الأربعاء، 21 أكتوبر، 2015

ستاتيكو أم سايكس بيكو؟


أحوال الأمة بين ستاتيكو وسايكس بيكو:


وبخلاف الحالتين المصرية والتونسية، نرى أنّ الكيانات الجمهورية الأخرى، الكبرى منها والصغرى، بدءًا بالعراق وسورية، مرورًا بليبيا واليمن وانتهاء بلبنان فإنّ ما يميّزها هو هذه التركيبة الطائفية والقبلية المتجذّرة فيها...




سلمان مصالحة ||

ستاتيكو أم سايكس بيكو؟


أولئك الذين يُصرّون على التشبّث بروايات المؤامرات الهادفة إلى تفتيت منطقتنا العربية إلى كيانات، أجاء هؤلاء من صفوف اليسار العربي الآفل أم جاؤوا من صفوف اليمين العربي الغافل، إنّما يعبّرون بإصرارهم هذا على حدود هذه الكيانات القطرية العربية، وعن تشبّثهم بحدود هذه ”المؤامرة“ الاستعمارية التي طالما شنّفوا آذاننا بها في الماضي. ليسأل كلّ هؤلاء أنفسهم: أليست هذه الكيانات التي تتفتّت أمام أعيننا في هذا الأوان هي من صنع المستر سايكس والمسييه بيكو؟ وإذا كانت هذه هي الحال، فلماذا هذا الإصرار على رفض ”مؤامرات“ التقسيم الجديدة، كما يشيعون، في خارطة هذه الكيانات الآن؟ أوليس إصرارهم هذا إصرارًا على التشبُّث بالتقسيمات الاستعمارية السابقة؟

حريّ بنا أن ننظر إلى هذه الحال بعيون بصيرة بعيدًا عن العواطف، وحريّ بنا أن نتصارح مع ذواتنا التي طالما حاولنا التستّر على ما لا يسرّنا فيها. من هنا، فإنّ مواصلة دسّ الرؤوس في الرمال لن تفيدنا بشيء ولن تخرجنا من المآزق التي وجدنا أنفسنا فيها. ولهذا، لزام علينا أن نعترف بأنّ كلّ هذه التقسيمات الاستعمارية السابقة للمنطقة، والتي مرّ عليها قرن من الزمان، لم تخلق طوال هذا القرن المنصرم دولاً ولا شعوبًا ولا مواطنة عابرة للطوائف والإثنيات، وإنّما ولّدت كيانات مزعومة أدمنت إطلاق الشعارات العروبية الكبرى بغية إخفاء حقيقتها الطائفية والاستبدادية.

وإذا نظرنا إلى حال العالم العربي في السنوات الأخيرة، يمكننا الجزم بأنّ هذا الوصف للحقيقة المرّة يسري على كلّ الكيانات ”الجمهورية“ العربية والتي شنّفت آذاننا بالشعارات ”الثورية“، وإنّنا إذ نطرح هذا التصوّر فإنّما نستثني منه الحالة المصرية ذات الخصوصية المختلفة. إذ إنّ مصر، ورغم التوتّر القبطي الإسلامي المُزمن فيها، تبقى ذات هويّة قوميّة مصريّة جامعة ومتجذّرة فيها، فلا نرى وجودًا للقبليّة العربية في هذا الكيان. كما نستثني أيضًا بصورة أخرى تلك الحالة التونسية التي خرجت حتّى الآن من هذه الدوّامة نظرًا لعدم وجود طوائف دينية وقبلية متناحرة من جهة، وفوق كلّ ذلك نظرًا لعمق التجربة البورقيبية وتجذّر الحالة العلمانية فيها.

وبخلاف الحالتين المصرية والتونسية، نرى أنّ الكيانات الجمهورية الأخرى، الكبرى منها والصغرى، بدءًا بالعراق وسورية، مرورًا بليبيا واليمن وانتهاء بلبنان فإنّ ما يميّزها هو هذه التركيبة الطائفية والقبلية المتجذّرة فيها. فكلّ هذه الكيانات المصطنعة لم تفلح في خلق شعب، بما يعنيه هذا المصطلح في علم الاجتماع، في أيّ منها. فقط الدكتاتورية الاستبدادية هي التي أبقت على هذه الكيانات الصُّوَرية، ليس إلاّ.

وهكذا، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على الانقلابات العسكرية التي رفعت شعارات عروبية مراهقة تدغدغ عواطف الأجيال العربية الناشئة، نرى أنّ هذه الطغم العسكرية قد أوصلت العرب في جميع هذه الكيانات إلى هذه الحال من التشرذم الذي أضحى من الصعب، إن لم يكن من المحال، لملمة شظاياه.

ليس من السهل مواجهة حقائقنا. إنّ الشعارات البلاغية المقفّاة، مثل ”الأمّة الواحدة ذات الرسالة الخالدة“، التي تنهل من موروث القريض العربي القديم قد دغدغت العواطف طوال عقود عديدة. لقد شكّلت كلّ هذه الشعارات كواتم عقول أطبقتها الأنظمة على رؤوس البشر بغية تجذير سيطرتها على كلّ مرافق البلاد. ولأجل تعزيز إحكام السيطرة على كلّ موارد البلاد وسائر العباد أضافت إلى كلّ هذه الشعارات الرنّانة شعارًا آخر طالما قدّم لها خدمات جليلة، وهو شعار ”فلسطين قضيّة العرب الأولى“.

لقد شكّلت فلسطين وقضيّتها سلاحًا في أيدي الدكتاتوريات العربية تُسلّطه على الرقاب بدعوى أن ”لا صوت يعلو فوق صوت المعركة“. وهكذا، وطوال عقود طويلة قامت كلّ هذه الطغم العسكرية الحاكمة بإحكام قبضتها على البشر والحجر والشجر، فلم تُبق شيئًا للمواطن العربي ولم تذر. لقد كان البعث العراقي، على الرغم من الشعارات العروبية الكبرى، قبليًّا وطائفيًّا بامتياز، وكذا هي الحال مع البعث الشامي الذي حوّل سورية إلى مزرعة قبلية وطائفية تُحكم بقوانين مافيوزية ليس إلاّ.

ما من شكّ في أنّ الاستبداد الطائفي الذي كان السمة المميّزة لهذه الأنظمة قد زرع بذور الفرقة في هذه المجتمعات. فإذا كانت كلّ الشعارات العروبية كاذبة، ولم تكن هنالك نوايا معقودة على خلق دولة المواطنين، بل كانت النيّة تتّجه نحو الاستحواذ القبلي والطائفي على البلاد، فإنّ الاستبداد هو الوسيلة للوصول إلى هذه الغاية. وفي الحقيقة فإنّ هذا ما جرى على أرض الواقع في هذه البقعة من الأرض. غير أنّ الاستبداد لا يمكن أن يكون مخلّدًا إلى ما لا نهاية.

وهكذا وصلنا إلى هذه الطريق المسدودة الآن، وما من بارقة أمل تلوح في الأفق. إنّ الحالة السورية لا تبشّر بأيّ خير في المستقبل المنظور. لقد انتهى هذا الكيان ولن يعود إلى ما كان عليه قبل انتفاضة الشعب السوري ضدّ الاستبداد البعثي القبلي والطائفي. كلّ من يعتقد أنّه يمكن لملمة شظايا هذا الكيان فهو يعيش في الأوهام. إذ كيف يمكن، بعد مئات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى وملايين اللاجئين والمهاجرين، أن يعود إلى ما كان عليه.

إنّ الجرائم التي ارتكبت بحقّ البشر والشجر والحجر طوال الأعوام الأخيرة من قبل النّظام المافيوزي، ثمّ من قبل الدواعش ومن هم على شاكلتهم، قد جذّرت هذا الانقسام الطائفي والقبلي وزرعت بذور الرغبة في الانتقام والثأر إلى عقود طويلة قادمة.

لذلك، لقد ذهب الكيان السوري إلى غير رجعة مثلما ذهب الكيان العراقي من قبل. فاللاجئون لن يعودوا إلى ديارهم لأنّه لم تبق هنالك ديار يعودون إليها، والمهاجرون لن يعودوا إلى بلد لم يعد موجودًا كما عرفوه.

وإذا كان لا بدّ من وضع حدود جديدة لكيانات جديدة في هذه البقاع، فإنّ أكثر الشعوب محقّة في طلبها ببناء كيان مستقلّ لها في هذه المنطقة هم الأكراد. لقد آن الأوان أن يدعم العالم بأسره قيام دولة كردية مستقلة في بلاد كردستان التي كان الفرس والأتراك والعرب قد التهموها على مرّ التاريخ.

وخلاصة القول، كلّ عربيّ، وفلسطيني بالذات، ينشد الحرية لفلسطين وللفلسطينيين لا يمكن أن تكون دعواه هذه صادقة وذات شحنة أخلاقية إلاّ إذا ترافقت بدعوى الحرية والاستقلال لكردستان والأكراد في بلادهم. أليس كذلك؟
*
نشر: ”الحياة“، 21 أكتوبر 2015



مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    شؤون فلسطينية

    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام