2 سبتمبر، 2014

هواجس طارئة بشأن الكيان المزعوم



سلمان مصالحة || 

هواجس طارئة بشأن الكيان المزعوم

أحيانًا تضطرنا الذاكرة للعودة ألى أمور كان لها أثر بالغ في مسيرة حياتنا على هذه الأرض. ولمّا كان عبدكم الحقير قد وُلد في هذه البقعة من الأرض الواقعة شرق المتوسّط، فقد كنت ترعرعت، كما غيري، في مكان لا يُحسد عليه المرء، كما يُقال. وها هي الذاكرة الخبيثة تعيدني الآن إلى ما مضى وانقضى من أيام سوالف.


لنبدأ الكلام بإيراد بعض المفردات والتعابير التي شاعت في الخطاب السياسي العربي منذ عشرات السنين، وفي الحقيقة لا زالت حتّى يومنا هذا تحتّل مساحات من الخطاب العربي. لننظر مليًّا فيما يلي من تعابير: ”الكيان“، ”الكيان المزعوم“، ”دولة الكيان“، ”الكيان المسخ“، ”دولة العصابات“، ”الكيان الصهيوني“، ”الكيان الصهيوني المسخ“، ”الدولة العبرية“ وما شابه ذلك من توصيفات أغدقتها المخيّلة العربية طوال عقود على دولة إسرائيل التي قامت بقرار أممي، كما غيرها من دول في هذه البقعة، بعد جلاء الانتدابين، البريطاني والفرنسي.

لا شكّ أنّ القارئ النبيه الذي تقدّمت به السنّ يتذكّر مثلي أنّنا قد ولدنا، شببنا وترعرعنا على مثل هذا الخطاب الذي أقلّ ما يقال عنه إنّه كان بليدًا ينهل من موروث بلاغي يميل على الأغلب إلى دغدغة العواطف أكثر منه إلى تحريك الخلايا الرمادية في الأدمغة. فلقد ملأ هذا الخطاب جميع الفضاءات التي اتّصل العرب من خلالها، بدءًا بالمكتوب في الصحافة والمنشورات، مرورًا بالمسموع في الإذاعات، عبورًا إلى المرئي في الشاشات، وأخيرًا وليس آخرًا بركوبنا في هذا الأوان قوافل ”الترحال“ وارتيادنا الفضاء الافتراضي الجديد.

ففي الوقت الذي كان فيه العرب يتمايلون طربًا وهم يستمعون إلى ما يدغدغ عواطفهم من مثيل ”أمجاد يا عرب أمجاد“، أو بلاغات أحمد سعيد النارية في ”صوت العرب“ التي تهدّد بإلقاء اليهود في البحر، كانت العساكر العروبية تتقهقر هزيمة تلو أخرى، بينما تصرّح زعامات هذه العساكر على الملأ بالانتصارات. لم تكن تلك الانتصارات سوى انتصارات الزّعامة التي أفلحت في بقائها المُخلّد على الكراسي لمواصلة استغباء العباد، مصادرة البلاد وتكريس الاستبداد.

وطوال كلّ هذه العقود الطويلة من تلك ”الانتصارات الوخيمة“ التي جلبت الوبال على البلدان وأهلها، لم يحصل أبدًا أن قام زعيم عربيّ بأيّ شكل من الأشكال بإجراء حساب نفس بسيط. لم يفكّر واحد من كلّ هؤلاء بأن يترك العباد لشأنهم. لم يفكّر بترك المنصب والذهاب مع انتصاراته للانعزال متقاعدًا معزّزًا مكرّمًا ويفسح المجال للآخرين، ليدلوا بدلوهم في تسيير أمور البشر والبلاد.

وها هي الأعوام والعقود تمرّ على هذه الأصقاع والبلدان وما بُدّلوا تبديلا. وإذا ما عدنا إلى تلك التعابير التي ذكرناها آنفًا فإنّنا نرى أنّها أكثر ملاءمة لوصف أحوال كلّ هذه الأصقاع بالذات دون غيرها. وما على القارئ النبيه إلاّ أن ينزع العصابة التي تغطي ناظريه وتستر حقول الرؤية. ما عليه إلاّ أن ينظر حواليه ويرى كلّ هذه الكيانات المزعومة. فها هو ”الربيع العربي“ قد كشف كلّ ذلك الزّيف الذي لفّ هذه الكيانات المسمّاة دولاً. فها هو الكيان اللّيبي، وبعد عقود من اغتصاب القذّافي للسلطة، قد عاد إلى طبيعته القبلية التي جُبل عليها، وذاكم هو اليمن ”السعيد“ يرتدّ إلى تعاسته المتجذّرة في نعراته القبلية والطائفية. أمّا عن لبنان فحدّث ولا حرج، فقد انبنى هذا البلد ومنذ البدء على مسطرة طائفية مقيتة لدرجة أنّه من كثرة ”الرؤساء“ فيه، كما يُطلق عليهم في خطاب اللبنانيين، لا يستطيع هذا الكيان ”المزعوم“ انتخاب رئيس واحد.

وإذا ما انتقلنا لإمعان النظر فيما يجري في العراق وسورية، فماذا نحن واجدون؟ لقد كشفت الأعوام الأخيرة على العالم أجمع كلّ ذلك الزّيف المتمثّل بهذه الكيانات التي يجمعها ببعضها البعض سوى الدكتاتوريات التي جذّرت القبلية والطائفية في ربوعها وحكمتها بالحديد والنار. لقد تستّرت كلّ تلك الدكتاتوريات خلف شعارات العروبة، وخلف شعارات الاشتراكية والثورية ومحاربة الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية. لقد كانت كلّ الشعارات كاذبة فقد شكّلت كلّ هذه الأنظمة المثال الأقبح على الرجعية العربية بعنصريتها المقتية تجاه الإثنيات الأخرى غير العربية في هذه البلدان. أمّا الشعارات الاشتراكية فلم تكن تعني شيئًا سوى مشاركة الطغمة الحاكمة في نهب موارد البلاد. لقد رفعت الأنظمة شعار فلسطين لإسكات البشر وكبتهم، ومنعهم من المطالبة بالحريات وبالحياة الكريمة في الأوطان. لقد شكلت فلسطين ضريبة كلامية لحرف الناس عن البحث عن سبل لحلّ قضاياهم الداخلية.

وفوق كلّ ذلك، فإنّ كلّ عربي صادق يعرف في قرارة نفسه أنّ دول الاستعمار تلك التي يلعنها  علانية وفي كلّ مناسبة كانت أرحم على العباد من كلّ دوله بأنظمتها التي تدّعي الوطنية والقومية وما إلى ذلك من توصيفات. بل وأكثر من ذلك، إنّ دول الاستعمار الملعونة هذه هي التي يتقاطر على سفاراتها أملاً بالحصول على جنسياتها بالذات.

أين هي إذن الكيانات المزعومة، أو دول العصابات؟ أليست هذه مفارقة عجيبة غريبة؟ صحيح أنّ هذه الحقيقة مرّة، لكنّها تبقى حقيقة واضحة لا ينتطح بها عربيّان.
*

نشر: ”الحياة“، 2 سبتمبر 2014

***




مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام