12 أكتوبر، 2008

محنة لغوية عربية

سلمان مصالحة

محنة لغويّة عربيّة

كثيرًا ما يتغنّى العرببأمجاد اللّغة العربيّة. ولا بأس في ذلك لو كان العرب حقًّا يحترمون لغتهم ويعملون على تطويرها وتطويعها لتشمل مستجدّات البحوث في جميع المجالات العلميّة والحضاريّة المتسارعة. غير أنّ نظرة سريعة على حال هذه اللّغة تُفضي بالمرء إلى الاكتئاب لما آلت إليه حال هذه اللّغة وحال أصحابها. مرارًا وتكرارًا يحاول العرب أن "يُطعموا أنفسهم جوزًا فارغًا" من خلال الاستهتار باللغة العبرية على سبيل المثال، مقارنة باللغة العربيّة. لا شكّ أنّ هذا الاستهتار نابع من الجهل التّام بهذه اللغة العبريّة وما تقدّمه لأهلها في جميع المجالات الحضاريّة علميّة وفكريّة وأدبيّة، إبداعًا أصيلاً بها أو ترجمة إليها من أبداعات الشّعوب الأخرى.
يكفي أن نذكر هنا في هذه العجالة أنّ ما يُكتب ويُترجم ويُنشر ويُباع في سوق هذه اللّغة العبريّة هو أكثر بكثير من كلّ ما يُنشر ويباع في العالم العربي بأسره من المحيط إلى الخليج. ليس هذا فحسب، بل إنّ جميع العلوم الطّبيعيّة والإنسانيّة تجد طريقها إلى هذه اللّغة كتابة وترجمة وفوق كلّ ذلك قراءة، بينما يركن العرب إلى دغدغة عواطفهم ببلاغة تليدة وبليدة في آن معًا مدّعين بكون العربيّة لغة غنيّة لا تضاهيها لغة أخرى. قد تكون العربيّة غنيّة حقًّا في كلّ ما يتعلّق بحياة البداوة والطّبيعة، غير أنّ هذا الغنى هو غنى قاموسي لا يعرفه أهل هذه اللّغة ولا يستعملونه أصلاً. فما فائدة هذا الغنى، إذن، إن كان مُكدّسًا في أكياس مهترئة ملقاة في المزابل لا يلتفت إليها أحد؟ ناهيك عن أنّ هذا الغنى الصّحراوي، على ما فيه من جماليّات بلا شكّ، لا ينفع النّاس واحتياجاتهم العلميّة والثّقافيّة في هذا الأوان.
وإذا حاول العرب تعريبمصطلحات أجنبيّة، فإنّهم يعرّبونها خطأ، وإذا نقلوها لفظًا إلى لغتهم فإنّهم ينقلونها خطأ أيضًا، فتشيع تلك المفردات المخطوئة في اللّغة العربيّة فيختلط حابل العرب بنابلهم. وهم، "ما شا اللّه"، مكثرون في مؤسّسات تسمّى مجامع اللغة العربيّة الّتي لا ندري ما تعمل وكيف تعمل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يُعرّب العرب المصطلح "پاسيڤي" (passive) كـ"سلبيّ"، فيكتبون مثلاً: تدخين سلبي، بدل تدخين پاسيڤي، وكأنّ هناك تدخينًا "إيجابيًّا" خلافًا للتّدخين السّلبيّ. ويكتبون "انتهت اللعبة بين فريقي كرة القدم القدم بالتّعادل السّلبي"، إذا انتهت المبارة بالنتيجة صفر:صفر لكلا الفريقين. فلماذا سلبيّ؟ وما علاقة السّلب والإيجاب بهذا السّياق؟ وإذا قاوم متظاهرون محاولات الشّرطة لتفريقهم مقاومة "باسيڤيّة"، يأتي جهلة العرب فيسمّون هذه المقاومة "مقاومة سلبيّة"، علمًا أنّ كلّ ما في هذه المقاومة ليس سلبيًّا بل إيجابيّ بالتأكيد.
ومن بين أعراض هذه المحنةأنّ العرب يخلطون الأمور دون وازع أو رادع فيستخدمون مصطلحات يجدونها في الصّحافة دون أن يفهموا المعنى الدّقيق لها، فيطفقون في دسّها في كلّ شاردة وواردة. وعلى سبيل المثال أيضًا، ها قد اكتشف جهلة العرب مفردة جديدة في السّوق، ويكاد المرء يجدها في كلّ صحيفة عربيّة من المحيط إلى الخليج، وأعني هنا مفردة "مقاربة". لا أدري من أين جاءت وكيف شاعت هذه المفردة في الكتابة العربيّة؟ لقد تعوّدنا عقودًا كثيرة على مصطلحات عربيّة تفي بهذا المعنى المقصود، وهو "تَوَجُّه" أو "نَهْج" أو "منهج" وما شابه ذلك. غير أنّ الفهلويّين من صحافيّي العرب والمترجمين في هذه الصحافة قد قرّروا أخيرًا ترجمة هذا المصطلح (approach) حرفيًّا، ومذّاك شاعت مفردة "مقاربة"، وصار كلّ شيء في حياة العرب وكتاباتاتهم "مقاربة"، وهم لا يفهمون أصلاً ما يعنيه هذا المصطلح. وصرنا نقرأ جملاً مثل: "وهنا يقارب ابن رشد المشكل مقاربة تسائلية لا مقاربة حاسمة..." (عن: محمد أركون، عن موقع ابن رشد). أو نقرأ عنوانًا مثل: "مقاربة الفساد صحفيًا مدخل لمحاصرته قانونيًا" (عن النور، نشرة الحزب الشيوعي السوري). مقاربة الفساد صحفيًّا! ما هذا الهراء؟ أمّا في مجلّة "العربي الحرّ" (لاحظوا التسمية البليدة للمجلّة)، فنقرأ: "الملاحظ أن هذه المداخل تتكامل فيما بينها بالشكل الذي يجعل مقاربة إشكالية التجديد في الفكر التربوي عملية مركبة ..."، فماذا يعني هذا الكلام، مقاربة إشكاليّة التّجديد؟ وفي المعهد العربي للثقافة العمالية نقرأ: "يُشكل مفهوم السوق في الاقتصاد السياسي عاملا لا بد من استحضاره إن أردنا إنجاز مقاربة للواقع الاقتصادي."، فأيّ شيء هذا "إنجاز مقاربة"؟
أمّا صحيفة "الزّمان" فتنقل على لسان أحد الجهلة من الكتّاب، آلينا ألاّ نذكر اسمه: "ويلوم (فلان الفلاني) الخطاب النقدي العربي لكونه ظل متردداً في مقاربة حقيقية للفضاء الروائي". أليس مضحكًا هذا الكلام؟ كُنّا مع مقاربة فأضحينا مع فضاء أيضًا: "مقاربة حقيقيّة للفضاء الروائي"، فازداد الطّين بلّة على بلّة. وانظروا إلى هذا العنوان: "مقاربة مريض بألم مفصلي...". هل يفهم القارئ هذا الكلام؟ وإن لم يفهم فلعلّه يفهم هذا الكلام: "مقاربة التدريس بالكفايات أو الكفاءات واستخدامها في تعليم اللغة العربية....". وإذا يئس فلعلّ في هذا الكلام ما يشرح صدره: "منهجية مقاربة القولة:... وفي هذا الإطار، وجب التنبيه إلى بعض الصعوبات، التي يمكن أن نجدها في مقاربة القولة...". فلا يسع القارئ سوى الرّكون إلى الحوقلة.
وأخيرًا، ومن أجل تلخيص هذه الحال اللّغويّة العربيّة، إليكم هذا المثال: "مقاربة حول محنة الأمة وضرورة مواجهة الذات العربية" (عن صحيفة الرأي السورية). حقًّا إنّها محنة، لقد تحوّلت مفردة "مقاربة" إلى محنة عربيّة، أو وباء عربيّ مردّه إلى الجهل. وهكذا، فقد أضحت اللّغة العربيّة فقيرة جدًّا في هذا العصر على أيدي أصحابها.
ومن بين المسبّبات لفقر العربيّةفي هذا الأوان يمكننا أن نشير إلى تلك النّظرة الأصوليّة في هذا الأوان حول كلّ ما يتعلّق بهذه اللّغة. إذ يعتقد كثيرون خطأ أنّ المعاجم العربيّة القديمة نقيّة من تأثيرات اللّغات المجاورة، غير أنّ النّاظر في هذ التّراث اللّغوي العربي يرى الكثير الكثير من المفردات والمصطلحات الأعجميّة الّتي دخلت على هذه اللّغة بطبيعة الحال. ويكفي، على سبيل المثال، أن نُذكّر القارئ العربيّ إنّه في حياته اليوميّة قد لا يجد مفردة عربيّة واحدة في مأكله ومشربه، في حلّه وترحاله، فلا الـ"بندورة"، ولا الـ"بطاطا" والا الـ"باذنجان" ولا الـ"خيار" الّذي يتناوله العربيّ يوميًّا يعود إلى اللّغة العربيّة. ولا الـ"فستق" ولا الـ"بندق" الّذي يقشره ويتسلّى به، يوميًّا أيضًا، يعود إلى العربيّة، ولا الـ"نموذج" الّذي يعبئه بين فينة وأخرى في معاملاته الإداريّة يعود إلى العربيّة، ولا حتّى الـ"قلم" الّذي يعبّئ به ذلك الـ"نموذج". وكلّ هذا ناهيك عن مفردات الحياة المعاصرة، فالعربيّ إذ ركب سيّارة فهو لا يعرف أجزاء تلك السيّارة باللّغة العربيّة، وإذا استمع إلى "راديو"، أو شاهد "برنامجًا" "تلفزيونًا"، فهي كلّها مفردات أجنبيّة. وإذا استخدم الحاسوب فهو لا يعرف لغة الحاسوب وبرمجاته باللّغة العربيّة، كما أنّه لا يعرف لغة البحوث والعلوم باللّغة العربيّة. وإذا رغب في شرب "فنجان" قهوه، أو "كوب" شاي، فهو لا يستخدم لغة عربيّة لأنّ الفنجان والكوب والإبريق كلّها ليست عربيّة، وغير ذلك الكثير الكثير.
وأخيرًا، سأصارحكم القول.أستطيع أن أؤكّد لكم أنّ التّرجمات والكتابات باللّغة العبريّة، أكانت هذه كتابات وترجمات علميّة أو ترجمات أدبيّة شعرًا وقصّة ومقالة، هي أكثر دقّة وأمانة وجمالاً من حال كلّ هذه الأمور في اللّغة العربيّة. وهنالك قواميس ومعاجم عبريّة معاصرة تتجدّد كلّ بضع سنوات، بينما لا يجد الطّالب العربي لا في الثّانويّة ولا في الجامعة ما يروي ظمأه في كلّ ما يتعلّق باللّغة العربيّة المعاصرة. لهذا، أشكّ كثيرًا إذا كان الطّالب العربيّ يفهم ما يقرأ أصلاً في هذه الصّحافة أو يفقه شيئًا من هذه التّعريبات. وإذا كان كلامي الصّريح هذا يثير حفائظكم وحفائظ مجامعكم اللّغويّة، فهذا شأنكم وشأنهم في تلك المجامع. أمّا أنا، فما عليّ إلاّ البلاغ.
والعقل وليّ التّوفيق

*
7 أغسطس 2008



مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام