ابن خلدون || مسجد - هيكل - سليمان



 العلم نور - مختارات تراثية:




ثم خربه بخت نصر بعد ثمانمائة سنة من بنائه وأحرق التوراة والعصا وصاغ الهياكل ونثر الأحجار. ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.


ابن خلدون || مسجد - هيكل - سليمان


الفصل السادس
في المساجد والبيوت العظيمة في العالم

إعلم أن الله سبحانه وتعالى فضل من الأرض بقاعًا اختصها بتشريفه وجعلها مواطن لعبادته يضاعف فيها الثواب وينمو بها الأجور وأخبرنا بذلك على ألسن رسله وأنبيائه لطفًا بعباده وتسهيلًا لطرق السعادة لهم. وكانت المساجد الثلاثة هي أفضل بقاع الأرض حسبما ثبت في الصحيحين وهي مكة والمدينة وبيت المقدس.
….

وأما بيت المقدس وهو المسجد الأقصى فكان أول أمره أيام الصابئة موضع الزهرة وكانوا يقربون إليه الزيت فيما يقربونه يصبونه على الصخرة التي هناك، ثم دثر ذلك الهيكل. واتخذها بنو إسرائيل حين ملكوها قبلة لصلاتهم. وذلك أن موسى صلوات الله عليه لما خرج ببني إسرائيل من مصر لتمليكهم بيت المقدس كما وعد الله أباهم إسرائيل وأباه إسحق من قبله وأقاموا بأرض التيه، أمره الله باتخاذ قبة من خشب السنط عين بالوحي مقدارها وصفتها وهياكلها وتماثيلها، وأن يكون فيها التابوت ومائدة بصحافها ومنارة بقناديلها وأن يصنع مذبحًا للقربان وصف ذلك كأنه في التوراة أكمل وصف. فصنع القبة ووضع فيها تابوت العهد وهو التابوت الذي فيه الألواح المصنوعة عوضًا عن الألواح المنزلة بالكلمات العشر لما تكسرت ووضع المذبح عندها. وعهد الله إلى موسى بأن يكون هارون صاحب القربان ونصبوا تلك القبة بين خيامهم في التيه يصلون إليها ويتقربون في المذبح أمامها ويتعرضون للوحي عندها.

ولما ملكوا أرض الشام أنزلوها بكلكال من بلاد الأرض المقدسة ما بين قسم بني يامين وبني أفراييم. وبقيت هنالك أربع عشرة سنة سبعًا مدة الحرب، وسبعًا بعد الفتح أيام قسمة البلاد. ولما توفي يوشع عليه السلام نقلوها إلى بلد شيلو قريبًا من كلكال، وأداروا عليها الحيطان.

وأقامت على ذلك ثلثمائة سنة، حتى ملكها بنو فلسطين من أيديهم كما مر، وتغلبوا عليهم. ثم ردوا عليهم القبة ونقلوها بعد وفاة عالي الكوهن إلى نوف. ثم نقلت أيام طالوت إلى كنعون في بلاد بني يامين. ولما ملك داوود عليه السلام نقل القبة والتابوت إلى بيت المقدس وجعل عليها خباء خاصًا ووضعها على الصخرة. وبقيت تلك القبة قبلتهم ووضعوها على الصخرة ببيت المقدس. وأراد داود عليه السلام بناء مسجده على الصخرة مكانها فلم يتم له ذلك وعهد به إلى ابنه سليمان فبناه لأربع سنين من ملكه ولخمسمائة سنة من وفاة موسى عليه السلام. وأتخذ عمده من الصفر وجعل به صرح الزجاج وغشى أبوابه وحيطانه بالذهب وصاغ هياكله وتماثيله وأوعيته ومنارته ومفتاحه من الذهب وجعل في ظهره قبرًا ليضع فيه تابوت العهد، وهو التابوت الذي فيه الألواح، وجاء به من صهيون بلد أبيه داوود نقله إليه أيام عمارة المسجد، فجيء به تحمله الأسباط والكهنوتية حتى وضعه في القبر ووضعت القبة والأوعية والمذبح كل واحد حيث أعد له من المسجد. وأقام كذلك ما شاء الله.

ثم خربه بخت نصر بعد ثمانمائة سنة من بنائه وأحرق التوراة والعصا وصاغ الهياكل ونثر الأحجار. ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها. وأما الأواوين التي تحت المسجد، يركب بعضها بعضاً، عمود الأعلى منها على قوس الأسفل في طبقتين. ويتوهم كثير من الناس أنها إصطبلات سليمان عليه السلام، وليس كذلك. إنما بناها تنزيهًا للبيت المقدس عما يتوهم من النجاسة، لأن النجاسات في شريعتهم وإن كانت في باطن الأرض وكان ما بينها وبين ظاهر الأرض محشوًا بالتراب، بحيث يصل ما بينها وبين الظاهر خط مستقيم ينجس ذلك الظاهر بالتوهم. والمتوهم عندهم كالمحقق. فبنوا هذه الأواوين على هذه الصورة بعمود الأواوين السفلية تنتهي إلى أقواسها وينقطع خطه، فلا تتصل النجاسة بالأعلى على خط مستقيم. وتنزه البيت عن هذه النجاسة المتوهمة ليكون ذلك أبلغ في الطهارة والتقديس.

*
نقلاً عن: نداء الإيمان
*
أيضًا: فهرست - المكتبة المحوسبة

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics