14 مايو، 2012

متى تذهب السكرة وتأتي الفكرة؟

منذ جلاء الاستعمار القديم وخروج العالم العربي - وإن كان الخروج نسبيًّا - من قبضة الدول المستعمرة، لم يهدأ لهذا العالم العربي بال...

سلمان مصالحة

متى تذهب السكرة وتأتي الفكرة؟


الانتفاضات التي ضربت
أقطارًا عربيّة بعينها، دون سواها، منذ عام ونيّف لم تأت من فراغ. إذ أنّنا وبنظرة سطحيّة على هذه الأقطار يمكننا أن نضع إصبعنا على ظاهرة مثيرة للاهتمام بعيدًا عن الكتابة الرومانسية المُشبعة بالشعارات التي وصفت ما جرى في هذه الأقطار بأنّه ثورة. منذ البداية كان الشكّ يتملّكني حول هذه التسميات التي تُطلق جزافًا دون النّظر في الجوهر، أي بما يحمله المصطلح ثورة من معنى. لم أدّعِ في الماضي، مثلما لا أدّعي الآن، أنّ الأمور واضحة المعالم بما يكفي للولوج في عمق هذا الحدث الكبير، غير أنّي ومنذ البداية لم أشهد على الأرض بما يشي على أنّه ثورة بحقّ وحقيق.

منذ جلاء الاستعمار القديم وخروج العالم العربي - وإن كان الخروج نسبيًّا - من قبضة الدول المستعمرة، لم يهدأ لهذا العالم العربي بال. لقد ظهرت على الخارطة تقسيمات وأقاليم ودول عربية، على غرار ما حدث في أصقاع مختلفة من العالم. لقد كُتب الكثير وقيل الكثير عن هذه التقسيمات ولا حاجة إلى التكرار. غير أنّ ما يلفت الانتباه هو أنّ بداية الأنظمة في هذه الدول المُستحدثة كانت نوعًا من السير على خطى هذه المجتمعات الموروثة كابرًا عن كابر. وبكلمات أخرى، لقد تشكّلت هذه الأقطار حول نظام قبليّ ينهل من موروث هذه المجتمعات. هكذا انتظمت هذه الأقطار في في نظام الممالك والإمارات والسلطنات.

صحيح أنّ الاستعمار
قد انكفأ بصورة أو بأخرى، غير أنّ لعبة الأمم لم تنته في هذه البقعة من الأرض. وهكذا أضحت مسرحًا للتجاذبات بين معسكرين وقطبين اثنين قد برزا للعلن مع نهاية الحرب العظمى الثانية. المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي، الشيوعي، بقيادة الاتحاد السوفييتي. في خضمّ هذه الحرب الباردة بين القطبين أفلح بعض العسكر في الإطاحة ببعض الأنظمة في الأقطار العربية. ولمّا كانت المسألة القوميّة ما زالت في طور تشكّلها في هذه الأصقاع، فقد امتلأ الفضاء العربي في تلك ”الجمهوريات“ التي برزت على السطح بكلّ تشكيلات الشعارات العاطفيّة والرومانسية، عن الوحدة والاشتراكية والقومية وما إلى ذلك من كلام كبير لم يكن يستند في الواقع إلى أيّ رصيد لديها.

وهكذا، سرعان ما تحوّل هؤلاء العسكر إلى منظومة سلطويّة كلّ همّها منصبّ على البقاء في الحكم، أو تحوّل هؤلاء العسكر إلى منظومة قبليّة وطائفيّة تتستّر خلف شعارات قوميّة ومعاداة الامبريالية، وما إلى ذلك من أصناف البلاغة العربية. لقد مرّت عقود طويلة على حكم هؤلاء العسكر فلم يحقّقوا شيئًا لكلّ هذه الشعوب العربية التي اغتُصبت وغُلبت على أمرها. لقد كان الاستبداد واستعباد العباد سمة ملازمة لتلك الأنظمة. وها نحن، وبعد عقود من حكم هؤلاء العسكر واستبدادهم نرى أنّ كلّ تلك الشعارات قد ذهبت أدراج الرياح. فعادت كلّ هذه الـ”شعوب“ إلى نقطة الصفر.

لذا، ليس من قبيل الصدفة
أن تضرب موجة الانتفاضات العربية، المسمّاة ”ربيعًا“ بالذّات تلك الأقطار العربية التي اغتصب فيها العسكر السلطة وأخذوا يورّثون فيها الحكم، كما لو كانوا ملوكًا. وكان هؤلاء بالطبع يجدون من يصفّق لهم ويُلقي على مسامعهم الأشعار والمدائح في جلسات ما يُسمّى ”مجلس شعب“ وما إلى ذلك من مجالس صوريّة في حقيقتها. في الحقيقة كان بإمكان الرئيس أن يعرض على هذه المجالس المزوّرة قرارًا يقول بأنّ الشمس تُشرق من المغرب وتغرب في المشرق، وبالطبع كانت تلك المجالس ستبصم بالعشرة على قرار الرئيس الواحد الأحد الفرد الصمد، بلا أدنى شكّ.

والحقيقة المرّة هي أنّ كلّ التيّارات التي كانت، ولا تزال، تُسمّى يسارًا، لم تكن كذلك في حقيقتها. بل يمكن القول يقينًا، إنّها كانت حركات انتهازية تتزلّف إلى هؤلاء السلاطين - ربّما الأصحّ السراطين - الجدد الذين استحكموا بالبلاد واستبدّوا بالعباد. لم تُقدّم تلك الحركات بديلاً تنويريًّا وديمقراطيًّا لهذه الشعوب، بل استخدمها العسكر الطائفي والقبلي لمآربه، فقبلت هي بالفتات الممضوغ المتروك لها على موائد هؤلاء اللّئام.

لست من أنصار الأنظمة الملكيّة،
وعلى وجه الخصوص العربيّة منها، بأيّ حال من الأحوال. غير أنّ الحقيقة التي يجب أن تُقال هي أنّ الأنظمة الملكية العربية وعلى كلّ سيّئاتها التي لا تُحصى، فقد كانت على الأقلّ أرحم بشعوبها من كلّ تلك التي تُسمّى جمهورية وثورية وما إلى ذلك من مسمّيات كاذبة. ليس هذا فحسب، بل إنّ الاستعمار ذاته كان أرحم من هذه الأنظمة على البشر والحجر والشجر. لذا، فبعد أن طفح الكيل انتفض النّاس في تلك الأقطار على هذه الأنظمة الفاسدة والمفسدة في الأرض.

لقد آن الأوان لأن تذهب السكرة. لقد آن الأوان لأن تأتي الفكرة.

والعقل وليّ التوفيق!
*
نشر في: ”إيلاف“، 14 مايو 2012

***


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام