2 أبريل 2011

وصمة على جبين طاغية

سلمان مصالحة

وصمة على جبين طاغية

لعلّ خير
ما أبتدئ به كلامي هذا هو اقتباس هذه الجمل من قصيدة ”رقيمة على قبر طاغية“ للشاعر و. هـ. أودن: ”حِينَمَا ضَحِكَ، انْفَجَرَ ضِحْكًا شُيُوخُ الوَقَارْ، / وَحِينَمَا بَكَى، مَاتَ في الشَّوارعِ الأَطْفَالُ الصِّغَارْ“. فالشعر الحقيقي، على العموم، يختزل الحياة البشرية بتعقيداتها.
لقد تذكّرت كلمات الشاعر هذه لدى مشاهدة خطاب الرئيس السوري بشّار الأسد أمام ما يُسمّى زورًا وبهتانًا ”مجلس الشعب“.

ربّما كان من المفيد أن ننظر أوّلاً في مسألة لغويّة لها، على ما أعتقد، دلالات كبرى فيما يتعلّق بأحوالنا. والمسألة التي أعنيها هي المصطلحات المستخدمة في السياقات السياسية العربيّة.

فلو ذهبنا إلى التعبير ”مجلس الشعب“ كما اصطلح عليه في البلدان العربية فهو في الحقيقة مصطلح لا يحمل أيّ معنى. فبالعودة إلى الأصل وإلى الحقل الدّلالي للمصطلح نرى أنّ الـ“مجلس“ في اللغة العربية هو مكان الجلوس ليس إلاّ. بخلاف ذلك، لو ذهبنا لمقارنة هذه الدّلالة بدلالة المصطلحات الأجنبية المستخدمة في هذا السياق السياسي، كمصطلح الـ“پرلمان“ على سبيل المثال، فلا شكّ أنّنا سنقف على هذا البون الشاسع بين الدّلالات. فمصطلح ”پرلمان“ من ناحية إيتمولوجية، كما يفيد قاموس أوكسفورد، بدءًا من اللاتينية ”پرلمنتوم“، ثمّ الإنكليزية والفرنسية، يفيد الملتقى، الكلام، الحديث، النقاش، الجدل والسّجال. من هنا، يُلاحظ هذا الفرق بين هذه الدلالات ودلالة المصطلح العربي - ”مجلس“ -، الذي لا يحتوي على أيّ دلالة سوى الجلوس. كذا هي حال ”مجالس الشعوب“ عند العرب، كذا كانت منذ القدم ولم يطرأ عليها تغيير يُذكر.

لقد اعتلى الرئيس بشّار الأسد
منصّة ”مجلس الشّعب“ مزهوًّا باستقبال الجالسين في المجلس، تصفيقًا له وردحًا شعريًّا عربيًّا بليدًا. ليس مزهوًّا فحسب، بل يضحك أيضًا. فعلى ماذا يضحك؟ على أخبار عشرات القتلى ومئات الجرحى؟ وعلى ماذا يضحك معه ”شيوخ الوقار“؟ أعلى كلّ هذا الدّمار، أم على دماء الأطفال الصغار؟

إنّ ما يُسمّى ”مجالس شعب“ من هذا النّوع هو وصمة عار على جبين من ينتمي إلى هذه الأمّة. إنّ هذا النّوع من الجالسين في هذه المجالس هم صنف من البشر يصفّقون اليوم لهذا الدكتاتور، وهم أنفسهم سيصفّقون بلا شكّ عندما تدول دولته إلى من يأتي بعده. إنّهم دائمًا على أهبة التّصفيق للدكتاتور، أيًّا كان هذا الدكتاتور. فكيف يمكن للفرد أن يثق بهم؟

إنّ أشدّ ما يحزّ في نفس المرء
هو هذا السؤال الّذي لا يني يلحّ علينا صباح مساء وليل نهار: ما هي هذه الحضارة العربية التي تخلق هذا النّوع من البشر المطبّلين المزمّرين لكلّ طاغية؟ فمن أيّ طينة جُبل كلّ هؤلاء وما هي الأصول الحضارية التي يترعرعون عليها حتّى أضحوا مهزلة أمام العالم أجمع. غير أنّها مهزلة لم تعد تضحك أحدًا.

يشيع أتباع الدكتاتور الأقاويل عن عصابات سلفيّة وراء كلّ هذه الانتفاضة الشعبيّة للبشر الذين ينادون بالحريّة. لم تعد هذه الأكاذيب تنطلي على أحد في هذا العصر المعلوماتي. إذ أنّ هذه العصابات، كما ظهر في الأشرطة التي تصل إلى أرجاء العالم عبر الإنترنت، هي عصابات "شبيحة" البعث الفاشي وبلطجية النظام القبليّ نفسه.

فهل كلّ المثقّفين السوريّين الذين زجّ بهم هذا النّظام الفاشي في غياهب سجونه هم من السّلفيين؟ وهل المدوّنون الشبّان هم من السّلفيين؟ فعلى من يضحك زبانية هذا النّظام الذي أحدث بدعة سياسية عربية بالتوريث الجمهوري وسجّلها ماركة على اسمه في العلوم السياسية؟ وهل هنالك من يمتلك ذرّة من بصر أو بصيرة يشتري كلّ هذا الكلام من أزلام النّظام؟

يجب التأكيد مجدّدًا على
أنّه لا يمكن أن تقوم قائمة لدولة عربية، مثل سورية - وهي المتعدّدة الطّوائف والإثنيات -إلاّ على أرضيّة هي ضدّ السلفيّة بكلّ ما تمثّله هذه السّلفيّة من عنصريّة دينية وفرقة مجتمعية. وفي الوقت ذاته لا يمكن أيضًا أن تقوم لها قائمة إلاّ ضدّ الطائفيّة والقبليّة أيًّا ما كان مصدر هذه الطائفيّة والقبليّة، وهي الطائفيّة والقبليّة التي يفهم النّظام معناها ومغزاها، فهو من وضع الأسس لها.

فقط الدولة المدنية التي تفصل الدّين عن الدولة، وتحظر الأحزاب الدينية، وتتداول السلطة بالاقتراع الحرّ هي التي تتطوّر في هذا العالم المعاصر. وما دون ذلك، فبئس المصير. كلّ هذه الأسئلة لا مناص من طرحها على الملأ العربي الأعظم. ولزام على كلّ فرد عربيّ لا زال يمتلك ذرّة من كرامة أن يتفكّر فيها مليًّا.

هذه هي الطّريق لاعتلاء قطار الحضارة الإنسانية المتسارع قدمًا. وما لم يمض العرب في هذه الطّريق، فلن تقوم لهم قائمة، وسيظلّون يهيمون على وجوههم في صحاريهم الاجتماعية، الفكرية، السياسية وسائر مناحي حياتهم على هذه الأرض، وإلى أبد الآبدين.

والعقل ولي التوفيق.

***
نشر في: "إيلاف"- 1 أپريل 2011
*
English article on the same topic, press here
*
____________________
مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن