9 ديسمبر 2014

بين حانا ومانا، أو بين تركيا وإيران، ضاعت لحانا


لقد ذهبت كلّ الشعارات العربية التي شنّفت آذان المستمعين أدراج الرياح، وتفرّق العرب أيدي سبأ. لم ينتج عن كلّ مؤتمرات القمّة سوى المؤامرات التي أضحت سمة ملازمة للسياسات العربية...



سلمان مصالحة ||

بين حانا ومانا، أو بين تركيا وإيران، ضاعت لحانا


ماذا قال رجب طيب إردوغان في خطاب فوزه بانتخابات الرئاسة التركية؟
أمام الجماهير التركية المحتشدة عقب إعلان النتائج أطلق إردوغان، وأقتبس هنا من الذاكرة، الشعارات التالية: الناس اليوم سعداء ليس في إسطنبول فقط. الناس اليوم سعداء في كابل، وسعداء في دمشق وحمص وحماة. الناس سعداء في سكوپیة، وفي نابلس وغزّة والقدس. لقد عددّ، على ما أذكر، أسماء مدن أخرى وفي بقاع أخرى. فهل جاءت هذه التصريحات عفوًا؟ بالطبع لا.

في طرف آخر من المعادلة الشرق أوسطية، يلاحظ المتابع لخطاب الملالي في إيران شيوع شعارات شبيهة تنهل من ذات المناهل. ففي الكثير من الأحيان، وفي غمرة تصفيف الحشود في الميادين الإيرانية ضدّ ”الشيطان الأكبر“ وتابعه ”الشيطان الأصغر“، تُسمع على الملأ غير مرّة من أفواه القيادات الإيرانية نبرة التشديد والتأكيد، ليس على الإسلام مثلاً، بل على ”ملّة إيران“، أي على الأمّة الإيرانية بالذّات.

وعلى جانب آخر تقف إسرائيل التي تنوجد، منذ قيامها، في حالة نزاع مزمن مع الجوار العربي أوّلاً، ثمّ الفلسطيني لاحقًا. وها هي الحكومات الإسرائيلية التي كانت في الماضي تقيم علاقات وطيدة مع إيران، ومع تركيا لاحقًا، قد بدأت هي الأخرى تؤكّد في السنوات الأخيرة على مبدأ يهوديّة دولة إسرائيل.

فماذا يعني كلّ هذا الكلام الآنف الذكر؟
لا يسع العربيّ الذي يملك ذرّة من بصيرة إلاّ أن يشاهد هذه الحال التي آلت إليها أوضاع هذه المجموعات البشرية التي يُطلق عليها مصطلح عرب والتي تتوزّع على أقطار أضحت دولاً وممالك وإمارات لا تأتلف بقد ما تختلف. وعلى الرغم من الأعمال والفعاليات الحثيثة الصادة عمّا يُسمّى الجامعة العربية، وعلى الرغم من كلّ مؤتمرات القمّة التي انعقدت منذ جلاء الاستعمار، لم يشهد المواطن العربي في هذه الأصقاع سوى الفشل تلو الفشل وعلى جميع الأصعدة.

لقد ذهبت كلّ الشعارات العربية التي شنّفت آذان المستمعين أدراج الرياح، وتفرّق العرب أيدي سبأ. لم ينتج عن كلّ مؤتمرات القمّة سوى المؤامرات التي أضحت سمة ملازمة للسياسات العربية. وفي خضمّ الصراعات في هذه البقعة من العالم، لم يفلح العرب في بناء دولة عصرية بأيّ حال من الأحوال، والكلام يسري على كلّ دولة على حدة وعلى مجموع هذه الكيانات التي لبست لبوس الدول بالاسم فقط. ففي الواقع لم يكن ثمّة فرق بين دولة تتسمّى جمهورية وبين مملكة أو إمارة. وذلك لأنّ الرئيس الذي جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري لم يترك الكرسي إلاّ إلى القبر بعد أن طالته رصاصات الاغتيال، أو بعد التفاف حبل المشنقة حول عنقه، أو مسحولاً في الشوارع يتمّ التمثيل بجثّته كما شاهدنا في السنوات الأخيرة.

صحيح أنّ الإسلام قد وُلد في جزيرة العرب عربيًّا وبلسان عربيّ وفي البدء كان الشعار أن ”لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلاّ بالتقوى“. غير أنّ خروج الإسلام من شبه الجزيرة العربية لاستعمار بقاع شاسعة من الأرض لبثّ الدعوة الجديدة قد أدخل الإسلام العربيّ في ورطة. فمع مرور الزمن ودخول أقوام أعجمية كثيرة في الإسلام، إن كان ذلك عنوة أو اختيارًا، بدأت الدائرة تدور على السلطة العربية للدولة. وهكذا بدأت تظهر على السطح دعاوى نقيضة وإنشاء رسائل تتمحور حول مسألة ”فضل العرب على العجم“.

وإذا تفكّرنا قليلاً في حقائق العصور الوسيطة لا يسعنا سوى القول إنّ الغالبية العظمى من العلماء وفي كافّة المجالات في تلك العصور الإسلامية الذهبية لم يكونوا ينتمون قوميًّا للعرب، بل جاؤوا من الأقوام الأعجمية التي دخلت في الإسلام، أو من أقوام من أهل الذمّة.

إنّ الوضع الراهن للعرب لا يختلف كثيرًا عن هذا التوصيف. فالعالم العربي الذي يدين بالإسلام لم يفلح في ركوب قطار العصرنة. لقد وجد نفسه ملقيًّا على قارعة الطريق تتقاذفه الرياح الهابّة مرّة من الشرق ومرّة من الشمال والغرب. وهكذا نرى في العقود الأخيرة كيف أنّ هذه الأقوام العربية تتمايل مرّة نحو ملالي إيران ومرّة نحو إردوغان. ولكن، وكما أشرنا آنفًا فإنّ هؤلاء القوميّين الأتراك والأعاجم يستخدمون الإسلام مطيّة لركوبها في الساحات العربية التي ينخرها فشل قياداتها وشعوبها في بناء دول عصرية بعيدة عن النزعات القبلية والطائفية.

يمكننا القول إنّ العالم العربي هو الرجل المريض في هذا القرن، والانتفاضات التي نشبت في بلدان شتّى من هذا العالم لم تفرز طبقة ثورية حقيقية ذات رؤيا معاصرة لبناء الإنسان والمكان. ولذلك، فإنّ العالم العربي سيواصل التخبُّط في أحواله البائسة لعقود طويلة قادمة.

كلّ من يملك ذرّة من بصر أو بصيرة لا يرى بصيصًا من أمل. هذه هي الحقيقة المرّة مع الأسى والأسف.
*
نشر: ”الحياة“، 9 ديسمبر 2014




مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن