25 أكتوبر 2008

هل هي حقًّا ديمقراطيّة إسرائيليّة؟

سلمان مصالحة

هل هي حقًّا ديمقراطيّة إسرائيليّة؟

بعد أسبوعين ونيّف

ستشهد السّاحة الإسرائيليّة انتخابات السّلطات البلديّة. لن أتطرّق في هذه المقالة إلى أبعاد هذه الانتخابات في الوسط اليهودي رغم أنّ نتائجها قد تشير إلى التّحوّلات الطّارئة على السّاحة الإسرائيليّة في السّنوات الأخيرة، وقد أعود إلى هذا الموضوع في المستقبل.
إنّ ما أنوي التّطرُّق إليه الآن يخصّ السّاحة العربيّة داخل إسرائيل. هذا الأمر جدير بالاهتمام، ليس لارتباط هذا الموضوع بالأوضاع الإسرائيليّة العامّة بل لكونه مؤشّرًا على حال هذه الأقليّة العربيّة على اختلاف التّسميات الّتي أُسبغت عليها طوال العقود الماضيّة، بدءًا من "عرب الدّاخل"، "فلسطينيّي الدّاخل"، "عرب الـ ٤٨"، "عرب إسرائيل"، وما إلى ذلك من تسميات شاعت في وسائل الإعلام العربيّة والأخرى.

والأمر في غاية الأهميّة

لأنّه يشي بما هو أبعد من مجرّد مشاركة مواطنين في انتخابات قد تبدو ديمقراطيّة في ظاهرها، وهي كذلك حقًّا من ناحية المبدأ. غير أنّ النّاظر في ما هو أبعد من هذه الشّكليّات الّتي تُزيّن العمليّة سيفقه لا شكّ أنّها في واقع الحال أبعد ما تكون عن هذه "الديمقراطيّة" الوافدة إلى بلاد العرب. فبعد أن حلّت هذه الديمقراطيّة ضيفةً على مضارب العربان أخذت تتزيَّى بزيّهم، وهكذا بدأنا نشهد في المدن والقرى العربيّة مسخًا ديمقراطيًّا يتمثّل في إجراء انتخابات تمهيديّة تتمّ لدى الحمائل والقبائل يُنتخبُ فيها من سيمثّل قائمة القبيلة في الانتخابات البلديّة. وهكذا مسخت هذه الذّهنيّة العربيّة القبليّة المتجذرّة كلّ ما هو سامٍ، حتّى أجهضت هذه الذّهنيّة العربيّة، الموبوءة بداء مزمن، على الجوهر الدّيمقراطي جملةً وتفصيلاً.

وإذا كان البعض

يعتقد أنّ الأمر يقتصر على شريحة النّاس من صنف أولئك التّقليديّين القرويّين الّذين لم يدرسوا في الجامعات ولم يأخذوا بأسباب العلم ويحصلوا على شهادات أكاديميّة، أو من صنف الّذين لم ينضووا تحت رايات وتيّارات وأحزاب طالما ادّعت العلمانيّة، زورًا وبهتانًا، فهو مخطئ تمامًا. إذ أنّ الواقع يكشف أنّ الكثيرين ممّن انتسبوا إلى الجامعات وانضووا هنا وهناك تحت رايات "علمانيّة" ورفعوا شعارات "تقدّميّة" و"وطنيّة" وما إلى ذلك من بلاغة كلاميّة ليس إلاّ، يعودون إلى قراهم ومدنهم وسرعان ما يندسّون في "حضن القبيلة الدّافئ" وتذهب شعاراتهم السّابقة أدراج الرّياح. وهكذا تتكشّف لنا هذه الانتخابات البلديّة عن قوائم مسيحيّة، وقوائم درزيّة، وقوائم إسلاميّة وفوق كلّ ذلك قوائم حمائليّة قبليّة ضمن هذه التّفريعات الذّهنيّة. وهذه الذّهنيّة تتخطّى الحمائل لتصل إلى الأحزاب الّتي تدّعي الجمع بين أفراد "الشّعب الواحد"، كما يشيعون.

فعلى سبيل المثال،

لقد نما إلى أسماعي من بعض "الرّفاق" أنّ الجبهة "الديمقراطيّة" (يا لها من تسمية!) أجرت انتخابات تمهيديّة لاختيار مرشّحيها لانتخابات بلديّة في إحدى المدن، وبعد أن انتهى "الرّفاق" من الاقتراع ظهرت النّتائج فتبيّن أنّ الأشخاص الّذين انتخبوا للأماكن الثّلاثة الأولى، أي الّذين حصلوا على أكبر عدد من الأصوات، لا يوجد بينهم أيّ شخص مسلم. وهكذا ثارت ثائرة كثيرين لعدم انتخاب شخص مسلم لأحد هذه الأماكن الأولى، ولكي لا تتدحرج كرة الثّلج هذه فتكبر الفضيحة وتنتشر على الملأ، تمّت لفلفة الأمور وأعيدت الانتخابات للمكان الأول حيث تمّ "انتخاب"، أي تعيين، مسلم لهذا الموقع. هذه هي مسخرة "الديمقراطيّة" العربيّة، حتّى لدى كلّ تلك الأحزاب تدّعي الـ "ديمقراطيّة" وتدّعي الـ"وطنيّة" الّتي لا تفرق بين المواطنين أو بين أبناء "الشّعب الواحد". كذا هي حال الجبهة "الديمقراطيّة"، وكذا هي الحال مع التّجمع "الوطني" "الدّيمقراطي"، كما يدّعي كلّ هؤلاء في كلّ موقع، أو قرية، أو مدينة. فإذا كانت هذه هي حال مُدّعي التّقدُّم والوطنيّة والدّيمقراطيّة، فما بالكم بسائر شرائح المجتمع لدى "عربان الـ 48".

وفي هذه الأثناء،

أشبعنا جميع هؤلاء شعارات رنّانة طنّانة عن الوطنيّة والقوميّة والعروبة والدّيمقراطيّة رافعين رايات محاربة "الأسرلة"، كما شاع التّعبير في السّنوات الأخيرة، بينما في الوقت ذاته يتنازعون فيما بينهم على كسب الأصوات من أجل الوصول إلى الكنيست، حيث يقسمون فيها من على المنصّة يمين الولاء لدولة إسرائيل. أليست هذه الحال جزءًا من هذه المسخرة والضّحك على الذقون العربيّة؟
فماذا أقول إذن؟ أستطيع أن أطمئن جميع هؤلاء. من خلال النّظر في ما هو حاصل على أرض الواقع يمكنني القول يقينًا: لا يوجد أسرلة، كما يشيعون، إذ أنّ هذه الانتخابات البلديّة والعامّة تفضح هذه الحال العربيّة على الملأ. إنّها لا تمتّ إلى الأسرلة ولا إلى إسرائيل ولا تمتّ إلى الوطنيّة ولا إلى الدّيمقراطيّة بأيّ صلة. إنّها انتخابات "عربان پار-إكسلانس". لا عروبة حقيقيّة ولا أسرلة حقيقيّة ولا أيّ بطّيخ من هذه الشّعارات. إنّها ذهنيّة عربان متجذّرة. إنّها فيديراليّات شراذم وليس أيّ شيء آخر ممّا يدّعون.

لهذا السّبب،

أرى إنّ هذه الانتخابات البلديّة في القرى والمدن العربيّة هي مضيعة للوقت وإهدارًا للموارد، ويجب البحث عن سبل أخرى لإصلاح شؤون النّاس البلديّة. مثلاً، أن يتمّ تعيين المسؤولين من قبل هيئة وزاريّة مختصّة، بعد إجراء مناقصات جدّيّة بين مرشّحين جدّيّين يمتلكون التّأهيل المناسب لهذه الوظائف، بدل إضاعة الوقت والمال في انتخاب زعماء قبائل وطوائف أمّيّين، تحت مسمّى الدّيمقراطيّة، يعيثون في القرى والمدن العربيّة فسادًا.
وإذا كانت هذه هي حال "عربان الـ 48"، فما بالكم بسائر العربان في مشارق الأرض ومغاربها؟
كذا كان وكذا يكون إلى يوم يُبعثون.

والعقل وليّ التّوفيق!
***


مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

هناك تعليقان (2):

  1. سلام أستاذ مصالحة: سبق لي أن علقت على مواضيعك في إيلاف بإسم أضحى ماركة مسجلة " أبو سفيان" الآن بوسعي أن أرسل لك تحياتي القلبية بإسمي الصريح،
    وتستطيع معرفي عبر المدونة
    nkraitt.blogspot.com

    ردحذف
  2. سلام أستاذ مصالحة
    nkraitt.blogspot.com

    ردحذف

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن