8 يوليو 2012

هل سيتمّ نبش قبر عرفات؟

الغموض الذي لفّ رحيل عرفات بهذه الصورة يجب أن يكون مسألة يبحثها المؤرّخون، والصحافة المسؤولة، إن وُجد أصلاً مثل هؤلاء المؤرخين ومثل هذه الصحافة.

سلمان مصالحة


هل سيتمّ نبش قبر عرفات؟



العالم العربي الذي انفتحت أبوابه
على مصاريعها في عصر عولمة المعلومات يشهد منذ عقدين تقريبًا سباقًا محمومًا على استقطاب قلوب وأعين المشاهدين العرب. يمكن القول بالطبع إنّ لهذا السباق جوانب إيجابية مثلما له أيضًا جوانب سلبيّة. الإيجاب في هذا السّباق هو بروز وفرة كبيرة في وسائل الاتّصال والإعلام تعمل إلى جانب وسائل الإعلام الرسميّة التي لم يثق المشاهد العربي بها أصلاً ولا بما تقدّمه له ليل نهار من وجبات دعائية سلطويّة. غير أنّ الجانب السّلبي له حضور بارز أيضًا في هذه الوفرة، إذ مع اللهاث وراء شدّ المشاهد تجنح هذه المحطّات أكثر فأكثر إلى البحث عن القاسم المشترك الأدنى فتهبط بالمستوى إلى حدود الإثارة والغرائزية الهابطة، بدل أن ترفع المشاهد إلى مستوى يكون فيه مسؤولاً عمّا يُشاهد، وتدفعه إلى موقع المشاركة في بناء العالم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه.

لا شكّ أنّ المبادرين إلى إطلاق محطّة الجزيرة كانوا سبّاقين إلى فهم هذه المرحلة المستجدّة في عالم الإعلام بصورة عامّة، وخاصّة ذلك المتعلّق بالعالم العربي. لقد درج هؤلاء على خطى محطّة الـ سي. إن. إن. التي ذاع صيتها مع حرب الخليج الأولى بعد الغزو الصدّامي للكويت.

مهما يكن من أمر،
يلاحظ المشاهد ذلك الفارق الكبير بين الجزيرة الإنكليزية وبين شقيقتها العربية، أكان ذلك في نشرات الأخبار أو في البرامج الأخرى. وقد يقول قائل ما إنّ المحطة الإنكليزية موجّهة للعالم الآخر، ولعلمها باختلاف ذهنية المشاهد الآخر فهي تأتي أكثر رصانة من العربية. وهكذا، بالضّبط في هذه المقولة تُختزل القصّة بأكملها. أي أنّ التوجّه للآخر هو توجّه للعقل، بينما التوجّه للعربي هو بواسطة العواطف والغرائز. هذه هي بالضّبط النّظرة التي لا تحترم المشاهد العربيّ على العموم. وهي نظرة متجذّرة في الإعلام على جميع فروعه، مثلما هي متجذّرة أيضًا في السياسة ولدى كلّ أصناف الحكّام العرب.

من حقّ، بل من واجب، الجزيرة
أن تتطرّق إلى قضيّة موت ياسر عرفات، فهي قضيّة تثير الكثير من الأسئلة ويلفّها الكثير من الغموض. لكن، من جهة أخرى، وبعد مرور سنوات على رحيل عرفات، يجب ألاّ تتحوّل هذه القضيّة إلى قضيّة مركزيّة تشغل بال الفلسطينيّين وتدخلهم في متاهات تؤدّي إلى زيادة التشقُّق في الصفوف الفلسطينية المتشقّقة أصلاً في السنوات الأخيرة. بعد مضيّ سنوات على رحيل عرفات يجب ألاّ تتحوّل هذه القضيّة إلى الشغل الشاغل لدى الفلسطينيين، ويجب ألاّ تحرف وجهة الصراع الفلسطيني ضدّ الاحتلال لتحوّله إلى مسار صراع داخليّ لا يستفيد منه أحد غير الاحتلال الإسرائيلي.

الغموض الذي لفّ رحيل عرفات بهذه الصورة يجب أن يكون مسألة يبحثها المؤرّخون، والصحافة المسؤولة، إن وُجد أصلاً مثل هؤلاء المؤرخين ومثل هذه الصحافة. كما يجب أن يُفسح المجال لهؤلاء بالاطّلاع على كلّ جوانب الملفّ المتعلّق بهذه القضيّة. وعلى أيّ حال، فإنّ تحقيقات مثل هذه تستغرق، إذا ما أريد لها أن تكون موثوقة، سنوات طويلة من البحث والتقصّي. أمّا تحويل المسألة، وفي هذه الظروف الفلسطينية بالذات، إلى منازعات فلسطينية داخلية فهو يصبّ في صالح الاحتلال الإسرائيلي. وقد يكون هذا هو الهدف الخفيّ من وراء إثارة المسألة بهذه الصورة الآن.

إنّ الدعوة إلى نبش قبر عرفات
من أجل مواصلة التحقيق في هذه المسألة، بعد سنوات على رحيله، لا تندرج ضمن حدود الاحترام الذي يجب أن يتمّ التعامل به معه. على القيادة الفلسطينية من كافّة التيّارات أن تضع هذه المسألة نُصب أعينها قبل الإقدام على خطوة من هذا النوع. عليها أن تُفكّر في أبعاد القيام بخطوة كهذه على مشاعر وأفكار الناس، وأن تفكّر في مدى تأثيرها على مُجمل الحال الفلسطينية المأزومة أصلاً.

وكلمة أخيرة
موجّهة إلى السيدة سهى عرفات، وإلى من هم على مثالها. لو كانت السيدة عرفات تحترم زوجها الراحل، لما تركت البلاد، الوطن، وراحت لتعيش برفاهية البلاد الغربية. لو كانت تحترم زوجها وما يمثّله في وجدان الفلسطينيين لما تركت البلاد، ولكانت بقيت هنا تعيش مع ابنتها بين أبناء شعبها وفي بلدها، وتعمل هنا كمواطنة مثل بقية المواطنين ضدّ الاحتلال ومن أجل رفاهية أبناء شعبها ودفع قضيّتهم.

وهذا الكلام نافع أيضًا لكلّ دعاة الشعارات من المسؤولين الفلسطينيّين، ومن شرائح واسعة أخرى. يساورني شكّ في أنّ الكثيرين من هذا الصنف سيتركون فلسطين إذا لم يتمّ انتخابهم في المستقبل، وإذا لم يتمّ تعيينهم في وظائف عليا. على هؤلاء أن يثبتوا على أرض الواقع أنّ كلامهم عن فلسطين ليس مجرّد شعارات سرعان ما تتلاشى مع فقدانهم لمراكزهم السلطوية، فيتلاشون إثر ذلك عن الساحة الفلسطينية ويهاجرون إلى بلاد أخرى يواصلون إطلاق الشعارات الكاذبة، من فضائيّات كاذبة، من قريب أو بعيد.

إنّ من يدّعي الانتماء إلى القضيّة الفلسطينية، عليه أن يثبت ذلك على أرض الواقع في السرّاء كما في الضرّاء أيضًا.
أليس كذلك؟
*
نشر في: ”إيلاف“


ـــــــ



مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    فتوى علمانية

    فلو أنّ الأمور اقتصرت على هذه الفتاوى لضحكنا ومضينا في طريقنا غير آبهين بها. غير أنّ ما يثير الحفيظة هو توقُّف الكثيرين عند هذه المضحكات بينما يدسّون، كالنّعامات، رؤوسهم في الرّمال...
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • كاترينا إليوپولو

    حلمتُ عن امرأة
    امرأتي ليستْ أربعاء الرّماد
    كما ليستْ هي الجمعة الحزينة
    وليستْ أحدَ الصُّعُود
    امرأتي هي دَوْمًا الخميس.

  • ڤيسلاڤا شيمبورسكا

    نحنُ أبناءُ هذا العَصْر،
    إنّه عصرٌ سياسيّ.

    كلّ ما يحملُ يومُك من أعباء
    أو ليلُك، أعباؤك أعباؤنا، أعباؤكم
    هي أعباءُ سياسة.

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة