عروس عروبتكم

من الأرشيف: "عروس عروبتكم"
هذه المقالة نشرت في منتصف التسعينات. وعلى ما يبدو فهي لا زالت صالحة لهذا الأوان...

سـلمان مصـالحة || "عروس عروبتكم"

منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة. لكن في الوقت نفسه ما من شكّ في أنّ العرب والمسلمين بعامّة والفلسطينيّين بخاصّة يقعون في شراك لعبة إسرائيليّة مخطّط لها "من زمان". إنّ تحويل الخلاف في السّاحة العربيّة والإسلاميّة في ما يتعلّق بمصير القدس إلى مسألة تتعلّق بالهيمنة على الأماكن الإسلاميّة المقدّسة في المدينة يسحب البساط من تحت أرجل المطلب الفلسطينيّ والعربيّ بشأن السّيادة السياسيّة في المدينة. وبذلك تتحوّل القدس إلى مجرّد مدينة تحتوي على أماكن مقدّسة إسلاميّة، ويتحوّل المطلب إلى المطالبة بحريّة الوصول إلى الأماكن المقدّسة لإقامة الصّلوات. وهذا بالضّبط ما تريده إسرائيل. فإسرائيل لا تنفيّ قدسيّة الأماكن الإسلاميّة، مع أنّ ثمّ تيّارات يمينيّة دينيّة يهوديّة تحلم بإقامة الهيكل الثّالث على أنقاض هذه الأماكن، ولكنّها مع ذلك تريد أن تبقى السّيطرة السّياسيّة على المدينة في أيديها إلى أبد الأبيد.

إنّنا نسمع أصداء هذه الخلافات تأتي إلينا من قاعات المؤتمرات الإسلامية والعربيّة الّتي تُعقد بين فترة وأخرى، وها هم مُقبلون على مؤتمر آخر، حيث يتمّ إدراج موضوع القدس على جداول أعمالها، وفي نهاية المطاف لا يخرج المؤتمرون (والأصحّ: المتآمرون) بنتيجة عمليّة. فها هم زعماء العرب والمسلمين يحوّلون القضيّة إلى قضيّة أماكن عبادة ليس إلاّ. ولا شكّ أنّ القيادات الإسرائيليّة، وهي تشاهد هذه المهازل، تحكّ أكفّها راضية مرضيّة لأنّ خيوط اللّعبة في أيديها، والأمور تسير بالضّبط في الطّريق الّتي رسمتها. لقد جاء الاتّفاق الإسرائيلي الفلسطيني، في أوسلو وما أعقبه، في مرحلة شهدت انهيار القيادات الفلسطينيّة، وفي وضع من انحسار القوميّة العربيّة وتربّعها على هامش التاريخ متنازعة في نزاعات إقليميّة وقبليّة لا مبرّر لها غير الحفاظ على أطر ورجالات الأنظمة المستبدّة بشعوبها. وكان الهدف الإسرائيلي من الاتّفاق واضحًا للعيان وهو إنقاذ القيادة الفلسطينيّة المهزومة من الانهيار الحتميّ واللّعب بها كما يلعب الأولاد بالعجينة. أي أنّ الهدف كان الإبقاء على القيادة الفاشلة وابتلاع ما يمكن ابتلاعه من الأرض. ولمّا كانت القيادات العربيّة بشكل عام، والفلسطينيّة على وجه الخصوص، تضع في مقدّمة أولويّاتها إنقاذ نفسها جاءت هذه الاتّفاقات على كلّ ما فيها من تنكّر لحقوق فلسطينيّة بتوقيع قيادات فلسطينيّة مهزومة، فألقت كلّ تلك القيادات عرض الحائط بكلّ الشّعارات الّتي نادت بها خلال عقود من الزّمن.

وخلال هذه العقود الماضية من الاحتلال الإسرائيلي قامت إسرائيل بخلق وضع جديد في القدس العربيّة المحتلّة، حيث قامت بضمّ القدس ومناطق كبيرة تابعة للقرى االفلسطينيّة المحيطة بها وأجرت عليها القانون الإسرائيلي. وخلال هذه العقود أقامت الحارات الاستيطانيّة في منطقة القدس العربيّة المحتلّة الأمر الّذي غيّر من الميزان الديموغرافي فيها. والآن وبعد سنين أصبح عدد السكّان اليهود في القدس المحتلّة أكبر من عدد السكّان العرب، كما أنّ القدس قد أحيطت من جميع الجهات بهذه الحارات الإستيطانيّة الأمر الّذي يشكّل ابتلاعًا تامًّا للقدس العربيّة. وخلال هذه العقود، لم يفطن العرب إلى ما يجري على أرض الواقع، كما أنّ القدس بقيت مجرّد شعار يرفعه زعماء عرب فقط لمجرّد دفع ضريبة كلاميّة ليس إلاّ. وفي الواقع، لم يفطن العرب والمسلمون للقدس حتّى قبل الاحتلال الإسرائيلي لها، ولم يهتمّ أحد بتعميرها ولا الإنتباه إليها، وذلك لأغراض في نفوس اليعاقيب. وهكذا آل الأمر بالقدس إلى ما آل إليه حتّى وصلنا إلى هذه المرحلة.

قد يظهر بعض النّفر من العرب والمسلمين، من زعامات ومثقّفين، على شاشات التلفزيون وفي وسائل الإعلام بعد هذه المؤتمرات الّتي يعقدونها متشدّقين بشعار القدس، لكنّ الحقيقة هي غير ذلك، فلم يهتمّ أحد بالقدس ولا بما "تبارك حولها" أبدًا لا في الماضي البعيد ولا في الماضي القريب. لم يقم أحد بتطوير المدينة بل تركت قرية كبيرة، أو قل كونفدراليّة من القرى والقبائل. وهكذا، احتلّت إسرائيل القدس وأجرت عليها ما أجرته طوال هذه العقود لمنصرمة. والآن تغيّر الوضع على الأرض، وعلى ما يبدو فلن تعود المدينة إلى سابق عهدها، على الأقلّ في هذا الجيل.

وقد يتساءل البعض من هو المسؤول عن هذا الوضع؟ والإجابة سهلة، وهي إنّه بالإضافة إلى الاحتلال الإسرائيلي الّذي عمل طوال سنين على تكريس الاحتلال في القدس وضمّها على أرض الواقع، فإنّ المسؤول الأهم في نظري عن هذا الوضع الّذي آلت إليه هو هذه الأمّة المغلوب على أمرها من قبل حكّامها، ولا نستثني من ذلك جميع المسؤولين الفلسطينيين طوال السّنين. إنّ التّصريحات الإسرائيليّة بشأن القدس هي تصريحات واضحة، وهي تصريحات لا تقبل التّأويل، وهي تتلخّص بما معناه أنّ على العرب والفلسطينيين أن ينسوا من القدس، لأنّ القدس في نظر القيادات الإسرائيليّة على اختلاف أحزابها هي عاصمة إسرائيل الأبديّة ولا علاقة لمفاوضات السّلام بها. وإسرائيل لا تصرّح بهذه التّصريحات إلاّ لعلمها أنّ الأوضاع قد تغيّرت على أرض الواقع في القدس منذ العام 67 بشكل جذريّ، أمّا العالم العربيّ فيستمرّ في دسّ رأسه في الرّمال.

إنّ من ينتظر الضّغوط من العالم الغربي سيواجه الخيبة بعد الخيبة. يجب ألاّ يغيب عن الأنظار أنّ العالم الغربيّ لن يقوم بالضّغط على إسرائيل بأيّ حال من الأحوال لأسباب تاريخيّة تتعلّق بالعلاقة الجوهريّة العميقة الّتي تربط الغرب المسيحي بإسرائيل الممثّلة لليهوديّة الّتي هي الجذور التاريخيّة للمسيحيّة، مقابل العرب والإسلام الّذي بدأ يلعب دور "العدوّ الحضاري" للغرب المسيحي.

فما العمل إذن في وضع مثل هذا؟ لقد كنت أكثر من مرّة في الماضي أطلقت دعوى التّركيز على أهميّة القدس في الوجدان العربيّ، وقد رفعت اقتراحًا عمليًّا بهذا الصّدد، وهو أن يتمّ استصدار فتوى إسلاميّة بتحويل القبلة نحو القدس لأجل مسمّى، والتّوجّة بالصلوات نحو القدس بدل مكّة حتّى تنفرج الغمّة، وأن يقوم الفلسطينيّون بالحجّ إلى القدس بدل الديار الحجازيّة وذلك أيضًا لأجل مُسمّى، وبذلك تصبح القدس في نفس كلّ عربيّ، لكنّ هذه الدّعوى ذهبت أدراج الرّياح.

أمّا إن لم يتمّ ذلك فمصير القدس أيضًا هو أن تذهب أدراج الرّياح وأن يكون مصيرها إلى ضياع للأجيال القادمة، وسيكون مصيرها مصير يافا، وعكّا، أو قل غرناطة، مكانًا أثريًا يؤمّه السيّاح من أقطار الغرب، وبعض المُتباكين من شعراء العُربان. وعلى فكرة، ألا ترون معي هذا النّقص المذهل في الكتابات الأدبيّة العربيّة والفلسطينيّة بشكل خاص عن موضوعة القدس، وماذا كتب شعراؤكم الوطنيّون جدًّا جدًّا عن القدس؟ لا شيء.

وهكذا، وطوال هذه العقود الماضية لم تكن ردود فعل العرب والمسلمين إلاّ من قبيل دفع الضّرائب الكلاميّة، عن أهميّة القدس وعن أنّ القدس في الوجدان العربي والإسلامي وما إلى ذلك من كلام موزون "بلا قافية". ولم يكن إعلان المبادئ في أوسلو والقاهرة إلاّ ليضع المسمار الأخير في تابوت المدينة العربيّة. إنّ من وقّع على تأجيل بحث قضيّة القدس بعد هذه العقود الطّويلة من الاحتلال، ومن الإصرار الإسرائيلي على أنّ القدس ليست مسألة تخضع للتّفاوض، يحصد الآن ما زرع. وستستمرّ إسرائيل في عقد الاتّفاقات مع السّلطة الفلسطينيّة حول تسليمها السّلطة في هذه البقعة أو تلك، مبقية قضيّة القدس خارج كلّ هذه الاتّفاقات. وما من شكّ في أنّ إسرائىل ستقوم بإلهاء القيادة الفلسطينيّة بعظمة ما هنا أو هناك مقابل تنازل آخر من جانب القيادة الفلسطينيّة بشأن المستوطنات والقدس. وحين ستُكبّل السّلطة الفلسطينيّة نفسها بأغلال البنود المنصوصة، تبقى القدس وأهلها خارج هذه اللّعبة - الفضيحة.

إنّ ما ستبقيه إسرائيل للفلسطينيّين والعرب والمسلمين هو تلك التلّة الّتي يقوم عليها الحرم القدسيّ الشّريف، ولكن ليس إلى الأبد، وإنّما فقط في هذه المرحلة التّاريخيّة. ولهذا السّبب أيضًا سمحت الحكومة الإسرائيليّة لنفسها بتوقيع الاتّفاق مع المملكة الأردنيّة الهاشميّة، وأبقت على "الدّور التّاريخي" للعائلة الهاشميّة في الأماكن الإسلاميّة المقدسة، وفقط الإسلاميّة. وبهذه الخطوة حوّلت إسرائيل القضيّة من مسارها السياسي العام، إلى مسألة أماكن مقدّسة فحسب. وبذلك تقوم إسرائيل بسحب البساط من تحت أرجل المطلب الفلسطينيّ والعربيّ بشأن السّيادة السياسيّة في المدينة.

والآن، ماذا تقول يا أخا العرب؟
فيما يخصّ المدينة المحتلّة نستطيع أن نقول: لكم من بعدها الصّبر والـ "سلوان"، وربّما على الأصح: أبو ديس، كما جاء في وثيقة بيلين-أبو مازن.
***

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics