بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

"هكذا وخلال سنوات طويلة... وانتشر الفساد في كلّ شبر من الأرض الفلسطينية التي تخطو فيها السلطة الفلسطينية المنبثقة من «اتّفاقات أوسلو».

حلم البحث عن قبيلة جديدة

أوليس هذا الخراب الكبير في الأحوال العربية مردّه إلى خراب بنيوي...

شذرات العجب من أخبار حلب

”ثم رفع يديه وقال: اللهم طيّبْ ثراها وهواءها وماءها وحَبّبْها لأبنائها...“

سورية في ذمة الله

كلّ من يعتقد أنّه يمكن للعجلات السورية أن تدور للوراء وكأنّ شيئًا لم يكن في كلّ هذه الأعوام فهو مُخطئ في تقديراته...

جبران خليل جبران والحلم الصهيوني

إنّها جدّية في إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، يكون سلطة خاضعة لها... ...

"إلى المسجد الأقصى"

سلمان مصالحة

"إلى المسجد الأقصى"

من المعلوم أنّ المسجد الأقصى
لم يكن موجودًا في الفترة التي حصل فيها حدث الإسراء والمعراج. من الناحية الزمنية فقد حصل الإسراء وكما ذكرنا من قبل في المرحلة الإسلامية الأولى، أي عندما كانت القدس وبلاد الشام خارج حدود الإسلام. كما أنّ افتتاح مدينة القدس في سنة 638م، بينما توفّي الرسول في سنة 632م. أمّا حدث الإسراء فقد حصل حوالي سنة 620م، أي قبل ثمانية عشر عامًا من دخول الجيوش الإسلامية المدينة في خلافة عمر بن الخطاب.

لقد بني مسجد قبّة الصخرة إبّان خلافة عبد الملك بن مروان في الفترة الأموية، والصخرة هي البناء الأوّل الذي قام به المسلمون في المدينة في سنة 691م. لقد قام عبد الملك ببناء المسجد بسبب تذمّر النّاس من منعهم عن أداء فريضة الحجّ إلى مكّة، لأنّ ابن الزبير كان يأخذ البيعة له من الحجّاج الوافدين إلى الحجاز. لقد حدا هذا التّذمُّر بعبد الملك إلى بناء الصخرة وتحويل النّاس للحجّ إليها بدل مكّة كما يذكر ابن خلكان:

"وبنى ابنُ الزبير الكعبة وأدخل فيها الحجر وجعل لها بابين مع الأرض يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، وخلّق داخل الكعبة وخارجها فكان أول من خلّقها وكساها القباطي. وولّى أخاه عبيدة بن الزبير المدينة، وأخرجَ مروانَ بن الحكم وبنيه منها فصار إلى الشام. ولم يزل يقيم للنّاس الحجّ من سنة أربع وستين إلى سنة اثنتين وسبعين. فلما ولي عبد الملك منعَ أهلَ الشام من الحجّ من أجل أنّ ابن الزبير كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجّوا. فضجّ الناسُ لما منعوا الحج، فبنى عبد الملك في بيت المقدس الصخرة، فكان الناس يحضرونها يوم عرفة ويقفون عندها. ويقال إن ذلك سبب التعريف من مسجد بيت المقدس ومساجد الأمصار." (وفيات الأعيان لابن خلكان: ج 3، 71-72).

مدينة إيلياء:
تجدر الإشارة إلى أنّه حتّى عندما دخل عمر بن الخطاب المدينة سنة 638 للميلاد لم تكن المدينة تحمل اسم "بيت المقدس" وإنّما كان اسمها إيلياء. وبهذا الاسم تظهر في نصّ الوثيقة، المعروفة بـ"العهدة العمرية"، الّتي حرّرها عمر بن الخطاب لأهلها عندما احتلها الجيش الإسلامي: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان... لا يُكرهون على دينهم ولا يُضارّ أحدٌ منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزية كما يُعطي أهلُ المدائن. وعليهم أن يُخرجوا منها الرّومَ واللُّصُوتَ..." (تاريخ الطبري: 2، 449؛ أنظر أيضًا: البداية والنهاية لابن كثير:ج 7، 65؛ الثقات لابن حبان: ج 2، 213). كما أنّ المسجد الذي تذكر المصادر الإسلاميّة وجوده في المدينة قبل فتح بلاد الشام والاحتلال الإسلامي للمدينة، فإنّه يُذكر باسم "مسجد إيلياء". كما أنّ حدث الإسراء الذي يُروى أنّه حصل قبل حوالي عقدين من الزّمان من احتلال المدينة قد حصل في إيلياء: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي صلعم ليلة أسري به بإيلياء..." (صحيح البخاري: 4، 1743؛ مسند الصحابة في الكتب التسعة: 3، 225 ؛ نظم الدرر للبقاعي: ج 5 ص 17). ومن بين الأحاديث الشهيرة التي تذكر الموقع، يُشار إلى الحديث الذي يذكر "المسجد" مضافًا إلى إيلياء، كأحد ثلاثة مساجد تُزار، كما روى أبو هريرة عن الرسول أنّه قال: "إنّما يُسافَر إلى ثلاثة مساجد، مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيلياء" (صحيح مسلم: ج 2، 1014؛ أنظر أيضًا: مسند أحمد بن حنبل: ج 6، 7؛ تفسير القرطبي: ج 10، 180؛ جامع الأصول لابن الأثير: ج 9، 6894؛ شعب الإيمان للبيهقي:ج 3، 91 ؛ صحيح ابن حبان: 7، 7).

حريّ بنا أيضًا أن نُذَكّر في هذا السياق بأنّ التوجّه بالصّلاة قبل تحويل القبلة إلى الكعبة كان يتمّ نحو مسجد إيلياء، كما روت نويلة بنت مسلم عن مجريات لحظة التّحويل، فقالت: "صلّينا الظهر -أو العصر -في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلعم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام." (تفسير ابن كثير: ج 1، 460؛ انظر أيضًا: مجمع الزوائد للهيثمي: ج 1، 240-241؛ المعجم الكبير للطبراني: ج 25، 43؛ ابن الأثير، أسد الغابة، 3، 421؛ تحفة الأحوذي للمباركفوري: ج 2، 264؛ الدر المنثور
للسيوطي: ج 1، 65).

معنى المصطلح مسجد:
قبل المضيّ قدمًا في بحث ماهية هذا المسجد الأقصى الذي ورد في افتتاح سورة الإسراء، ولأنّ المساجد لا تنوجد بذاتها في أرضٍ ما بانعدام وجود مسلمين فيها، فما علينا إلاّ أنّ نحاول البحث عمّا يعنيه هذا المصطلح في التّراث العربي والإسلامي. ومن أجل الوصول إلى إجابات وافية في هذه المسألة، حريّ بنا أوّلا أن ننظر في ما يعنيه المصطلح "مسجد" في مرحلة نشوء الإسلام في جريرة العرب.

فمن الناحية اللّغوية، المسجد هو مكان السّجود. فالفعل "سجد" يعني خضع (الصحاح للجوهري؛ القاموس المحيط للفيروزآبادي)، كما أنّ الفعل "سجد" يدلّ على التذلُّل، فـ"كلّ ما ذلّ فقد سجد" (مقاييس اللّغة لابن فارس). ومن هنا فإنّ المصطلح "مسجد" يعني مكان العبادة على العموم، مكان السجود والتّذلُّل، وبكلمات أخرى فإنّ المسجد هو: "الذي يسجد فيه، وقال الزجاج: كلّ موضع يُتَعَبّدُ فيه فهو مسجد." (لسان العرب لابن منظور). أمّا "الأقصى" فتعني الأبعد، وذلك "لأنه أبعد المساجد التي تزار، ويُبتغى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام." (تفسير الطبري: ج 17، 333؛ أنظر أيضًا: تفسير البغوي: ج 5، 56؛ بحر العلوم للسمرقندي: ج 2، 493؛ تفسير الألوسي: ج 10، 359؛ تفسير النيسابوري: ج 5، 80). وهذا التّصوّر، القائل بأنّ المسجد، كمكان عبادة عام، يشمل أيضًا اليهود والنّصارى ولا يقتصر على المسلمين، يظهر فيما نُسب إلى محمّد ذاته من أقوال. فها هي عائشة تروي عن الرسول قولاً يعني، بين ما يعنيه، أنّ المسجد بنظره يحمل دلالة الكنيسة النصرانية أيضًا. لقد روت عائشة عن نساء الرسول، أم سلمة وأم حبيبة وعمّا رأتاه من جمال في كنيسة مارية بأرض الحبشة، فقالت: "ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة، يقال لها مارية، ... فذكرتا من حُسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوّروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله." (صحيح البخاري: ج 5، 252؛ صحيح ابن حبان: ج 7، 454؛ مسند الصحابة في الكتب التسعة: ج 10، 79؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج 1، 119؛ عمدة الأحكام للمقدسي الجماعيلي: ج 1، 59؛ تفسير اللباب لابن عادل: ج 15، 488)، وهذا حديث "متّفق على صحته"، كما يذكر البغوي (شرح السنّة للبغوي: ج 1، 383). كما أنّا نعثر على تعزيز لهذا التصوُّر في ما ورد من حديث صحيح روي عن الرسول الذي قال: لعن الله، أو قاتل الله، اليهود والنصارى لأنّهم: "اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد." (صحيح البخاري: ج 2، 253؛ صحيح مسلم: ج 3، 448؛ مسند أحمد: ج 17، 76؛ مسند الصحابة في الكتب التسعة: ج 12، 221؛ جامع الأصول من أحاديث الرّسول لابن الأثير: ج1، 3741). وها هو أبو سفيان أيضًا ينسب المصطلح مسجد إلى أهل الكتاب. فعندما سأله قيصر عن النبيّ ورغب أبو سفيان في إقناع قيصر أنّ محمّدًا كاذب بما روى من قصّة الإسراء، فقد قال أبو سفيان لقيصر: "زعم لنا أنّه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا، مسجد إيلياء..." (تفسير ابن كثير: ج 5 ، 45 ؛ أنظر أيضًا: الدر المنثور للسيوطي: ج 5، 225؛ الخصائص الكبرى للسيوطي: ج 1، 287؛ عيون الأثر لابن سيد الناس: ج 2، 325؛ الاكتفاء للكلاعي الأندلسي: ج 2, 307-308).

ولو ذهبنا إلى القرآن
لننظر في ما يحمله المصطلح "مسجد" من دلالات، فماذا نحن واجدون؟ ما من شكّ في أنّ دلالة المصطلح مسجد لا تقتصر على مكان عبادة المسلمين، وإنّما هي دلالة عامّة، وتسري أيضًا على مكان العبادة لدى أهل الكتاب. فها هي الآية الثامنة عشرة من سورة الجن تنصّ: "وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا". فما معنى مصطلح المساجد الذي يظهر في هذه الآية؟

تروي أسباب النّزول أنّ سبب نزول هذه الآية هو قول الجنّ للنّبي: "كيف لنا أن نأتي المسجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت." (الكشف والبيان للثعلبي: ج 13، 395؛ أنظر أيضًا: تفسير البغوي: ج 8، 242؛ ). أي أنّ هؤلاء الجنّ من المسلمين يسألون الرسول سؤالاً وجيهًا بشأن حضور الصلاة في المسجد بينما هم موجودون في أماكن نائية جدًّا لا وجود للمساجد فيها، فنزلت الآية إجابة على سؤال الجنّ. أمّا ابن عبّاس عندما يتطرّق إلى هذه الآية، يقول: "لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجدٌ إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا - بيت المقدس." (تفسير ابن كثير: ج 8، 244؛ أنظر أيضًا: الدر المنثور للسيوطي: ج 8، 306؛ فتح القدير للشوكاني: ج 5، 437). وكما هو متوقّع فقد شغلت هذه المسألة بال المفسّرين منذ القدم، فهنالك من ذهب إلى التّعميم وهنالك من رجّح التّخصيص: "وقال الحسن المراد كلّ موضع سُجد فيه من الأرض سواء أُعدّ لذلك أم لا، إذ الارض كلّها مسجد لهذه الأمة، وكأنّه أخذ ذلك مما في الحديث الصحيح: جُعلت لي الأرض مسجدًا و طهورًا." (تفسير الألوسي: ج 21، 350؛ أنظر أيضًا: الكشف والبيان للثعلبي: ج 13، 395؛ تفسير البغوي: ج 8، 242؛ زاد المسير لابن الجوزي: ج 8، 382-383؛ المحرر الوجيز للمحاربي: ج 6، 436؛ تفسير البحر المحيط لأبي حيان: ج 10، 359). وها هو ابن العربي يتطرّق للموضوع شارحًا ذلك بقوله إنّ الأرض كلّها للّه على العموم، وأنّ الله جعل الأرضَ كلّها مسجدًا، ويورد الحديث النبوي: جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. غير أنّه يُضيف إلى هذا التّعميم القول بأنّه: "اصطفى منها مواضع ثلاثة بصفة المسجدية، وهي: المسجد الأقصى وهو مسجد إيلياء، ومسجد النبي صلعم، والمسجد الحرام." (أحكام القرآن لابن العربي: ج 7، 445)، وفي هذا القول إشارة إلى الحديث النبوي الآنف الذكر بشأن المساجد الثلاثة التي يُسافر إليها. إلاّ أنّ التّصوّر الأقدم يذهب إلى ترجيح التّعميم، وبكلمات أخرى فإنّ مصطلح المساجد في الآية "يعنى الكنائس والبيع والمساجد" (تفسير مقاتل: ج 4، 146). أو كما يذكر أبو حيان: "والظاهر أنّ المساجد هي البيوت المُعدّة للصّلاة والعبادة في كل ملّة." (تفسير البحر المحيط لأبي حيان: ج 10، 359).

بوسعنا أن نعثر على تعزيز لهذا التّصوّر
في مكان آخر في القرآن. ففي معرض الحديث عن بني إسرائيل وما جرى لهم مع فرعون في مصر تذكر الآية القرآنية: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ" (سورة يونس: 87). فها هو المصطلح مسجد يُنسب إلى مكان عبادة بني إسرائيل كما يذكر المفسّرون: "قال أكثر المفسرين: كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة فلما أُرسل موسى أمرَ فرعون بمساجد بني إسرائيل فخُرّبت كُلّها ومُنعوا من الصلاة..." (تفسير القرطبي: ج 8، 330؛ أنظر أيضًا: زاد المسير لابن الجوزي: ج 4، 54؛ تفسير الرازي: ج 8، 335؛ تفسير اللباب لابن عادل: ج 9، 32). وها هو المصطلح "مساجد الله"، كما يرد في سورة البقرة في سياق خراب بيت المقدس: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا." (سورة البقرة: 114). تروي أسباب النّزول أنّ الآية نزلت في شأن طيطوس الرّومي وغزوه لبيت المقدس ومحاصرة أهله وقتلهم وإحراق التوراة: "حيث خرّب بيت المقدس وألقى فيه الجيفة، فكان خرابًا إلى زمن عمر بن الخطاب." (بحر العلوم للسمرقندي: ج 1، 102؛ أنظر أيضًا: تفسير الألوسي: ج 1، 475؛ الدر المنثور للسيوطي: ج 1، 264؛ تفسير الرازي: ج 2، 293؛ تفسير النيسابوري: ج 1، 305؛ معاني القرآن للفراء: 67؛ تفسير النسفي: ج 1، 65؛ تفسير البيضاوي: ج 1، 385؛ تفسير ابن أبي حاتم: ج 4، 331؛ زاد المسير لابن الجوزي: ج 1، 134). أمّا مصطلح "مساجد الله" الذي يظهر في الآية فهو كما يذكر المفسّرون: "يعنى بيت المقدس ومحاريبه." (تفسير البغوي: ج 1، 145؛ أنظر أيضًا: تفسير مقاتل: 1، 80؛ الكشف والبيان للثعلبي: ج 1، 218؛ تفسير القرطبي: 2، 76). وهكذا نرى أنّ المصطلح مسجد هو تعبير عامّ لمكان العبادة، ولا يقتصر على مكان عبادة المسلمين فحسب.
***
في المقالة القادمة سنرى كيف ينظر التّراث الإسلامي إلى المسجد الأقصى وإلى الصخرة وقدسيّتها.

والعقل ولي التوفيق.
***

غروب

سلمان مصالحة

غروب


فِي الأفُقِ الّذي حِيكَ
مِثْلَ فَخٍّ للأَحْلام،
حُبٌّ أوَّلُ
تَتَعالَى فيهِ أَلْسِنَةُ النّار.

الزَّبَدُ الّذي انْطَفَأَ
عَلَى الرّمَال،
هُوَ ضَحِكٌ
............. قَدْ تَحقَّق.

***

خلود/ للشاعر الهندي كبير

خُلُود

للشاعر الهندي كبير (ت: 1518)
المُلوكُ سَيذْهَبُون، وَكَذَا مَلِكاتُهم الجَميلات،
حرّاسُ البَلاط، وكُلُّ ذَوِي الأَنَفَة سَيَذْهَبُون.
القُضاةُ الّذين يُرَتّلون الڤِيدات سَيَذْهَبُون،
وَسَيذْهَبُ أُولئكَ الذين لهم يُنْصتُون.
اليُوچيّونَ المازوخيّونَ وَالمُفَكّرونَ اللاّمعُونَ سَيَذْهَبُون،
القَمَرُ سَيذْهَبُ، وَالشّمْسُ وَالماءُ وَالرّيح.
كَذَا يَقُولُ كَبير، يَسْتَطيعُ البَقاءَ فَقَطْ أُولئكَ
الّذينَ عُقُولُهم مُوثَقَةٌ بالصُّخُور.


ترجمة: سلمان مصالحة
*
كبير: بريشة الفنان غلام محمد شيخ
***

"Eternity" by Kabir, translated into Arabic by Salman Masalha

كيف يقولون "بَدْو" بالعبريّة؟

سلمان مصالحة

كيف يقولون "بَدْو" بالعبريّة؟

في المعبر الحدودي بين الأردن وإسرائيل،
وضمن إجراءات عاديّة، يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر، ثمّ لشبّاك دفع رسوم المغادرة. من هناك تدلفُ إلى المخرج، حيث موقف الباص الّذي سيعبر بك الجسر والنّهر، عائدًا إلى أرض الوطن المصاب بانفصام مُزمن في الشّخصيّة.

في المحطّة المظلّلة إلى جانب حانوت الـ"ديوتي فري"، أو السّوق الحرّة، جلس بعض النّفر من المسافرين العائدين لتوّهم من الأردن ينتظرون هم أيضًا قدوم الباص لعبور النّهر غربًا. تنتحي جانبًا في أحد المقاعد وتحاول، في دقائق الإنتظار هناك، أن تتفكّر في أمر هؤلاء الّذين ينتمون إلى شعوب مختلفة. أو هكذا على الأقلّ تعرفهم حسب التّسميات الّتي تُسبَغ عليهم في وسائل الإعلام العربيّة أو على ألسنة العامّة هنا وهناك. فمنهم من هو من "عرب إسرائيل"، ومنهم مَنْ هو من "عرب الـ 48"، ومنهم من هو من "العرب اليهود"، ومنهم مَنْ كان قَبْلُ من "فلسطينيّي الدّاخل" حتّى جاءت اتّفاقات أوسلو فتمّت مصادرة هذه التّسمية منهم وانتقلت إلى رعايا عرفات، الّذي تبدو هذه التّسمية أكثر ملائمة له في هذه الأيّام.

تجلس هناك وتتأمّل وجوههم،
وتستمع بين الفينة والأخرى إلى أحاديث هؤلاء النّفر ولغتهم الّتي صارت هي الأخرى خليطًا كتسمياتهم، فحتّى الآن لم تغلب على هؤلاء تسمية واحدة أو لغة واحدة يستطيعون الإلتفاف حولها. فلا وسائل الإعلام العربيّة ولا الغربيّة تساعدهم على الخروج من هذا الجسر الممتدّ بين النّار والنّار في هذا الغور الـمُغبَرّ. ليس هنا فحسب، بل حتّى في أوروپا، على سبيل المثال، لا يعرفون هناك كيف يصنّفون هؤلاء البشر. فإذا كنت تحمل جوازًا إسرائيليًّا ظنّوكَ يهوديًّا، وإذا قلت أنّك عربيّ وفلسطينيّ ظنّوك من مناطق السّلطة لأنّ الفلسطينيّن في نظرهم هم إمّا من غزّة أو رام اللّه أو نابلس، وما العمل وأنت ولدت في وطنك الّذي صار اسمه إسرائيل باعتراف "أمّ الدّنيا" مصر، والأردن، ناهيك عن منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في أوسلو.

الباص الّذي أقلّك قبل يومين من الجانب الإسرائيلي 
 إلى الجانب الأردني كان مليئًا رجالاً ونساءًا وأطفالاً، حتّى أنّ البعض وقف في الممرّ بين المقاعد. سائق الباص الأردنيّ لم يشأ التّحرُّك لأنّ التّعليمات تقضي بأنّ يجلس كلٌّ في مقعد، وما على الواقفين إلاّ النُّزول بانتظار الباص التّالي. بلطافةٍ ما طلب السّائق من هؤلاء الواقفين النُّزول غير أنّهم حاولوا إقناعه بأنْ "ياللّه، كلّها مئتين متر، ومشّيها"، وأصروّا على البقاء. جرت مشادّة كلاميّة بينهم وبين السّائق الّذي أصرّ على وجوب نزولهم لأنّ هذه هي التّعليمات، فلم يستجيبوا له. فما كان من السّائق، بعد أن يئس من إقناعهم، إلاّ أن أطلق في وجوههم: سأُحضر إليكم "ناس من جماعتكم" يعرفون كيف يتفاهمون معكم. عاد أدراجه ونزل من الباص، وما انقضت دقيقة حتّى جاءت "من جماعتنا" شرطيّة إسرائيليّة يافعة لم تبلغ بعد العشرين من العمر. صعدت الباص وقالت جملة واحدة بالعبريّة: كلّ من يقف في الممرّات عليه مغادرة الباص. فما كان من هؤلاء الرّجال، الّذين حاولوا من قبل أن يكونوا أشاوس في مجادلة السّائق بالعربيّة، إلاّ أنْ هبطوا يجرّون ذيولهم بين أرجلهم دون أن ينبسوا بحرف.

أنت جالسٌ في مقعدك تتفكّر في هذا المشهد وفي أمر هؤلاء ولا تدري ماذا أنت فاعلٌ، هل تضحك أم تبكي؟ تحاول أن تفهم ما جرى في هذا الباص وتتساءل في قرارة نفسك، هل نحنُ شعبٌ لا يعترفُ بنظام بسيط يُسهّلُ التّعامُل والتّنقُّل براحة، وفقط يُذعنُ لسلطة عسكريّة، وإنْ جاءت هذه السّلطة من صبيّة نحيفة يافعة، وفقط بشرط أن لا تكون عربيّة؟ تتفكّر في أمرهم، أمرك، ولا تحيرُ جوابًا.

في الجانب الإسرائيلي من المعبر الحدودي
هنالك موقف للسيّارات، يستطيع المسافر إلى المملكة الأردنيّة أن يترك سيّارته في المكان لقاء دفع رسوم معيّنة عند عودته. الموقف كان مليئًا بالسّيّارات ما يدلّ على عدد المغادرين إلى الأردن الّذين أبقوا سيّاراتهم هنا، ناهيك عمّن فضّلوا الإنتقال بسيّاراتهم عبر النّهر. يبدو أنّ شيئًا ما حدث لدى هؤلاء جميعًا، فبعد معاهدة السّلام الإسرائيليّة الأردنيّة عزف هؤلاء المتعدّدو التّسميات عن زيارة مصر وانتقلوا إلى زيارة الأردن لأسباب كثيرة، منها القرب الجغرافي، العائلي واللّغوي. غير أنّ السّبب الأهمّ هو كما سمعت غير مرّة هو الجانب التّرفيهي، إذ أنّ غالبيّة هؤلاء يذهبون للحفلات الغنائيّة، وعلى وجه الخصوص السّوريّة واللّبنانيّة، أي الشّاميّة على العموم، لأنّ أهواء هؤلاء وطباعهم شاميّة عابرة لحدود سايكس بيكو.

الطّريق إلى الأردن لمن يحمل الجواز الإسرائيلي تمرّ في نقطتي عبور، واحدة هنا في جسر الشّيخ حسين الواقع شرقي بيسان، والثّانية من إيلات بإزاء العقبة. ولأنّني أسكن القدس منذ ثلاثة عقود، منذ أن أتيت إليها من المغار في الجليل الأسفل المطلّ على بحيرة طبريّة، كان عليّ أن أختار بين حرّين، حرّ وادي العربة، أو حرّ غور الأردن للإنتقال بين هوائين منعشين، هواء القدس وهواء عمّان. في النّهاية قلت أصيب عصفورين بحجر، أمرّ أوّلا لأسلّم على الأهل في المغار فهي ليست بعيدة كثيرًا عن الجسر، ثمّ "أشدّ الرّحال"، كما تقول لغتنا العريقة، مُيمّمًا نحو الأردن.

وها أنت الآن في نقطة العبور
في طريق عودتك من زيارة خاطفة لعمّان. الشّرطي الأردني اللّطيف والبشوش في الجمارك يريد الإستفسار منك عن مسألة واحدة فقط. يتوجّه إليك باسمًا إن كنت تعرف اللّغة العبريّة، فتجيبه بالإيجاب، فيسألك: كيف يقولون "بَدْو" بالعبريّة؟ تفكّر هنيهةً في أمر هذا الشّرطي وفي سؤاله الغريب، وتحاول أن تفهم في قرارة نفسك ماذا يرمي من وراءه. هل يريد الشّرطيّ تعلّم العبريّة منك ومن أمثالك بالمجّان؟ أو ربّما يسألك ليخفّف عن نفسه متاعب وملل الخدمة في هذا المعبر المملّ، ككلّ المعابر الحدوديّة ربّما؟ أم أنّ سؤاله هذا هو فقط مجرّد فذلكات أمنيّة شفّافة، يحاول من خلالها أن يمتحنك فيتعرّف إنْ كنت عابرًا عاديًّا عائدًا إلى وطنه، أم أنّك عابر غير عاديّ يحاول هو الآخر العودة منذ ما ينيف على خمسة عقود إلى مكان ما مُتَخَيَّل لم يعد موجودًا في الواقع عبر النّهر، وهذا شيء آخر قد تكون له تبعات خطيرة وأبعاد سياسيّة، وقد يثير قضايا أمنيّة لا نهاية لها. غير أنّك تتذكّر أنّ الطّريق الواصلة بين الجسر في الغور حتّى الوصول إلى مرتفعات السّلط مليئة بالحواجز العسكريّة الّتي تستوقف السّيّارات بين الفينة والأخرى للتّأكُّد من ركّابها وسائقيها.

كلّ هذه الأفكار
تشغل بالك في لحظة قصيرة، ربّما ثانية خاطفة، وأنت تخطو خطواتك الأخيرة في معبر الشّيخ حسين عائدًا من المملكة الأردنيّة، في حرّ هذا الغور المعهود في شهر آب، إلى وطنك الّذي صار اسمه "دولة الكيان"، أو "دولة العصابات"، كما اعتادت أجهزة الإعلام العربيّة خلال عقود وسمها، إذ أنّ ذكر كلمة إسرائيل قد يشكّل اعترافًا بوجودها، فكيف يصحّ ذلك وهي غير موجودة في الواقع منذ أكثر من خمسة عقود.

***

واسعة الشّوارع، نظيفتها. البناء يعلو تلالها ويهبط وهادها مستعمرًا الصّحراء المحدقة ويبدو أنّه ليس ببعيد العهد وهو شاهدٌ على حركة عمرانيّة كانت حدثت في العقدين الأخيرين. ليس البناء شاهقًا فيسدّ عليك منافذ الرّيح ولا الشّوارع ضيّقة فتُضيق عليك المركبات الّتي تعجّ بها أنفاسك في حرّ آب اللّهّاب. غير أنّي، ولحسن حظّي، وصلتها في يومين اعتدل فيهما الطّقس حتّى أنّ برودة ما، تذكّرك ببرودة جبال القدس، تتسلّل إلى عظامك فتعلو جسدك قشعريرة دافئة وباردة في آن معًا، قشعريرة يبدو أنّها هي الأخرى مصابة بالفصام. لكنّك سرعان ما تكتشف بعد عودتك إلى الوطن أنّها قشعريرة أخرى من النّوع الّذي لا تقرأ عنه عادةً باللّغة العربيّة الّتي اعتمدت المقاومة مهنة أبديّة لها.

هذه هي المرّة الثّانية
الّتي أزور فيها بلدًا عربيًّا. في الثّمانينات كنت زرت مصر مرّتين وعرّجتُ مرّتين على أسوان والأقصر راكبًا القطار اللّيلي من القاهرة متّجهًا نحو صعيد مصر. تلك السّفرة من الثّمانينات كانت لي الإطلالة البكر على العالم العربيّ، فنحن كما يعلم ذوو القربى كنّا مقطوعين ممنوعين، ولا نزال حتّى الآن، من دخول كثير من البلاد العربيّة لأنّنا بقينا في وطننا، أو على الأصحّ أهلنا من قبلنا هم الّذين بقوا في وطنهم قبل أن نولد ولم يغادروه، إمّا عنوة، وإمّا طوعًا بانتظار النّصر القريب زحفًا "على تلال الجليل وكثبان النّقب... في غد مشرق عزيز"، كما رسخت في ذهنك وذاكرتك بلاغة العرب وبلاغاتهم المرقّمة. لقد بقوا في الوطن لحسن حظّهم وحظّنا أجمعين، فوفّروا بذلك على أنفسهم وعلينا مشقّات الزّحف في هذه العقود المنصرمة، كي لا نتحوّل مع مرور الزّمن واستطالة الزّحف إلى زواحف بليغة.

القطار اللّيلي الّذي يخرج من القاهرة مساءً يشقّ طريقه عكس جريان النّيل ليصل إلى مدينة الأقصر في الصّباح التّالي. وما أن تطأ رجلاك أرض المحطّة في الأقصر حتّى ينهال عليك الصبيان من كلّ اتّجاه، هذا يريد سحب حقائبك، وذاك يريد تزويدك ببطاقة فندق، وآخر يريد منك أن تشتري منه شيئًا ما إلى آخره. غير أنّ شيئًا ما غريبًا لفت انتباهك في تلك السّفرة. هؤلاء الصّبية يتوجّهون إليك بتحيّة: "شالون"، وهم يقصدون "شالوم"، أي سلام. كيف يحدث مثل هذا، وأنت تتحدّث إليهم بالعربيّة، كما أنّ سحنتك السّمراء لا تبدو أوروپيّة بأيّ حال؟

تحاول أن تفهم من أين لهم ذلك،
وفقط بعد سنوات من التّفكُّر ورحلتك الثّانية إلى تلك الأصقاع تصل ربّما إلى جواب شافٍ. في تلك السّنوات لم تُشاهد سوّاحًا عربًا من البلاد العربيّة في تلك الأماكن الأثريّة. السّياحة العربيّة تفضّل كباريهات القاهرة، ولا شأن لها بالتّاريخ والآثار. السّواح هنا في الأقصر كانوا كلّهم من الأجانب، والوحيدون الّذين قدموا إلى هناك وتحدّثوا بعض العربيّة بلهجة غير مصريّة جاؤوا من إسرائيل بعد اتّفاق السّلام. هكذا فهمت أنّ حديثي بالعربيّة بلهجة فلسطينيّة، أي شاميّة، هو السّبب في توجّه هؤلاء الصّبية إليّ بتحيّة "شالون". مرّت تلك السّنين وانقضت، وارتسم بعضٌ ممّا جرى فيها في الذّاكرة. وهكذا، وبعد عقدين من الزّمن ينقلب الـ"شالون" هناك إلى "شارون" هنا في الوطن، وهذا الـ"شارون" هو نقيض الـ"شالون" ذاك.

كلّ هذه الهواجس تهجس بك وأنت تعبر الجسر، تركب سيّارات الأجرة لتنتقل من مكان إلى آخر في عمّان وتحاول الحديث إلى السّائقين. أنت لا تخشى الحديث عن أيّ شيء بينما ترى كيف يتململ السّائقون بعدم راحة لظنّهم بأنّ الحديث يتخطّى الحدود المرسومة له. صديقتي الجالسة في التّاكسي تنصت طوال الوقت، وحين يتخطّى الحديث حدودًا مرسومة تحاول من خلال قرصة في كتفي لفت انتباهي أنْ كفى، أو شيئًا من هذا.

وبين هذا وذاك تسمع في حديثهم
بعض الكلمات القادمة من اللّغة العبريّة، ربّما لكثرة لقائهم بـ"عرب إسرائيل" الّذين كثيرًا ما يدبّجون حديثهم بكلمات عبريّة. تقول في نفسك، ها هم سائقو سيّارات الأجرة في عمّان صاروا هم أيضًا من "عرب إسرائيل"، والحبل على الجرّار. تضحك في عبّك، لأنّك تتذكّر كيف قامت قيامة بعض المثقّفين العرب ضدّ ترجمة الأدب العربي إلى العبريّة، ومن بين الحجج الّتي أطلقوها في حينه كانت الحجّة أنّ اللّغة العبريّة هي لغة ميّتة. وها أنت الآن في عمّان وأذناك تسمعان كلمات عبريّة خارجة من سائقي التّاكسيّات، فتتساءل بينك وبين نفسك، مَنْ هو الميّت هنا؟ غير أنّك تعدل عن الحديث المحرج مع السّائقين لتحوّله إلى مسار آخر، فتسأل: لماذا لا نرى أناسًا يبتسمون أو يضحكون في الشّوارع، فيردّ عليك السّائق السّلطي أنّ النّاس هنا لا يعتبرون الإبتسام والضّحك من علامات الرّجولة، إنّما الرّجولة تكون بالتّجهُّم، فتضحكان معًا محاولين إخفاء الضّحك المحظور عرفيًّا عن أعين ركّاب السّيّارات الأخرى في زحمة السّير هذه غير بعيد عن "سوق الحراميّة".


وها أنت تجلس الآن
في مكتبك في القدس وتدوّن هذه الإنطباعات وتقول في نفسك إنّك في المرّة القادمة ستسبق الشّرطيّ في معبر جسر الشّيخ حسين، وقبل أن يفاجئك هو بسؤال، ستفاجئه أنت بسؤالك إيّاه: كيف يقولون "شالوم" بالعربيّة؟

آب ***
نشرت في صفحة أفكار - “الحياة اللندنية”، 7 أيلول 2002
***

ظنون

سلمان مصالحة

ظنون

رَمَانِي الدَّهْرُ فِي
زَمَنٍ حَزِينٍ، بِهِ ازْدَحَمَتْ
شِمَالِي فِي يَمِينِي.
*
وَرَاحَ العَقْلُ يَبْحَثُ
عَنْ خَلاصٍ، فَلَمْ تُسْعِفْهُ
أَسْئِلَةُ اليَقِينِ.
*
سِوَى مَا كانَ
مِنْ وَهْمٍ، شَبَبْنَا عَلَى
عَتَباتِهِ، دُونَ الجُنُونِ.
*
بَحَثْتُ عَنِ المُخَبّأِ
فِي المَرَايَا، فَلَمْ أَعْثُرْ
عَلَى حُلُمٍ يَقِينِي
*
صُرُوفَ الشّكِّ، حَيْثُ
نَظَرْتُ حَوْلِي، وَرَاحَ الفَأْرُ
يَلْعَبُ فِي البُطُونِ.
*
لِكُلِّ مُسَافِرٍ فِي الأَرْضِ
شَأْنٌ، وَرَوْمُ الشَّأْنِ
يَبْدأُ
بِالظُّنُونِ

***

وصف يوم ماطر

سلمان مصالحة || وصف يوم ماطر


الأبخرة الّتي أخذت تُغطّي زجاج
النّافذة المُطلّة على التلّة المقابلة، سترت تلك المشاهد الرّبيعيّة الّتي تعود إلينا في هذه الأيّام كسابق عهدها وديدبانها كلّ عام. القطّة السّياميّة تواصل المواء مع أنّ شباط قد انسلخ منذ ليالٍ معدودات، وتركني مع الدّودات الأرضيّة اللّواتي يواصلن محاولاتهنّ اليائسة لتسلّق أصيص أثبتّهُ في الشّرفة رحمةً بالچيرانيوم الّذي لم يحظ بوجبات كافية من الماء في الصّيف الفائت، وذلك درءًا للإسراف في تبذير هذا المورد الوطني والقومي. لقد فعلتُ ذلك لأنّي أيقنتُ في أحد تلك الأيّام من أيّام آب المُنصرم أنّنا بلا شكّ نجلس على تخوم الصّحراء، رغم أنّ البعض منّا قد يركنُ إلى طمأنينة بعد أن تعوّد عليها لكثرة الاستعمال في وسائل الإعلام. ألم تُشبعنا تلك الوسائل منذ أيّام السّلف الأوائل أنّنا، وحمدًا للّه على نعمته، محظوظون لوقوعنا في هذه البقعة الّتي شاع اسمها على الملأ "الخطّ الأخضر"؟



وهكذا، ولأنّنا ذهبنا
مع الذّاهبين الأوّلين من السّنين البوالي، دون أن تكون لدينا بصائر، وألقينا عصا التّرحال في هذه المدينة الّتي لا تلبث أن تتعرف فيها، على جلدك، على مزايا هذا الخطّ الفاصل بين الأخضر والأصفر. فالواقف على جبل سكوپس مُستقبلاً القبلة، وهي الحرم القدسيّ الشّريف، إذا التفت شمالاً يسرح نظره في تلك الهضاب الّتي تجرّدت من لباسها سوى من أديم الأرض الّذي امتلس مع آخر قطعة من نور الغروب كما لو كان غانية لعوبًا تستغيث الشّاعر الدّعوب. أمّا إن أملتَ برأسكَ نحو الغرب فإنّه لا شكّ سيقع نظرك على تلك المباني الشّاهقة الّتي أخذت تتسرّب في العقود الأخيرة إلى فضاء المدينة سادّةً على الرّائي خطّ الأفق. وكان هذا الأفق في الماضي غير البعيد قد علا رؤوس الجبال والتّلال في مغرب القدس. وهكذا تستعيد ذكريات من هنا وذكريات من هناك حينما كنتَ تعرّج على هذه التّلّة أو تصعد ذلك الجبل غير آبهٍ بالصّخور ولا بالعلّيق الّذي تعلّق بك مناشدًا إيّاك ألاّ تتركه لوحده. غير أنّ التّعرّجات هذه لم تعد سوى ذاكرة الآن. فها أنت تقفُ هناك معيدًا ذكرياتك الدّافئة وراء هذا الزّجاج الّذي وضعت هذه الطّبيعة الشّتويّة على صفحته غشاوةً فلا ترى ما يدور في الخارج عبرها، ولا يرى الخارجُ ما يدور في الدّاخل داخلك.

والآن، وبعد أن انقطع
التّيّار الكهربائي بقدرة قادر، أو قل لصعقة وقعت غير بعيد انفرطت على إثرها "سناسلُ" حجريّة طالما عملوا على نظمها في هذه المنحدرات اتّقاء لسقوط الدّواب في الحرث، وحفظًا للتّراب الّذي يُطلقون عليه تراب الأجداد. نعم، أليس أديم الأرض من هذه الأجساد الّتي ولّت ولم تترك لنا شيئًا سوى تلك الشّواهد الّتي تشهد حتّى الآن، تحت هذه الزّيتونة أو جنب ذلك الصّبّار عمّا جرى وصار؟ وحين ستهدأ هذه العواصف والزّعازع، ستُشعلُ سيچارتك الّتي لا تعرف رقمها، وستتقدّم نحو النّافذة الّتي ما زالت مُبهمة لا تبوح لك بالسرّ الّذي تُخبّئه لك في الخارج. وما أن تصل إليها وتمدّ يدك لتسمح ذلك البخار والغشاوة حتّى تعود حرارة النّور في الخيوط والمصابيح وكأنّ شيئًا لم يكن.

غير أنّ برودة الزّجاج
تتسلّل إلى أصابعك الّتي مسحت ببطء غشاوة النّافذة. تقترب من تلك الصّلعة الّتي انفرجت في غشاوة البخار فلا تُصدّق. كيف ذا بين ليلة وضحاها اختفت التّلال والهضاب، وكلّ ذلك بين ليلة وضحاها؟ كيف ذا يحصل والجميع نائمون راقدون مفرّخون تحت زوجاتهم. فهناك برز حيّ جديد، وإلى الشّرق كتلة كبيرة من الإسمنت، وشمالاً لم يبق شجرٌ ترتاح تحته في سفراتك الجبليّة وغيرها وغيرها. لم يعد هناك تراب، بل تحوّل كلّه إلى باطون مسلّح بأسلحة غير تقليديّة. تعود أدراجك إلى مكتبك هاذيًا في قرارة نفسك:
ألم أقل لكم من زمان، إنّه في "أوسلو" راحت القدس؟

***
هذا النص نشر في منتصف التسعينات من القرن الماضي.
***

"سبحان الذي أسرى"

سلمان مصالحة / "سبحان الذي أسرى"

لا شكّ أنّ حدث الإسراء  
كما ورد ذكره في الآية: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله" والتي تفتتح السورة القرآنية التي سُمّيت به، هو أحد أهمّ الأحداث التي رافقت بدايات نشوء الدّعوة الإسلاميّة. كما أنّه يندرج في صلب التّصوّرات الّتي انبنت عليها هذه الدّعوة منذ البداية في جزيرة العرب. فمثلما كنّا أسلفنا من قبل، في معرض حديثنا عن القبلة والتوجّه بالصّلاة نحو بيت المقدس، والوقوف على أنّ هذا التوجّه نحو بيت المقدس كان بهدف استمالة قلوب اليهود، لأنّ محمّدًا كان يعتقد في قرارة نفسه أنّه هو النبيّ الأمّي - المسيح اليهودي المنتظر - الّذي يؤمن اليهود بأنّه سيعود في آخر الزّمان. يمكننا القول أيضًا، إنّ قصّة الإسراء من مكّة إلى بيت المقدس تندرج ضمن هذه المحاولات التي هدفت إلى التأكيد على هذه الرؤيا الإسلاميّة، وتشير إلى عمليّة البحث الحثيثة عن شرعيّة يهوديّة لدعوته، في الوقت الّذي رفض فيه اليهود القبول به بوصفه هذا "النبيّ الأمّي" التّوراتي، بحسب الرواية الإسلامية.

لقد جاءت رحلة الإسراء إلى بيت المقدس بالذّات، التي هي "قبلة اليهود" كما أشار إليها محمّد نفسه، مثلما فصّلنا الحديث في هذه المسألة من قبل، للتأكيد على شرعيّة هذه الدعوة التي كانت ستضفيها عليها رحلة الإسراء إلى "قبلة اليهود" على وجه التّحديد.لقد نزلت سورة الإسراء بمكّة كما تذكر الروايات، كما أنّ اسمها الأصلي يعكس تلك التوجّهات الأوليّة، إذ يذكر المفسّرون بشأن هذه السّورة أنّ اسمها هو "سورة بني إسرائيل"، كما أنّها تُسمّى بأسماء أخرى: "تسمّى الإسراء وسبحان أيضًا" (روح المعاني للألوسي: ج 14، 238؛ أنظر أيضًا: تفسير القرآن للصنعاني: ج 4، 3؛ تفسير النسفي: ج 2، 277؛ فتح القدير للشوكاني: ج 3، 293؛ الدر المنثور للسيوطي: ج 5، 181). ليس هذا فحسب، بل وكما تفيد الرّوايات فإنّه حتّى بعد أن خُتمت "سورة بني إسرائيل"، فقد نزلت بضع آيات في المدينة لها علاقة بالموضوع، وألصقت بهذه السّورة لتصبح جزءًا منها، ما يشير إلى عمق هذا التوجّه الإسلامي باستجداء الاعتراف اليهودي بنبوّة محمّد. حيث يذكر الرّواة بشأن الآية 76 من سورة الإسراء {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا}، أنّها نزلت بعد أن قال بعض اليهود للنّبي: "إنّ أرض الأنبياء أرض الشّام وإنّ هذه ليست بأرض الأنبياء"، أو كما ورد في رواية أخرى أنّهم قالوا له: "إن كنت نبيا فالحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام". وتضيف الرّواية أنّ هذه الأقوال كانت السّبب من وراء غزوة تبوك لأنّ محمّدًا كان ينوي الوصول إلى الشّام جريًا وراء ما قالت له اليهود من أنّ الشّام هي أرض الأنبياء، فقد ذكرت الرّوايات: "فصدّق رسول الله صلعم ما قالوا، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة... فأمره بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها محياك وفيها مماتك وفيها تبعث." (الدر المنثور للسيوطي: ج 5، 320؛ أنظر أيضًا: تفسير الثعالبي: ج 2، 354؛ زاد المسير لابن الجوزي: ج 5، 69-70؛ فتح القدير للشوكاني: ج 3، 293).أمّا بشأن سورة بني إسرائيل - الإسراء - فيُروى عن ابن عبّاس أنّه قال: "إن التّوراة كلّها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل، ثمّ تلا: ولا تجعلْ مع الله إلهًا آخر." (تفسير الطبري: ج 17، 590؛ أنظر أيضًا: الدر المنثور للسيوطي: ج 5، 287؛ روح المعاني للألوسي: ج 15، 2). وهذه الآية التي تلاها ابن عبّاس بحسب الرّواية، "{ولا تجعلْ مع الله إلهًا آخر}"، ليست سوى ترجمة من اللغة العبريّة لإحدى الوصايا العشر التّوراتية: "لا يَكُنْ لكَ إلهٌ آخرُ سِوَاي!" (سفر الخروج، فصل 20، 3). وعلى ما يبدو، فلم يكن ابن عبّاس ليصرّح بأنّ التّوراة كلّها في سورة الإسراء ثمّ يتلو هذه الآية لولا علمه ويقينه بأنّ هذه الدعوة الجديدة إنّما هي دعوة يهوديّة توراتيّة في الأساس.
 مهما يكن من أمر، فإنّ قصّة الإسراء تشير إلى تلك الرحلة التي اقتاد بها جبريل محمّدًا، بحسب الروايات الإسلاميّة، على ظهر تلك الدابّة الأسطوريّة المُجنّحة، البراق، من مكّة إلى بيت المقدس ومن ثمّ التّعريج به للسموات ولقاء الأنبياء السابقين، وإيحاء الله له بما أوحى له به. حتّى أنّ هذه الدّابّة الأسطوريّة، البراق، كما تفيد الرّواية الإسلاميّة هي دابّة سليمان بن داود: "كان سليمان بن داود، عليه السلام، يغدو عليها مسيرة شهر." (تفسير مقاتل: ج 2، 247)، وذلك من أجل إضفاء شرعيّة يهوديّة نبويّة عليها من خلال ركوبه على دابّة سليمان بن داود الّذي تنظر إليه الرّواية الإسلاميّة بوصفه نبيًّا بخلاف النّظرة اليهوديّة الّتي تراه ملكًا ليس إلاّ. يشار هنا إلى أنّ كون الدّابّة مُجنّحة يندرج أيضًا ضمن الخرافات الإسلاميّة التي تفيد بأنّ سليمان بن داود كانت له خيول مُجنّحة، قيل إصابها وقيل ورثها عن أبيه داود، وقيل أخرجت له من البحر: "عن عوف رضي الله عنه قال : بلغني أن الخيل التي عقر سليمان عليه السلام كانت خيلا ذات أجنحة أخرجت له من البحر لم تكن لأحد قبله ولا بعده." (الدر المنثور: ج 7، 177؛ أنظر أيضًا: تفسير الطبري: ج 21، 193؛ تفسير البغوي: ج 7، 88؛ الكشف والبيان للثعلبي: ج 11، 386؛ تفسير القرطبي: ج 15، 193؛ تفسير الألوسي: ج 17، 331). 
قصّة الإسراء: يذكر مقاتل في تفسيره بشأن الإسراء: "أنّ النبى صلعم أصبح بمكة ليلة أسرى به من مكة، فقال لأم هانئ ابنة أبى طالب، وزوجها هبيرة بن أبى وهب المخزومى: لقد رأيت الليلة عجبًا، قالت: وما ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: لقد صليت فى مصلاي هذا صلاة العشا، وصلاة الفجر، وصليت فيما بينهما فى بيت المقدس، فقالت: وكيف فعلت؟ قال: أتاني جبريل، عليه السلام، وقد أخذت مضجعى من الفراش قبل أن أنام، وأخذ بيدى وأخرجنى من الباب وميكائيل، عليه السلام، بالباب ومعه دابّة، فوق الحمار ودون البغل، ووجهها كوجه الإنسان، وخدها كخد الفرس، وعرفها كعرف الفرس... لها جناحان، ذنبها كذنب البقر، وحافرها كأظلاف البقر، خطوها عند منتهى بصرها، كان سليمان بن داود، عليه السلام، يغدو عليها مسيرة شهر، فحملاني عليها، ثم أخذا يزفان بي حتّى أتيت بيت المقدس، ومُثّل لي النبيون، فصلّيت بهم، ورأيت ورأيت..." (تفسير مقاتل: ج 2، 247-248؛ أنظر أيضًا: تفسير الطبري: ج 17، 332-333؛ تفسير البغوي: ج 5، 55-62؛ تفسير القرآن للصنعاني: ج 4، 3؛ تفسير القرطبي: ج 10، 180؛ تفسير ابن كثير: ج 5، 5-7؛ الدر المنثور للسيوطي: ج 5 ص 182).

وعندما روى محمّد على مسامع قريش عن رحلته هذه حاولت قريش استجوابه حول أمور تتعلّق ببيت المقدس، لم يعرف الإجابة عليها فاغتمّ لذلك كثيرًا، حتّى مثّل اللّه له بيت المقدس أمامه فطفق محمّد يصفه لهم بالتّفصيل: "روى الصحيح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلعم: لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربتُ كربًا ما كربت مثله قط. قال فرفعه الله لي أنظرُ إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به." (تفسير القرطبي: ج 10، 180؛ أنظر أيضًا: تفسير البغوي: ج 1، 57). 
وكالعادة، فيما يتعلّق بالأحداث الإسلاميّة، هنالك اختلاف حول حيثيّات الرّحلة كما تظهر في الرّوايات. فمن خلال النّظر في الرّوايات الإسلاميّة لا نستطيع الجزم بتاريخ الإسراء ولا الموقع الّذي انطلقت منه هذه الرّحلة الأسطوريّة ولا أين نزل وحلّ في الطّريق، إلى آخر هذه القضايا التي عادة ما تثير الكثير من الاختلافات.لقد شهدت الرّوايات على كلّ تلك الاختلافات في تاريخ ونقطة انطلاق الإسراء: "وقد اختُلف أيضًا في تاريخ الإسراء فروي أنّ ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة، وروي أنّ الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام." (فتح القدير للشوكاني: ج 3، 295؛ حول اختلاف الروايات بشأن تاريخ الإسراء، انظر تفسير البغوي: ج 1، 57؛ تفسير مقاتل: ج 2، 247؛ تفسير القرطبي: ج 10، 180؛ تفسير الألوسي: ج 10، 356-357). كما أنّ ثمّة روايات تذكر أنّ الإسراء حدث من بيت أمّ هانئ ابنة أبي طالب، وهنالك روايات تقول إنّ الإسراء قد حدث من المسجد الحرام (تفسير الطبري: ج 17، 331-332؛ أنظر أيضًا: الكشاف للزمخشري: ج 1، 673-674؛ تفسير البيضاوي: ج 1، 429). وهنالك خلاف أيضًا حول ما إذا كان الإسراء قد تمّ بالجسد أم بالرّوح، أم بكليهما، وقد وقف القدماء على هذه القضايا الخلافية: "وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلعم مع روحه أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة ومعاوية والحسن وابن إسحاق... وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا: كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالرّوح." (فتح القدير للشوكاني: ج 3، 295؛ أنظر أيضًا: تفسير الطبري: ج 17، 348-351؛ تفسير القرطبي:ج 10، 180؛ شرح البخاري لابن بطال: ج 20، 187؛ تفسير الرازي: ج 9، 494).ولا تتوقّف الاختلافات عند هذا الحدّ، بل تتعاظم بحسب الرّوايات حيث نشهد اختلافات فيما إذا كانت الرحلة مباشرة إلى بيت المقدس أمّ أنّه كانت له محطّات نزل فيها في الطّريق. فبينما الروايات القديمة تذكر الإسراء من مكّة إلى بيت المقدس مباشرة، تأتي روايات لاحقة فتذكر محطّات أخرى يهوديّة ومسيحيّة على الطّريق، نزل فيها وصلّى بأمر من جبريل: "فأتاني جبريل عليه السّلام بدابّة... ثم حملني عليها. فانطلقت تهوي بنا... حتى بلغنا أرضا ذات نخل فأنزلني فقال: صلِّ، فصليت. ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بيثرب صليت بطيبة. فانطلقت... ثم بلغنا أرضًا فقال: انزل، فنزلت. ثم قال: صلِّ، فصليت. ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بمدين، صليت عند شجرة موسى. ثم انطلقت... ثم بلغنا أرضًا، بدت لنا قصور، فقال: انزل. فنزلت، فقال: صلِّ، فصليت. ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم. ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد، فربط فيه دابته ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله." (تفسير ابن كثير: ج 5، 26؛ أنظر أيضًا: الكشف والبيان للثعلبي: ج 7، 452؛ الدر المنثور للسيوطي: ج 5، 185-186؛ سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: ج 3، 80-81).حتّى مسألة الصّلاة في المسجد لا يوجد إجماع عليها. فبينما تذكر الرّوايات دخول الرسول المسجد الأقصى والصّلاة فيه، إلاّ أنّ ثمّة من يرفض هذه الأقاويل استنادًا إلى القرآن ذاته، كما رُوي عن هزء حذيفة بن اليمان بمن يقول بدخول الرسول المسجد والصلاة فيه: "عن زر بن حبيش، قال: أتيت على حذيفة بن اليمان وهو يحدث، عن ليلة أسري بمحمد صلعم، وهو يقول: فانطلقنا حتى أتينا بيت المقدس. فلم يدخلاه. قال: قلت: بل دخله رسول الله صلعم ليلتئذ وصلّى فيه. قال: ما اسمُكَ يا أصْلَع، فإني أعرفُ وجهك ولا أدري ما اسمُك؟ قال: قلت: أنا زر بن حبيش. قال: فما علْمُك بأنّ رسول الله صلعم صلّى فيه ليلتئذ؟ قال: قلت: القرآنُ يخبرني بذلك. قال: من تكلم بالقرآن أفلح، اقرأ. قال: فقلت: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}، قال: يا أصلع، هل تجد "صلّى فيه"؟ قلت: لا. قال: والله ما صلّى فيه رسول الله صلعم ليلتئذ. ولو صلّى فيه لكتب عليكم صلاة فيه، كما كتب عليكم صلاة في البيت العتيق. والله ما زايَلا البراقَ حتّى فتحت لهما أبواب السماء، فرأيا الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع، ثم عادَا عودهما على بدئهما. قال: ثم ضحك حتى رأيت نواجذه." (تفسير ابن كثير: ج 5، 21؛ أنظر أيضًا: تفسير الطبري: ج 17، 349).وفي رواية أخرى يهزأ حذيفة أيضًا من الرّواية القائلة بأنّ الرسول ربط الدابّة في الحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء. إذ عندما قيل لحذيفة إنّ الرسول ربط البراق بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء، قال حذيفة: "أوَكانَ يخاف أن تذهب وقد آتاه الله بها؟" (مصنف ابن أبي شيبة: ج 7، 335؛ أنظر أيضًا: مسند أحمد بن حنبل: ج 51، 58؛ مسند الصحابة في الكتب التسعة: ج 35، 1؛ أخبار مكّة للفاكهاني: ج 3، 296؛ الردّ على الجهمية للدارمي: 62؛ المسند الجامع لأبي المعاطي النوري: ج 11، 215؛ الإسراء والمعراج للألباني: ج 1، 63).***
في المقالة القادمة سنتطرق إلى المسجد الأقصى وسنجيب على السؤال، ما هو هذا المسجد؟والعقل ولي التوفيق
***

المقالة في "شفاف الشرق الأوسط"

***

مقالات هذه السلسلة:المقالة الأولى: "هل القدس حقًّا هي أولى القبلتين؟"
المقالة الثانية: "لماذا استقبال بيت المقدس في الصّلاة؟"
المقالة الثالثة: "لماذا استقبال قبلة اليهود بالذّات؟"
المقالة الرابعة: "من هو النّبي الأمّي؟"

 المقالة الخامسة: "لماذا حُوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟"
 المقالة السادسة: "المصير الذي آل إليه يهود جزيرة العرب"
 المقالة السابعة: "إكسودوس بني النضير"
 المقالة الثامنة: "محرقة بني قريظة 1"
 المقالة التاسعة "محرقة بني قريظة 2" 
المقالة العاشرة: "ماذا جرى مع يهود خيبر؟"
 المقالة الحادية عشرة: "إجلاء اليهود من جزيرة العرب"

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008
______________

عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics