14 يناير، 2009

عدوان في حفرة واحدة


سلمان مصالحة


عَدُوّان في حفرة واحدة

إنّ إحدى أعوص القضايا
الّتي تواجه المجتمعات العربية التي يشكل الإسلام عمودها الفقري هي انعدام ثقافة حساب النّفس. تجدر الإشارة إلى أنّه، وبخلاف مجتمعات أخرى التي تشكّل آليات حساب النّفس ركيزة هامّة في حضارتها ما يمكّن من إجراء تصحيح ذاتي، لا نعثر في المجتمعات العربية على آليات من هذا النّوع. فلا الدّين يزوّد هذه الآليّات، ولا الأنظمة الفاسدة معنيّة بآليّات كهذه، ولا رجال الفكر العرب، ما عدا قلّة قليلة منهم، يزوّدون المجتمع بهذه البضاعة. لقد قضى الشاعر الفلسطيني محمود درويش نحبه منذ مدّة، ولن يستطيع التّطرُّق إلى حرب غزّة الآن. غير أنّه، وقبل أن يفارق الحياة، كان قد نشر، في تموز 2008، قصيدة بعنوان "سيناريو جاهز"، يرسم فيها خطوطًا لسيناريو مفترض عن عدوّين يجدان نفسيهما داخل حفرة. الأوّل هو الشّاعر ذاته الذي يرمز إلى الفلسطيني، والثّاني هو "العدو"، بـ أل التّعريف، دون أن يذكر هويّة هذا العدو. إذ أنّ القارئ سيعرف لوحده من هو العدو المقصود.

وها هي حفرة غزّة
تفغر فاها على مصراعيه ويسقط فيها العدوّان. وها هو الفلسطيني يجد نفسه عاجزًا أمام حالة الكذب على الذّات. ففي مقالة نُشرت في صحيفة "الأيّام" الفلسطينيّة يستهجن الكاتب الفلسطيني هاني المصري شحوب ردّ الفعل الفلسطيني في الضفّة الغربيّة إزاء أهوال القتل والهدم في غزّة: "التحركات الشعبية التي شهدتها الضفّة حتّى الآن، ونحن في اليوم الرابع عشر للعدوان، لم ترتق الى مستوى التلاحم بين الشعب الواحد ولا الى مستوى شلال الدم النازف والمجازر اليومية، وكانت أشبه بالتضامن الذي يجري في أي بلد من بلدان العالم، بل ان الكثير من بلدان العالم تضامنت مع غزة بشكل أقوى من خلال المظاهرات المستمرة المليونية وباشكال متنوعة أوسع كثيرًا مما حدث في الضفّة"، كما يكتب هاني المصري (الأيّام، 10 يناير 2009).

مرّة تلو أخرى تتعالى أصوات
المراثي الفلسطينية على المصير الّذي آل إليه الفلسطيني دون أيّ محاولة لإجراء حساب نفس حقيقي. "نحن عاجزون.. نحن منهزمون.... فاعذرونا يا أطفالنا الموتى"، يكتب عبد الله عواد، في صحيفة "الأيّام" ويُطلق سهام النّقد باتّجاه القيادات الفلسطينيّة: "لماذا لا يذهب مشعل وعباس لغزة؟... هذا ليس سؤالاً خاصاً، وانما سؤال الشعب، سؤال الناس. وهو يقوم على فرضية ان القائد يكون بين شعبه.. دائماً وابداً. ليست شاشة التلفاز مكاناً للقادة ولن تكون، وإنما مكانهم بين شعبهم.. وناسهم.. ومقاتليهم. وحتى اللحظة لم يظهر اي قائد بين المقاتلين او بين الناس"، يصرخ عواد (الأيّام، 8 يناير 2009). أمّا الكاتب الفلسطيني علي الخليلي فيتأسّى على أنّ العرب والفلسطينيّين قد تركوا دور الضحيّة، وأنّهم تركوا هذا الدّور للقاتل الذي يمتلك كلّ هذه القوّة. "والأنكى من ذلك"، يكتب الخليلي هو: "أن يرى العالم، إلا القليل والمهمش منه، هذه الرؤية الإسرائيلية ذاتها، فينقلب الجلاد الواضح بكل جبروته المزلزل، والمتحفز لمزيد من القتل والإبادة، على مدار الساعة، إلى ضحية لا حول لها ولا قوة، إلى الحدّ الذي تستدر فيه العطف والرثاء." (الأيّام، 8 يناير 2009). ثمّ يعود الخليلي ويؤكّد على إنّه يريد استغلال "محرقة" غزّة من أجل إعادة دور الضحيّة إلى الفلسطيني، لأنّ هذا هو الدّور المخصّص بنظره للفلسطيني مقابل القتلة الإسرائيليّين: "الآن، في محرقة قطاع غزة، هل نشهد صحوة لهذا الهدف، فنرفع الضحية التي هي نحن، إلى منصة القضاة، في مواجهة القتلة والجلادين؟".

المثقّف الفلسطيني الوحيد
الّذي كتب نقدًا حادًّا ضدّ حماس هو الكاتب حسن حضر. للهجوم العدواني العنيف على غزّة، كتب حسن خضر، أهداف تتخطّى إحراز إنجازات عسكرية هنا وهناك يمكن لإسرائيل أن تصل إليها. إنّ الهدف من ذلك هو إجراء تجارب على الجيل الرّابع من الأسلحة وإجراء تجارب على تكتيكات حربيّة جديدة. كلّ هذه الظّروف للهجمة الإسرائيليّة قد وفّرتها حماس لإسرائيل. يعلم الإسرائيليّون أنّ اللّه حباهم بأعداء مثاليّين، يكثرون من الصخب والبلاغة، كتب حسن خضر، وأضاف: "لـم يكتمل نصاب الظروف الـمواتية نتيجة عطب أصاب الضمير في الإقليم والعالـم، أو حتى نتيجة شطارة الإسرائيليين،... بل اكتمل لأن ميليشيا حماس، لـم تُبق على حلفاء ولا أصدقاء للفلسطينيين شعباً وقضية، وفعلت كلّ ما من شأنه إقناع منْ لـم يقتنع بعد بأن الفلسطينيين هم، في الواقع، غولياث. وبالتالي فهم يحتاجون إلى تدبير أمرهم بالقوّة." (الأيّام، 6 يناير 2009).

السّطور الأخيرة من القصيدة-
السيناريو الّذي نشره درويش قبل رحيله تنتهي هكذا: "ههنا قاتلٌ وقتيل ينامان في حفرة واحدة / وعلي شاعر آخر أن يتابع هذا السيناريو / إلى آخره". وها هو، وعقب الحرب في غزّة، يأخذ شاعر فلسطيني آخر، سميح القاسم الذي يعتبر نفسه شاعرًا وطنيًّا قوميًّا - وهو مواطن إسرائيلي وفي قائمة المرشّحين الفخريّين لحزب الجبهة الديمقراطية لانتخابات الكنيست - على عاتقه إنهاء السيناريو. ففي قصيدة بعنوان "موعظة لجمعة الخلاص" يكتب: "أنا ملكُ القُدسِ. لا أنتَ، ريتشاردْ!.../ أنا ملكُ القدسِ. من أوَّلِ النقْبِ حتى أعالي الجليلِ.../ فلملِمْ سيوفكَ. واحزِمْ دروعكَ. ريتشارد / وباشِرْ رحيلَكْ. / ستنزلُ أنتَ.. لأصعَدْ... / ... أنا ملكُ القدسِ. دعْ لي الصليبَ / ودعْ لي الهلالَ. ونجمةَ داوودَ. وارحَلْ... / إذا شئتَ. حيًّا. سترحَلْ / وإن شئتَ. مَيْتًا. سترحَلْ". (عن: موقع حزب "الجبهة الديمقراطية" الإسرائيلي، 10 يناير 2009) في مواجهة هذه البلاغة المزيّفة والكاذبة، تنتصب كلمات الكاتب الفلسطيني حسن خضر كالمنارة: "وإذا كان ثمة من كوميديا سوداء، فمن تجلياتها أن غولياث الـمزيّف يهدد غولياث الحقيقي بالويل والثبور وعظائم الأمور، معلنًا أن نهاية إسرائيل أصبحت وشيكة، بينما يسدد الأخير إلى أجساد الفلسطينيين اللكمة تلو الأخرى، والطلعة الجوية تلو الأخرى، ويبكي"، يُجمل حسن خصر كلامه (الأيّام، 6 يناير 2009). في قصيدة كان درويش قد نشرها عقب سيطرة حماس العنيفة على قطاع غزّة، ثمّة تطرُّق إلى الكذب الذّاتي الفلسطيني: "كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء! / أن تُصدّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على غيرك"، كتب درويش (الحياة، 17 يونيو 2007).

وفي هذه اللّحظة الّتي أخطّ فيها
هذه الكلمات لا زالت مسرحيّة الدّم مستمرّة. يبدو أنّ الممثّلين والجمهور في هذه البقعة من الأرض لا زالوا يطلبون الكثير من الـ "أكشن" في هذه التّراجيديا الغير المنتهية. لذلك، ومن أجل إنهاء هذا السيناريو السّيّء الّذي يكتبه أناس سيّئون في ربوعنا، فإنّ هذا المكان بحاجة ماسّة، وأكثر من أيّ شيء آخر، إلى مُخرج شجاع وحكيم، ليس من صنف المخرجين السينيكاليّين من فصيلة الزّعامات الإسرائيليّة والفلسطينيّة، وذلك من أجل أن يضع هذا حدًّا لعرس الدّم الإسرائيلي الفلسطيني. ولأنّه لا يوجد مسرحيّون ومخرجون حكماء في ربوعنا، فعلى هذا المخرج أن يأتي من خارج هذا المكان، على شكل ضغط دوليّ شديد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ولإقامة دولة فلسطينيّة في جميع المناطق المحتلّة منذ العام 1967، ودفع الجانب الفلسطيني والعربي إلى تذويت حقيقي للاعتراف بدولة إسرائيل، وذلك من أجل وضع حدّ لهذا الصّراع الدّموي. لأنّه بدون ذلك، فأغلب الظنّ أنّ هذه المسرحيّة التّراجيديّة ستخرج في رحلة عروض دمويّة في أطراف العالم الواسع.

القدس 12 يناير 2009

***

للمقالة المنشورة في الصحيفة "نوي زورتشر تسايتونغ" باللغة الألمانية، اضغط هنا.

المقالة في "شفاف الشرق الأوسط"،
اضغط هنا.

*

للمقالة باللغة الإنكليزية، اضغط هنا.

للمقالة باللغة العبرية، اضغط هنا.

للمقالة بالألمانية، اضغط هنا.




مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام