25 أغسطس 2011

جاء دورك، يا فلان!


سلمان مصالحة

جاء دورك، يا فلان!

من الواضح أنّ
صفحة العقيد البليد التي تُطوى هذه الأيّام في ليبيا، ما كانت ستنتهي بنجاح بدون دعم من القوى الغربيّة التي تغير طائراتها منذ شهور في محاولة لكسر شوكة الترسانة العسكرية التي عمل عليها هذا ”الكاتب والفيلسوف والمنظّر“، كما كان يحلو له توصيف نفسه. وهو الذي وصل إلى حكم ليبيا بانقلاب عسكري وظلّ حاكمًا طوال أربعة عقود ونيّف.

كذلك، من الواضح
أنّ كلّ ذلك ما كان ليتمّ لولا خروج أبناء الشعب الليبي كاسرين هم أيضًا جدار الخوف أسوة بجيرانهم التونسيين والمصريين. لقد أناخ هذا العقيد البليد كلكله على صدور الليبيّين عقودًا طويلة سائرًا على نهج سلف من ”عسكر العربان“ الذين اغتصبوا السلطان رافعين شعارات غايتها فقط دغدغة الوجدان ليس إلاّ.

ومن الواضح أيضًا
أنّ الانتفاضات العربيّة هذه التي تشهدها أقطار بعينها في ”العالم العربي“، إنّما هي انتفاضات ضدّ مخلّفات هؤلاء العسكر الذين اغتصبوا السلطان في الأقطار العربية التي خرجت من الاستعمار الغربي القصير الذي خلف الدولة العثمانية التي امتدّ سلطانها على العرب قرونًا من الزّمان.

ليس صدفة، إذن،
أنّ شرارة هذه الانتفاضات العربية قد قفزت على تلك الأقطار التي يحكم فيها الملوك والأمراء في عالم العرب. إنّ هذه الظاهرة جديرة بالنّظر فيها بتؤدة وبتبصّر جذورها، وذلك بغية عبورها إلى برّ عربيّ آمن لما هو آت من زمان.

في هذا السياق، يمكن
القول إنّ هذه الأنظمة التي أُطلق عليها جمهورية، وشاء العقيد البليد التفرّد باستخدام جمع الجمع - أي الجماهيرية، لم تكن في حقيقة الأمر جمهورية، بدءًا بعسكر عبد الناصر وانتهاء بانقلابات عسكر البعث في سورية والعراق وسائر عساكر البلدان العربية. الشعارات الرنّانة الطنّانة لدى هذه الطغم العسكرية كانت شيئًا، بينما الواقع كان شيئًا آخر مختلفًا تمامًا.

لقد حوّل هذا العسكر
تلك الأقطار إلى إقطاعيّات للحزب الواحد والزّعيم الواحد الأحد إلى يوم يبعثون. وفي الحقيقة شكّلت كلّ تلك الأحزاب بشعاراتها الطنّانة مجرّد غطاء لسلطان الاستبداد القبليّ والطائفيّ، يحكم بالحديد والنار ويحزّ رقاب العباد. وفوق كلّ ذلك، فقد نهب هؤلاء الموارد الوطنيّة وأقطعوها للمقرّبين من محازبين وقبليين آخرين، بينما عاش سائر النّاس في الحضيض. لم يأت هؤلاء العسكر بأيّ جديد، اللهمّ إلاّ بالطغيان الجديد المتلبّس بشعارات ”ثورية“ و“عروبية“ وما إلى ذلك من بلادة بليغة. وهذه هي بالضبط البلاغة التي تُفضي برافعيها إلى وصف أبناء الشعب بالـ“مندسّين“ أو بالـ“جرذان“.

ولو أجرينا مقارنة
بين هذا النوع من الأنظمة، وبين الأنظمة العربية الأخرى، الملكية، لرأينا أنّ تلك الأنظمة الملكيّة كانت أرحم بالعباد من مُدّعي ”الثورية“ ومُدّعي ”العروبية“. وهكذا يمكننا القول إنّ أنظمة العسكر التي ربخت على صدور الناس في بلاد العرب كانت بصورة أو بأخرى شبيهة بالـ“حَمْل“ المجتمعي العربي خارج حدود التقاليد النكاحيّة العربيّة.

ولهذا، يمكننا أن نصف
حال الإطاحة بهذه الأنظمة العسكريّة القبليّة العربيّة كنوع من ”القتل على خلفيّة شرف العائلة“. وهذا هو تقليد عربيّ لا زال قائمًا في المجتمعات العربيّة. وبكلمات أخرى، ليس فقط أنّ هذا العسكر قد اغتصب الشّعوب العربيّة وسرق الأوطان، بل إنّه قد فعل ذلك خارج حدود تقاليد العرب، وهي تقاليد أميل إلى الملكيّة منها إلى الجمهورية، وذلك بسبب الطبيعة القبليّة لهذه المجموعات البشرية التي تنتمي إلى الحضارة المسمّاة عربية.

وعندما أقول ذلك،
فلست أعني أنّ الأنظمة الملكية العربية هي أنظمة متنوّرة، بل أقول ذلك مقارنة بهذا الاستبداد العسكري والقبليّ والجرائم التي تقترفها الأنظمة الأخرى. أمّا بخصوص الأنظمة الملكية العربيّة التي تتلاءم مع الطبيعة العربية منذ ظهور العرب على مسرح التاريخ، فلا يمكن أن تبقى هي الأخرى على ما هي عليه الآن. بل يجب أن تنزع إلى العبور للملكية الدستورية على غرار الملكيّات الأخرى القائمة في أوروبا وفي أماكن أخرى من العالم. وإذا لم تفعل ذلك، فمصيرها هي الأخرى إلى زوال طال الزّمن أو قصر.

والآن، جاء دور فلان
الذي يقوم منذ شهور بإرسال دبابات عسكره وببوارج بحريّته لقصف أبناء شعبه المنتفضين ضدّ هذا الاغتصاب السّلطوي البعثي القبليّ المستمرّ هو الآخر في سورية منذ عقود. لقد جاء الآن دور انقلاع هذا النّظام الفاشي إلى غير رجعة.

أمّا مصير الانتفاضات العربيّة،
فلا يسعنا سوى القول: لن تستقرّ أحوال هذه البلدان التي انظلقت فيها شرارات التغيير إلاّ بالتحوّل إلى أنظمة مدنيّة معاصرة. ومعنى ذلك، الوصول إلى إجماع شعبيّ بدولة المواطنة المتساوية الواحدة التي تفصل الدين عن الدولة، وإلى إقرار دستور يسمح بتعدّد الأحزاب وإفساح الحريّات العامّة لكلّ المواطنين. وفي الوقت ذاته، يجب الوصول إلى إجماع أيضًا بحظر الأحزاب الدينية والعرقية والطائفية، لأنّ كلّ هذه الخلفيات هي البذور التي تخرج منها أوبئة المجتمعات العربية التي تفتك بها منذ قرون. وفي الوقت ذاته، يجب تحديد مدّة الرئاسة لدورتين انتخابيّتين لا تتعدّان عشر سنوات، يُحال بعدها الرئيس إلى التقاعد.

لقد آن الأوان أن يشيع في الثقافة العربية مصطلح ”الرئيس السابق“ وهو على قيد الحياة، بدل تخليد مصطلحات ”الطاغية“ و”الرئيس الراحل“ أو ”الرئيس المقبور“.
وما لم يتمّ ذلك، فلن يتغيّر شيء في بلاد العرب.

والعقل ولي التوفيق
*
______________
مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

مختارات

  • حسام عيتاني

    وهكذا تمضي أيامنا في سعادة متصاعدة من انتصار إلى إحباط مؤامرة إلى التصدي لعدوان غاشم. فلا يبقى لدينا إلا الموت فرحًا في أوطاننا المنصورة وتحت صور قادتنا الخالدين...

    تتمة الكلام
  • إلياس خوري

    مجزرة الغوطة لن تتوقف، فالعالم لا يبالي، والرأي العام في بلاد العرب دخل في سبات الانحطاط الشامل، والشعب السوري تحوّل إلى ضحية، والدم سوف يتابع النزف إلى ما لا نهاية.

    تتمة الكلام
  • حازم صاغية

    كلّ شيء تعفّن ويتعفّن. بالتدريج يختفي البعد السياسيّ من الصراعات الدمويّة، ويتّضح كم بات مستحيلًا تسييسها. تغيير الأنظمة بذاته هو ما بات يُشكّ كثيرًا في أن يكون كافيًا حتّى لو تمّ التخلّي عن بعض الرؤوس والرموز.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام