنّه نبي، وإنّه يدعونا وإياكم إلى دينه. فإن كنتم تريدون متابعته فاكتبوا إلينا ببيان ذلك، وإلا فأنتم ونحن على أمر واحد لا نؤمن بمحمد ولا نتبعه. فغضبت يهود خيبر، فكتبوا إلى يهود المدينة كتابًا قبيحًا، وكتبوا أنّ إبراهيم كان صدّيقًا نبيًّا، وكان من بعد إبراهيم إسحاق صدّيقا نبيًّا، وكان من بعد إسحاق يعقوب صدّيقًا نبيًّا، وولدُ يعقوب اثنا عشر، فوُلدَ لكلّ رجل منهم أمّةٌ من الناس... فنحن أحقّ بالنبوة والرسالة من محمد. ومتى كان الأنبياء من جزائر العرب؟ ما سمعنا بنبي قطّ كان من العرب، إلا هذا الرجل الذي تزعمون على أنّا نجد ذكره فى التوراة، فإنْ تَبعْتُمُوه صَغّرَكم ووَضَعَكم." (تفسير مقاتل: ج 4، 63؛ أنظر أيضًا: تفسير الثعالبي: ج 4، 299).

ليس هذا فحسب، بل وبحسب رواية ابن عباس، فإنّ محمّدًا نفسه قد أرسل كتابًا إلى يهود خيبر يستجديهم ويناشدهم فيه أن يبايعوه بوصفه النبيّ الذي يجدونه في التّوراة: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله صلعم صاحب موسى وأخيه والمصدّق لما جاء به موسى، ألا إنّ الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة وإنّكم لتجدون ذلك في كتابكم ... وإني أنشدكم بالله وأنشدكم بما أنزل عليكم وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المنّ والسّلوى وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله... فأدعوكم إلى الله وإلى نبيّه." (سيرة ابن هشام: ج 1، 544؛ أنظر أيضًا: الدر المنثور للسيوطي: ج 7، 543؛ كنز العمال للمتقي الهندي: ج 10، 747؛ عيون الأثر لابن سيد الناس: ج 1، 282؛ سيرة ابن كثير: ج 1، 324؛ نهاية الأرب للنويري: ج 4، 354). غير أنّ اليهود، كما أسلفنا، كانوا قد رفضوا مبايعة محمّد وقبول نبوّته، فتحوّل بعد رفضهم إيّاه من مرحلة استجدائهم إلى مرحلة عدائهم وحربهم، وقد تطرّقنا إلى ما جرى مع بني قينقاع، ثمّ مع بني النّضير.

هل كان هنالك جانب اقتصادي إضافة إلى الجانب الدّيني في محاربة محمّد لليهود؟ وبكلمات أخرى، هل كان الهدف من وراء ذلك هو الاستيلاء على الواحات والمزارع والأموال التابعة لليهود؟ والإجابة على هذا السؤال قد تُستشفّ ممّا ترويه لنا عائشة من أنّ محمّدًا لم يشبع من الخبز والتّمر حتّى فتح خيبر، كما تذكر: "وأول دار افتتحت بخيبر دار بني قمة، وهي بنطاة، وهي منزل الياسر أخي مرحب، وهي التي قالت فيها عائشة: ما شبع رسول الله صلعم من خبز الشعير والتمر حتى فتحت دار بني قمة." (معجم ما استعجم للبكري: ج 2، 523؛ أنظر أيضًا: السيرة الحلبيّة: 844؛ مشارق الأنوار للقاضي عياض: ج 2، 793). وبروايات أخرى عن عائشة وعن ابن عمر: "عن عكرمة، عن عائشة قالت: لما فُتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر... عن ابن عمر قال: ما شبعنا - يعني من التمر - حتّى فتحنا خيبر." (سيرة ابن كثير: ج 3، 383؛ أنظر أيضًا: صحيح البخاري: ج 4، 1550؛ فتح الباري لابن حجر: ج 15، 258؛ الاكتفاء للكلاعي: ج 2، 168؛ الرحيق المختوم للمباركفوري: ج 1، 344). وها هي عائشة تذكر النّضير وقريظة أيضًا بهذا السّياق: "عن عكرمة، قال: قالت عائشة: ما شبعنا من الأسودين، وهما الماء والتمر، حتى أجلى الله النضير وأهلك قريظة." (تهذيب الآثار للطبري: ج 3، 11؛ أنظر أيضًا: حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني: ج 3، 347)

بعد أن أُجلي بنو النّضير إلى خيبر حاول حيي بن أخطب، زعيمهم، أن يبحث عن أحلاف مع قريش ضدّ محمّد: "فلما قدموا خيبر خرج حيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس من بني خطمة، وأبو عامر الراهب في بضعة عشر رجلاً إلى مكة يدعون قريشًا وأتباعها إلى حرب محمد صلعم، فقالوا لقريش: نحن معكم حتّى نستأصل محمّدًا." (مغازي الواقدي: ج 1، 174)، فاجتمعت القبائل على حرب محمّد في غزوة الأحزاب، أو الخندق (خرج حيي بن أخطب بعد قتل بني النضير إلى مكة يحرض قريشًا... وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في بني غطفان... على أنّ لهم نصفَ ثمر خيبر... فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب."، فتح الباري لابن حجر: ج 11، 429). وفي أعقاب الأحزاب، تحوّل محمّد إلى محاصرة بني قريظة وكان ما كان من ذبح رجالهم وسبي ذراريهم في تلك المجزرة.

وها هي أخبار مجزرة بني قريظة
تصل إلى أهل خيبر. لقد جاءهم بالأخبار حسيل بن نويرة الأشجعي، حين قدم إلى خيبر بعد أن سار يومين، فوجد اليهود جلوسًا في ناديهم يتدارسون أخبار بني قريظة، فقد بلغهم أنّ محمّدًا قد حاصرهم. فلما دخل عليهم حسيل سألوه: "ما وراءك؟ قال: الشرّ، قُتلتْ مقاتلةُ قريظة صبرًا بالسّيف! قال كنانة: ما فعل حيي؟ قال حسيل: حيي قد طاح، ضُربت عنقه صبرًا. وجعل يخبرهم عن سراتهم - كعب بن أسد، وغزال بن سموأل، ونباش بن قيس - أنّه حَضَرَهم قُتلوا بين يدي محمّد. قال سلام بن مشكم:... وأشدّ من القتل سباء الذرية... قالوا، وبلغَ النساءَ فصيّحنَ، وشققنَ الجُيوب، وجززن الشّعور، وأقمنَ المآتم، وضوى إليهنّ نساءُ العرب. وفزعت اليهود إلى سلام بن مشكم فقالوا: فما الرأي أبا عمرو؟ ويقال أبا الحكم. قال: وما تصنعون برأي لا تأخذون منه حرفًا؟ قال كنانة: ليس هذا بحين عتاب، قد صار الأمر إلى ما ترى. قال: محمّد قد فرغ من يهود يثرب، وهو سائرٌ عليكم، فنازلٌ بساحتكم، وصانعٌ بكم ما صنع ببني قريظة. قالوا: فما الرأي؟ قال: نسير إليه بمن معنا من يهود خيبر، فلهم عدد، ونستجلبُ يهود تيماء وفدك ووادي القرى ولا نستعين بأحد من العرب. فقد رأيتم في غزوة الخندق ما صنعت بكم العرب، بعد أن شَرَطتُم لهم تمرَ خيبر نقضوا ذلك وخذلوكم... فقالت اليهود: هذا الرأي." (لقد ثار جدل، حيث حاول كنانة بن أبي الحقيق أن يثنيهم عن ذلك، معلّلاً قوله بأنّ حصون يهود خيبر قادرة على أن تصمد فيما لو هاجمهم محمّد وأتباعه ورغب في أن يترك أمر الحرب للعرب أنفسهم فوبّخه سلام بن مشكم على كلامه: "قال كنانة: إني قد خبرت العرب فرأيتهم أشداء عليه، وحصوننا هذه ليست مثل ما هناك، ومحمّد لا يسير إلينا أبدًا لما يعرف. قال سلام بن مشكم: هذا رجلٌ لا يقاتل حتّى يُؤخذ برقبته" أنظر: مغازي الواقدي: ج 1، 211).

غزوة خيبر
بعد عقد صلح الحديبية، حوّل محمّد جهوده إلى الاستيلاء على منطقة خيبر الغنيّة بالمزارع من أجل إخضاع أهلها والاستيلاء عليها. لقد توجّه إلى محاصرتهم والاستيلاء على مزارعهم وأموالهم، وأخذ يفتح حصونهم حصنًا تلو الآخر، فكان حصن ناعم، وهو من حصون النّطاة، أوّل تلك الحصون التي افتتحها (تاريخ الطبري: ج 2، 298؛ تاريخ أبي الفدا: ج 1، 211؛ أنظر أيضًا: سيرة ابن هشام: ج 2، 330؛ دلائل النبوة للبيهقي: ج 4، 288؛ تفسير البغوي: ج 7، 309؛ فتح الباري لابن حجر: ج 12، 18). إضافة إلى هدف الاستيلاء على المنطقة الخصبة الغنيّة بمزارع النّخيل، كان من بين أهداف شنّ الحرب على اليهود هي فرض الإسلام عليهم بالسّيف، كما تشهد عليه الرواية بشأن إعطاء الراية لعلي بن أبي طالب في حربهم: "فقال عليّ كرّم الله وجهه: علامَ أقاتلهم يا رسول اللّه؟ قال: أن يشهدوا أن لا إله إلاّ إلاّ الله وأنّي رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد حقنوا دماءهم وأموالهم." (السيرة الحلبية: 841؛ أنظر أيضًا: المستدرك للحاكم: ج 10، 128؛ مصنف ابن أبي شيبة: ج 7، 394؛ كنز العمال للمتقي الهندي: ج 13، 100). وفي عملية افتتاح حصن ناعم، بحسب ما تذكر الرّوايات، قُتل محمّد بن مسلمة، وهو الّذي كان قد كتف أسرى بني قريظة قبل إعدامهم، كما ذكرنا من قبل. (لقد لقي محمّد بن مسلمة حتفه حينما كان جالسًا يستظلّ عند سور الحصن، فقد "ألقيت عليه رحى منه فقتله." (تاريخ الطبري: ج 2، 298؛ أنظر أيضًا: مغازي الواقدي: ج 1، 645؛ الكشف والبيان لثعلبي: ج 12، 220؛ تفسير البغوي: ج 7، 309؛ سيرة ابن كثير: ج 3، 354؛ عيون الأثر لابن سيد الناس: ج 2، 135؛ تاريخ ابن خلدون: ج 2، 38).

لقد حاول بنو الخزرج أن يفوزوا بحظوة لدى محمّد بواسطة استئذانه بقتل سلام بن أبي الحقيق، وهو زعيم كبير من زعماء يهود خيبر ومن أشدّ المعارضين للرّسول. لقد رغبت الخزرج بذلك لأنّ الأوس كانوا قد قتلوا من قبل أحد زعماء اليهود، الشاعر كعب بن الأشرف: "فلما فرغ المسلمون من أمر قريظة، استأذنت الخزرج رسول الله صلعم في قتله. وكان قُتل كعب بن الأشرف على أيدي رجال من الأوس، فرغبت الخزرج في إحراز فضيلة مثل فضيلتهم، فلذلك أسرعوا إلى هذا الاستئذان. وأذن رسول الله في قتله ونهى عن قتل النساء والصبيان." (الرحيق المختوم للمباركفوري: ج 1، 282؛ أنظر أيضًا: تاريخ الإسلام للذهبي: ج 1، 256؛ أسد الغابة لابن الأثير: ج 1، 52).

مقتل أبي رافع، سلام بن أبي الحُقَيق:
لقد أذن محمّد للخزرج بالخروج إلى حصن ابن أبي الحقيق، فخرجت سريّة بإمرة عبد الله بن عتيك: "فخرجت مفرزة قوامها خمسة رجال، كلهم من بني سلمة من الخزرج، قائدهم عبد الله بن عتيك. خرجت هذه المفرزة، واتجهت نحو خيبر، إذ كان هناك حصن أبي رافع. فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإنّي منطلق ومتلطّف للبوّاب، لعلّي أن أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنّه يقضي حاجته، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله، إن كُنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب. قال عبد الله بن عتيك: فدخلتُ فكمنتُ..." (الرحيق المختوم للمباركفوري: ج 1، 282). ثم تذكر الروايات كيف انتظر ابن عتيك حتّى يخلد الناس إلى النوم، فدخل ابن عتيك بيت ابن أبي الحقيق وغدر به وهو نائم وقتله. بينما هنالك روايات تقول إنّ الجميع دخلوا وشاركوا في قتله (للاستزادة في تفاصيل قصّة الغدر بابن أبي الحقيق وقتله، أنظر: صحيح البخاري: ج 13، 406-407؛ تاريخ الإسلام للذهبي: ج 1، 256-257؛ الرحيق المختوم للمباركفوري: ج 1، 282). بعد مقتل سلام بن أبي الحقيق وافتتاح حصن القموص، طلب اليهود من سلام بن مشكم أن يقودهم فأبي أن يفعل ذلك، فأمّروا عليهم أسير بن رزام (مغازي الواقدي: ج 1، 5؛ أنظر أيضًا: صحيح البخاري: ج 13، 406-407)، الذي راح يبحث عن أحلاف لدى غطفان وسائر العرب في حربه ضدّ محمّد: "لمّا قُتل أبو رافع سلام بن أبى الحقيق أمّرت يهود عليهم أسير بن رزام فسار في غطفان وغيرهم فجمعهم لحرب رسول الله صلعم." (عيون الأثر لابن سيد الناس: ج 2، 109).


السبيّة صفيّة:
وكانت صفيّة من بين الذين وقعوا في السبي بعد أن افتتح حصن القموص. تذكر الروايات أنّ صفيّة هذه هي بنت حيي بن أخطب، زعيم بني النّضير، وهو الّذي كان قد قتله محمّد في مجزرة بني قريظة. وقد كانت صفيّة متزوّجة من قبل في بني قريظة من سلام بن مشكم، وبعد أن فارقها سلام تزوّجت مرّة ثانية من كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق وهو من بني النّضير، (طبقات ابن سعد: ج 8، 120؛ أنظر أيضًا: تاريخ الطبري: ج 2، 298؛ سيرة ابن كثير: ج 3، 363؛ تاريخ أبي الفدا: ج 1، 211؛ عمدة القاري للعيني: ج 18، 193؛ فتح الباري لابن حجر: ج 7، 469-470). لقد وقعت صفيّة في السبي فاقتادها بلال مع امرأة أخرى إلى محمّد، وفي طريقه مرّ بهما على ذويهما القتلى من اليهود "فلمّا رأتهم التي مع صفية صاحت وصكّت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول الله صلعم قال: أعزبوا عنّي هذه الشيطانة، وأمرَ بصفية فحيزت خلفَه، وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله صلعم اصطفاها لنفسه." ( تفسير البغوي: ج 7، 309. ويروى أنّ محمّدًا قد وبّخ بلالاً على ما فعله، فقد روي أنّه قال لبلال: "أنزعت منك الرحمة يا بلال، حيث تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟"، كما يورد البغوي.). وكان عدد السّبايا من يهود خيبر كبيرًا، كما تذكر الرّوايات: "وفشت السّبايا من خيبر في المسلمين." (سيرة ابن هشام: ج 2، 330؛ تاريخ الطبري: ج 2، 298؛ سيرة ابن كثير: ج 3، 363؛ عيون الأثر لابن سيد الناس: ج 2، 137). وكان زوج صفيّة من بين الذين قتلهم محمّد في حربه ضدّ يهود خيبر، فقد كان أُسر زوجها وكُتف وقُتل: "لما نزل رسول الله صلعم خيبر وصفية عروس في مجاسدها ... فافتتحها رسول الله صلعم فضربَ عنقَ زوجها صبرًا." (مجمع الزوائد للهيثمي: ج 9، 404؛ أنظر أيضًا: الإصابة لابن حجر: ج 7، 740؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني: ج 22، 328؛ الآحاد والمثاني للشيباني: ج 5، 441؛ سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: ج 11، 215).

وقيل إنّ محمّدًا اختار صفيّة لنفسه بعد أن قتل زوجها، وبعد أن ذُكر له جمالها: "فلما فتح الله عليه الحصن، ذُكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها رسولُ الله صلعم لنفسه." (شرح السنة للبغوي: ج 5، 322؛ أنظر أيضًا: سيرة ابن هشام: ج 2، 646؛ صحيح البخاري: ج 3، 1059؛ عمدة القاري للعيني: ج 18، 194؛ الرحيق المختوم للمباركفوري: ج 1، 471). وعلى ما يبدو، فقد حاول بعض أصحاب محمّد أن يأخذها لنفسه: "وتعرّض لها من هنالك من فتيان رسول الله صلعم." (مجمع الزوائد للهيثمي: ج 9، 404؛ أنظر أيضًا: الآحاد والمثاني للشيباني: ج 5، 441؛ )، أو قيل إنّ دحية الكلبي طلب من محمّد أن يمنحه جارية من السبي، فاختار صفيّة: "فجمع السبي، فجاء دحية فقال: يا نبي الله، أعطني جارية من السّبي، قال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي." (تفسير البغوي: ج 7، 309؛ أنظر أيضًا: جامع الأصول لابن الأثير: ج 8، 6126؛ مستخرج أبي عوانة: ج 8، 111؛ سيرة ابن كثير: ج 3، 373؛ صحيح أبي داود: ج 2، 580). غير أنّ ثمّة روايات تقول إنّ صفيّة قد تمّ الاتّجار بها، بصفتها سبيّة من سبايا خيبر. فقد تمّ بيعها أو تبديلها بعدد من الرّؤوس - السّبايا - من يهود خيبر. فقد روي أنّ صفيّة كانت وقعت، بعد أن قُسمت السبايا، في سهم دحية الكلبي. فجاء رجل إلى الرّسول، فقال: "يا نبي الله، أعطيتَ دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير؟ لا تصلح إلاّ لك، قال: ادعوه بها. فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلعم قال: خذ جارية من السّبي غيرها. قال: فأعتقها النبي صلعم وتزوجها." (تفسير البغوي: ج 7، 309)، وقيل إنّ محمّدًا اشتراها من دحية وتزوّجها، وعوّض دحية عنها بأخريات: "وأما صفية بنت حيي فهي من خيبر... روي أنها وقعت في سهم دحية الكلبي فاشتراها منه النبيّ بسبعة أرؤس." (عون المعبود للعظيم أبادي: ج 6، 477؛ أنظر أيصًا: فتح الباري لابن حجر: ج 12، 22؛ سيرة ابن هشام: ج 2، 330؛ سيرة ابن كثير: ج 3، 363؛ تفسير القرطبي: ج 14، 166؛ الروض الأنف للسهيلي: ج 4، 66؛ عيون الأثر لابن سيد الناس: ج 2، 137؛ الإصابة لابن حجر: ج 4، 18؛ الاستيعاب لابن عبد البر: ج 1، 16؛ سير أعلام النّبلاء للذهبي: ج 231-232؛ تاريخ ابن خلدون: ج 2، 39؛ تاريخ خليفة بن خياط: ج 1، 10).

وكالعادة، وكما حدث
مع السبيّة ريحانة من قبل، فقد حاول محمّد الإسراع بالدّخول على صفيّة بنت حيي التي قُتل جميع ذويها، غير أنّها صدّته في البداية، فاكتئب لذلك واغتمّ على ما تفيد الرّوايات: "قال أنس: انصرفنا مع رسول الله صلعم من خيبر ... فلما بلغ ثبارًا أراد أن يعرس بها هناك، فأبت عليه حتّى وَجَدَ في نفسه." (مغازي الواقدي: ج 1، 289؛ أنظر أيضًا: الإصابة لابن حجر: ج 7، 739). وتذكر الرّوايات أنّ أبا أيوب الأنصاري طاف اللّيل يحرس قبّة محمّد في اللّيلة الّتي أعرس بها: "قالوا: وبات أبو أيوب الأنصاري قريبا من قبته آخذًا بقائم السّيف حتى أصبح، فلما خرج رسول الله صلعم بكرة فكبر أبو أيوب فقال: ما لك يا أبا أيوب؟ فقال: يا رسول الله، دخلتَ بهذه الجارية وكنتَ قد قتلتَ أباها وإخوتَها وعمومَتَها وزوجَها وعامّة عشيرتها، فخفتُ أن تغتالك. فضحك رسول الله صلعم وقالَ له معروفًا." (مغازي الواقدي: ج 1، 708؛ أنظر أيضًا: تاريخ دمشق لابن عساكر: ج 16، 46؛ زاد المعاد لابن قيم الجوزية: ج 3، 283).

وعلى ما يبدو فقد أثار جمال صفيّة غيرة نساء محمّد الأخريات كما يُروى، فأخذن يُعيّرنها بكونها يهوديّة: "عن ابن عباس: أن صفية بنت حيي أتت رسول الله صلعم فقالت: إن النساء يُعَيّرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين. فقال لها رسول الله صلعم: هلاّ قلت، إنّ أبي هارون وعمّي موسى وزوجي محمد." (تفسير النيسابوري: ج 7، 45؛ أنظر أيضًا: تفسير الألوسي: ج 19، 279؛ تفسير ابن عجيبة: ج 6، 112). وكما يروى أيضًا فهنالك من يقول إنّ آيتين قرآنيتين قد نزلتا بشأن صفيّة، إحداهما في سورة الأحزاب: "عن ابن عباس في قوله - إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا-سورة الأحزاب: 57 - قال: نزلت في الذين طعنوا على النبي صلعم حين اتخذ صفية بنت حيي بن أخطب." (تفسير الطبري: ج 20، 323؛ الكشف والبيان للثعلبي: ج 11، 176؛ التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي: ج 2، 378؛ تفسير الألوسي: ج 16، 221؛ فتح القدير للشوكاني: ج 4، 430). وهناك من يقول إنّ الآية 11 من سورة الحجرات {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء}: "نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب قال لها النساء: يهودية بنت يهوديين." (تفسير البغوي: ج 7، 343؛ أنظر أيضًا: زاد المسير لابن الجوزي: ج 7، 466؛ تفسير النيسابوري: ج 7، 45؛ تفسير اللباب لابن عادل: ج 14، 318؛ تفسير الألوسي: ج 19، 279؛ تفسير ابن عجيبة: ج 6، 112؛ شرح سنن ابن ماجة للسيوطي: ج 1، 265)

يُذكر في هذا السّياق أنّ شغف محمّد الدّائم بالنّساء وبحثه عن الفوز بهنّ كان جزءًا من دعاوى اليهود التي تطعن في نبوّته: "وذلك أن اليهود عيّرت رسول الله صلعم بكثرة النساء وقالوا: ما له همة إلا النّساء والنّكاح." (الوجيز للواحدي: ج 1، 575)، وقالوا: "لو كان نبيًّا ما رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوّة عن ذلك." (تفسير القرطبي: ج 5، 241؛ طبقات ابن سعد: ج 8، 202)، إذ ليست هذه السّلوكيّات من نوع السلوكيّات التي تليق بالأنبياء، كما قالوا: "قالت يهود لما رأت رسول الله يتزوج النساء: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام، ولا والله ما له همّة إلا النساء، وحسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك، وقالوا: لو كان نبيًّا ما رغب في النّساء. وكان أشدّهم في ذلك حيي بن أخطب." (طبقات ابن سعد: ج 8، 202؛ أنظر أيضًا: الكشف والبيان للثعلبي: ج 3، 445؛ تفسير ابن أبي زمنين: ج 1، 127).

أمّا الإسلام فقد ذكّر هؤلاء عبر القرآن وتفسيراته بكثرة نساء سليمان وداود، كما ذُكر بشأن الآية 54 من سورة النّساء: "فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه فقال {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}، يعني بالناس رسول الله صلعم، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. ما آتى الله سليمان بن داود، عليه السلام، كانت له ألف امرأة... وكانت لداود مائة امرأة... فهذا أكثر مما لمحمد، صلعم." (طبقات ابن سعد: ج 8، 202؛ أنظر أيضًا: تفسير الطبري: ج 4، 141؛ تفسير القرطبي: ج 5، 241؛ أنظر أيضًا: تفسير البغوي: ج 1، 236؛ الدر المنثور للسيوطي: ج 2، 566). غير أنّ اليهوديّة لا ترى في سليمان وداود من الأنبياء، بل هم ملوك، بخلاف النّظرة الإسلاميّة إليهم. لهذا السّبب أيضًا نظر اليهود إلى محمّد بوصفه ملكًا، فنعتوه بـ"ملك الحجاز" أو "ملك يثرب"، كما روي بشأن حلم صفيّة بنت حيي بن أخطب، وضرب زوجها لها: "وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق أنّ قمرًا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا؟ إلا أنك تَمَنّين ملكَ الحجاز محمدًا، فلطم وجهها لطمة اخضرّت عينها منها" (تاريخ الطبري: ج 2، 302؛ أنظر أيضًا: تفسير البغوي: ج 7، 309؛ سيرة ابن كثير: ج 3، 374؛ سنن البيهقي: ج 2، 62؛ صحيح ابن حبان: ج 21، 439؛ عمدة القاري للعيني: ج 18، 193).

على كلّ حال، وعلى ما يبدو،
فإنّ صفيّة هذه لم تنسَ بني قومها، فقد واصلت العطف على اليهود لاحقًا، واستمرّت على علاقة وثيقة وخاصّة بيوم السّبت، وهو اليوم المقدّس في اليهوديّة. فقد وشت بها إحدى جواريها إلى عمر بهذا الشأن، كما تذكر الرّوايات. فما كان من صفيّة إلاّ أن أطلقت تلك الجارية وأبعدتها عنها: "أنّ جارية لصفية أتت عمر فقالت: إن صفية تحبّ السبت وتصلُ اليهودَ. فبعث إليها عمر فسألها، فقالت: أما السّبت فلم أحبّه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأمّا اليهود فإنّ لي فيهم رحمًا فأنا أصلُها. ثم قالت للجارية: ما حَمَلك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان. قالت: فاذهبي، فأنت حرّة." (تاريخ الإسلام للذهبي: ج 1، 503؛ أنظر أيضًا: الإصابة لابن حجر: ج 7، 741؛ سير أعلام النبلاء للذهبي: ج 2، 232؛ الوافي بالوفيات للصفدي: ج 5، 251).


***

في المقالة القادمة سنتطرّق إلى إجلاء اليهود من جزيرة العرب.

والعقل ولي التوفيق.

***

المقالة في "شفاف الشرق الأوسط"
***

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات هذه السلسلة:
المقالة الأولى: "هل القدس حقًّا هي أولى القبلتين؟"
المقالة الثانية: "لماذا استقبال بيت المقدس في الصّلاة؟"
المقالة الثالثة: "لماذا استقبال قبلة اليهود بالذّات؟"
المقالة الرابعة: "من هو النّبي الأمّي؟"
المقالة الخامسة: "لماذا حُوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟"
المقالة السادسة: "المصير الذي آل إليه يهود جزيرة العرب"
المقالة السابعة: "إكسودوس بني النضير"
المقالة الثامنة: "محرقة بني قريظة 1"
المقالة التاسعة "محرقة بني قريظة 2"
المقالة العاشرة: "ماذا جرى مع يهود خيبر؟"
المقالة الحادية عشرة: "إجلاء اليهود من جزيرة العرب"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
***

مشاركات وإرسال بالإيميل


للتعليق في الفيسبوك :

1 تعليقات:

عبود مصالحة,  أغسطس 03, 2014 3:12 م  

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله النبي الأمّي محمد بن عبدالله
ام بعدو فقد تابعت ما جاء في رواياتك الموثقة أو قد تكون والله سيحاسبنا جميعا على كل قول وفعل انه سميع عليم
ولكن وانت كما قرأت عنك من فلسطين (مسلم او مسيحي او يهودي) هذا شيء يعود لك، ولكن لماذا اليهود بالذات من التاريخ الاسلامي المشرف وهو الذي يشهد به بني جلتهم بانهم لم ينعمون يوما بالسلم والامن الا في عهد المسلمين ولا تنسى انهم خرجوا مع المسلمين حين أخرج المسلمون من الاندلس

ولكني ايضا بصفتك تهوى البحث في التاريخ اتمنى عليك ان تنشر لنا ايضا مذابح ومجازر الصهاينة للفلسطينيين من التاريخ الحديث(أطفالا ورجالا ونساء) ولا تنسى اغتيال الموساد للفلسطينيين في جميع أنحاء العالم

للتعليق في الموقع

قرّاء الجهة

قرّاء حول العالم
عدّاد القراء بحسب البلد
free counters
للقائمة الكاملة، انقر هنا

محتويات الجهة

لغات أخرى

OTHER

إنكليزية

ENGLISH

عبرية

HEBREW

عودة إلى رأس الصفحة