29 مايو 2012

دولة مدنية رائدة ذات عدالة سائدة




لا يمكن دسّ الرأس في الرمال، والتغاضي عن هذه الحقائق التي تشكّل أرضيّة اجتماعية، ثقافية وسياسية تنبني عليها الأجيال
العربية منذ القدم.

سلمان مصالحة

دولة مدنية رائدة ذات عدالة سائدة


ها هي مجزرة جديدة
تنضاف إلى سجلّ هذه المافيا البعثية التي أطلقت منذ أكثر من عام العنان لجيشها الفئوي للمضيّ في جرائم ترويع وتركيع أبناء الشعب السّوري الذي انتفض على الظلم والاستبداد. لقد كشفت هذه المافيا اللئيمة، ومنذ أكثر من عام، حقيقتها على الملأ. لقد كشفت هذه المافيا حقيقتها على لسان من يقف على رأسها حينما صرّح لوسائل الإعلام الغربية، مع بداية هبّة السوريين ضدّ نظامه، أنّ سورية غير تونس وسورية غير مصر.

بالطبع سورية غير تونس وغير مصر. إذ أنّ سورية أكثر شبهًا بالعراق من أي صقع عربي آخر. ومثلما حصل في العراق الذي عانى الأمرّين من حكم البعث القبلي التكريتي، فها هي سورية تعاني الأمرين من حكم البعث القبلي القرداحي. لقد شكّلت هذه الأيديولوجية البعثية ذات الشعارات العروبية الكاذبة أرضيّة للاستحواذ القبلي على مقاليد السلطة وعلى مقدرات البلاد وأدمنت القتل واستعباد العباد.

هذه الأيديولوجية الكاذبة
لم تخلق شعبًا لا في العراق ولا في سورية. ليس فقط أنّ القبليّة التي انبنت عليها قد فتّتت في الواقع المجتمعات العربيّة، بل وأكثر من ذلك ففي كلّ من البلدين اتّسمت هذه الأيديولوجيّة البعثيّة الكاذبة بعنصريّة عربيّة تجاه الأكراد الذين يعيشون في هذه الأوطان. ومن هذا المنطلق، وبسبب هذه التركيبة الطائفيّة والإثنيّة لهذه المجتمعات في هذين البلدين، على سبيل المثال فقط، فإنّ الحديث عن ”شعب عراقي“ أو ”شعب سوري“ هو ضرب من الأوهام التي لم تستند في يوم الأيّام إلى أيّ أساس في الواقع، وسرعان ما تنكشف على الملأ كلّ هذه العورات المجتمعية في هذه الأقطار.

لا بدّ من التأكيد على أنّ البلاد التي تتشكّل من إثنيّات وطوائف وملل ونحل، فقط دولة المواطنة الواحدة التي تخترق الحدود الطائفيّة والإثنية هي التي تصنع شعبًا. وبكلمات أخرى، فقط الدولة التي تفصل الدين والطائفة عن الدولة هي تلك التي تصنع شعب المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات. أمّا بغير هذا المبدأ فإنّ الدولة تبقى دومًا معرّضة للاستبداد الإثني والطائفي، فمرّة يأتي الاستبداد السلطوي من هذه الطائفة أو هذه القبيلة ومرّة يأتي من طائفة أخرى أو قبيلة أخرى.

الدولة في المفهوم العربي:
هنالك حاجة إلى فهم دلالة المصطلح ”دولة“ العربي لكي نفهم عمق هذه الإشكالية المدنية العربية. فالـ”دولة“ في الذهنيّة العربية هي ظهور قبيلة على أخرى في السيطرة على الأرض، على الحجر والشجر والبشر. كذا هي ”دولة بني العبّاس“ أو ”دولة بني أميّة“. أي أنّ ما يختفي وراء المصطلح ”بني الـ...“، أي الانتماء البيولوجي القبلي، هو الأساس في مفهوم الدولة في الذهنيّة العربيّة، ومنذ قديم الزمان. فمرّة تدول، أي تدور الدائرة، لهذه القبيلة ومرّة تدول فتنتقل لقبيلة أخرى.

لا يمكن دسّ الرأس في الرمال، والتغاضي عن هذه الحقائق التي تشكّل أرضيّة اجتماعية، ثقافية وسياسية تنبني عليها الأجيال العربية منذ القدم. إنّ هذه الذهنيّات هي ولّدت في الماضي العربي المنصرم وهي التي تولّد الاستبداد في الحاضر العربي المعاصر. والحقيقة التي يجب أن تُقال علانية هي إنّه ما لم يتمّ التعامل مع هذا الإرث الاستبدادي فلن يستطيع هذا المشرق العربي أن يرى أو أن يحلم ببصيص من أمل لمستقبل آخر يختلف عمّا مضى.

ولو نظرنا إلى ما حصل
في العراق، على سبيل المثال، فإنّنا لا شكّ راؤون كيف دالت الدولة من طائفيّة وقبليّة واحدة إلى طائفيّة جديدة لا تختلف كثيرًا عمّا سلف إلاّ شكليًّا. لهذا السبب لا زال العراق يتخبّط منذ أن أُطيح بسفّاح العراق التكريتي، وتغلغل التأثير الإيراني فيه مستندًا إلى الفوارق الطائفيّة التي تُعشّش في نسيجه الاجتماعي.

وكذا هي الحال مع المافيا القبلية التي استحوذت منذ عقود على سورية. لقد استغلّت هذه المافيا البعثية كلّ تلك الفوارق الطائفيّة والإثنية التي يتشكّل منها النسيج السوري، ليس لبناء دولة مدنية عصرية، بل على العكس من ذلك. لقد استغلّت هذا النسيج الطائفي لتعميقه وترسيخه، وذلك لكي تربط مصائر طوائف وملل ونحل وإثنيّات أخرى بمصير بقاء الاستبداد القبليّ القرداحي دون غيره.

من هذا المنطلق،
إنّ المهمّة الملقاة على عاتق المنتفضين السوريين ضدّ هذا الاستبداد هي قطع الطريق على ما تحاول هذه المافيا البعثية إشاعته وتكريسه في وسائل الإعلام، من تأليب طائفي وتأجيج النعرات الكامنة في هذه المجتمعات.

ربّما قد آن الأوان أن تلتئم المعارضة السوريّة لطرح بديل واضح لهذا النّظام المافيوزي. بوسع هذه المعارضة أن تعلن عن مجلس انتقالي يضمّ عشرين شخصيّة سوريّة معتبرة من جميع طوائف المجتمع السوري. نعم المجتمع السوري مؤلّف من طوائف ومن إثنيّات مختلفة، ويجب أخذ هذه الحقيقة بالحسبان لقطع الطريق على المافيا البعثية.

على المعارضة السوريّة أن تنتخب مجلسًا رئاسيًّا للمرحلة الانتقالية يضمّ شخصيّات علويّة وسنيّة وكرديّة ومسيحية ودرزية وإسماعيلية وغيرها من أطياف المجتمع السوري بأسره. نعم، إنّ مجلسًا بهذه التركيبة هو الوحيد يُخوّل بالحديث باسم الثورة السورية وهو الوحيد الذي يأتمر الجيش السوري بإمرته. فقط بالانضباط الصارم إلى أبعد الحدود يمكن أن تنجو سورية من التفتيت الطائفي الذي ينتظرها.

على المجلس الانتقالي الجديد
ضمانات واضحة لأفراد الجيش السوري الذين لا يزالون يأتمرون بأوامر النظام المافيوزي، أنّهم لن يكونوا عرضة لملاحقات قانونية مستقبلية، بل إنّ العفو الثوري سيشملهم جميعًا، وذلك باستثناء القيادات المافيوزية العليا التي تُعطي الأوامر بتنفيذ المجازر. إذ أنّ هذه القيادات الإجرامية سيتمّ تقديمها لمحاكمات عادلة بحضور ممثّلين حقوقيين من أنحاء العالم.

لقد فقد هذا النّظام القبليّ أيّ مصداقيّة لبقائه. إنّ كلّ هذه المجازر لا يمكن أن تمرّ وكأنّ شيئًا لم يكن، وكأنّ ”اللّي فات مات“. لقد أضحى زوال هذا النّظام الإجرامي هدفًا لكلّ من ينشد الحرية في هذا المشرق العربي. نعم، إنّ الأرواح العربية السورية التي زهقها هذا النّظام وشبّيحته وطوال عام مضى، يجب أن تشكّل درسًا لكلّ عربيّ في هذا المشرق. والدّرس هو وأد الذهنية الطائفية والقبلية وما يتشكّل فيها من نعرات وثارات تفسد حياة الإنسان العربي منذ قرون طويلة.

ومثلما يجب فصل الدين
عن الدولة، يجب أيضًا استبدال الشعار الكاذب عن ”الأمّة الواحدة والرسالة الخالدة“ وترسيخ شعار آخر جديد في الذهنية العربية، وهو ”دولة مدنية رائدة ذات عدالة سائدة“. إذ بدون ترسيخ هذه المفاهيم سيظلّ معنى الـ ”دولة“ ذو جذور النعرات القبلية والطائفية هو سيّد الموقف. فبئس ذلك المعنى وبئس تلك الدولة.

أليس كذلك؟!
*
نشر في: ”إيلاف“، 29 مايو 2012
---

مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام