30 ديسمبر، 2011

ودارت الأيّام ومرّت الأوهام

سلمان مصالحة | ودارت الأيّام ومرّت الأوهام

مع اقتراب نهاية السنة،
ستسارع الصحافة، على اختلاف لغاتها ومشاربها، إلى إجراء جردة حساب حول أحداث السنة الفائتة. ولا شكّ أنّ الصحافة العربية ستدلي بدلوها في هذا الموضوع، فالعالم مُعَولَم هذه الأيّام كما يعلم الجميع، والموضة أيضًا عابرة للحدود واللغات والقارات.

ما من شكّ في أنّ الحدث الأبرز في السّنة المنصرمة هو هذا ”الرّبيع“ الذي امتدّ شهورًا طويلة قاطعًا حواجز الصيف والخريف، حتّى دلف أخيرًا بخطوات حثيثة إلى الشّتاء الذي يطرق الأبواب. ولكن، ولمّا كان المرء مدعوًّا إلى التبصّر والنّظر بإمعان إلى ما يدور حوله، فإنّه مع ذلك مدعوّ أيضًا إلى عدم إطلاق العنان للخيال أكثر من اللّزوم خشية السقوط من أعالي الأوهام إلى قيعان الواقع الصّادم.

سنترك كتّاب العالم الآخرين
الذين يتحدّثون عن ”الربيع العربي“، ويصولون ويجولون بشتّى لغاتهم لوكًا وعلكًا في وصف وتقصّي الأحداث العربية. إنّهم ينظرون إلينا بمناظيرهم هم، وهو أمر طبيعيّ. وعلى كلّ حال، فهذا هو شأنهم ولا غرارة في ذلك. غير أنّنا، نحن العرب، مُلزمون بأن ننظر إلى ما يحصل لدينا بمناظيرنا نحن، لا بمناظير الآخرين. وبكلمات أخرى فإنّنا نحن الذين يجب أن نجد الوسائل والطريق إلى تقليع أشواكنا بأيدينا.

لقد تفاءل الجميع خيرًا
منذ أن بدأت بشائر هذا ”الربيع العربي“ تظهر في تونس. وعندما أقول الجميع، فإنّما أعني تلك الشّرائح الشابّة التي تعيش في عالم اليوم الذي قلّصت التكنولوجيا الحديثة مسافاته الجغرافية والثقافية. ولعلّ هذه البشائر لم تأت من هناك صدفة، فطالما وُسمت تونس بالخضراء في الغناء العربي.

ولكن، ها هو العام العربيّ المنتفض على أهبة الرحيل إلى عام جديد. غير أنّ هذا الرّبيع لم تتفتّح أزهاره بعد. قد تبدو الأمور مختلفة بعض الشيء في تونس عن سائر الأقطار العربية، إذ لم يشهد هذا البلد ما شهدته، ولا زالت تشهده، الأقطار الأخرى من قلاقل.

فما السرّ في ذلك؟
إنّه سؤال يجب أن يُطرح لأنّه وضع صارخ أمام أعيننا. ولأنّنا شاهدنا جميعنا كيف انتهى الوضع في ليبيا، ولأنّنا نشاهد ما يجري في مصر، وفوق كلّ ذلك نشاهد ما هو حاصل يوميًّا ومنذ شهور طويلة في اليمن، ونشاهد ما يجري على وجه الخصوص في سورية التي يرسل فيها النّظام جيشه وعصاباته لقصف وارتكاب الجرائم بحقّ من يُفتَرَض أنّهم ينتمون إلى ذات الشّعب وذات الوطن.

وللإجابة على هذا السؤال، حريّ بنا أن نذكر هنا أمورًا عادة ما تتفادى التطرّق إليها الكتابات العربية. فهنالك عوامل كثيرة جعلت الانتقال السّلمي تقريبًا يحصل في تونس ويتأخّر في الأقطار الأخرى. ويمكن اختزال هذه العوامل في عاملين جوهريين اثنين، وهما: التجانس المجتمعي، دينيًّا وإثنيًّا، والتّراث العلماني البورقيبي الذي تمّ ترسيخه بصورة أو بأخرى في تونس.

هذان العاملان الجوهريّان
لا ينوجدان بهذا الترسيخ في سائر البلدان. فلقد رأينا التمايز القبلي في ليبيا، وهو يلعب دورًا في شتّى المناحي، بل وحتّى في أسر رموز النّظام البائد. أمّا في مصر التي يصرّ أهلها على التشبّث باسم "أم الدنيا"، ورغم التجانس المجتمعي في الهوية المصرية القوية بلا شكّ، إلاّ أنّ الشّرخ الديني يطفو دائمًا على السّطح. وعلى ما يبدو لم يترسّخ في مصر منذ عبد الناصر سوى مؤسسة واحدة هي المؤسسة العسكرية التي أضحت مؤسسة اقتصادية كبرى.

من الواضح أنّ الوضع المصري ذاهب إلى "ستّين داهية"، كما يقال باللهجة المصرية. إذ أنّ صعود الإخوان والسلفيّيين سيأتي بالضربة القاضية على أهمّ الموارد في الاقتصاد المصري، ونعني به: السياحة. فهل هنالك من يعتقد بسذاجة أنّ سيطرة الاسلاميين ستجلب السياح إلى هذا البلد؟ لا حاجة إلى التذكير بأنّ السياحة في هذا العالم الواسع تذهب إلى البلاد المستقرّة والمنفتحة على الحريّات، ولا أظنّ أنّ "أم الدنيا" بسيطرة الإسلاميين ستكون كذلك. وعلى سبيل المثال، يمكن النّظر إلى إيران أو السّودان، فلا أعتقد أنّ هذين البلدين يعجّان بالسيّاح من أركان الأرض.

هذه العوامل أيضًا لا تنوجد
في سورية، مثلما لم تنوجد من قبل أيضًا في العراق. إنّ هذا النوع من البلاد، على تشكيلاتها الدينية والإثنية، والتي كان بوسعها أن تثري البلد وتكون له نعمة، إلاّ أنّها بدل ذلك فقد تحوّلت إلى نقمة بسبب هذا الإرث القبلي الاستبدادي المتجذّر في الذهنيّة.

لقد تظاهر البعث الاستبدادي، من قبل في العراق، والآن في سورية بالقومية، مستخدمًا أيديولوجيّة حزبيّة، لكي يخفي وراءها كلّ ما هو قبليّ مافيوزي. وهذا ه السّبب لما نراه الآن من كلّ صنوف هذا القتل والسحل والجرائم التي تقشعرّ لها الأبدان بحقّ المواطنين السوريّين.

في الواقع، لقد سقط هذا النّظام منذ أن بدأت ماكينته الإجراميّة تحصد الأبرياء، من جميع أطياف الشعب السوري. لقد شاهد العالم هذه الجرائم، فلم يعد بالإمكان إخفاء الأمور كما حدث في الماضي. وكلّنا أمل الآن أن لا يأتي النّظام القادم شبيهًا بهذا الزّائل عاجلاً أم آجلاً، وألاّ يأتي أيضًا شبيهًا بالقرضاوي ومن هم على شاكلته.

فهل يأتي العام القادم بهذا الجديد، أي دولة المواطنين وفصل الدين عن الدولة وهما أساس الدولة العصرية. هذا ما يصبو إليه من يبتغي الخير لهذه البقعة المأزومة. ورغم القراءة المتشائمة بعض الشيّء، مع ذلك سأترك بصيصًا للأمل، فلعلّ وعسى...

والعقل ولي التوفيق!
*
نشرت في: "إيلاف"، 30 ديسمبر 2011
______________________


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام