الاثنين، 28 مارس 2016

غسان شربل || لقد فشلنا

مختارات صحفية


وأخيرًا…
صحّ النوم ! هذا ما كنت أشرت إليه منذ عقود طويلة...

غسان شربل || 

لقد فشلنا


هل نحن مجرد جزء من هذا العالم أم نحن عبوة ناسفة مزروعة في أحشائه؟ هل نحن حي طبيعي من «القرية الكونية» أم أننا حي الانتحاريين فيها؟ وهل الغرض من هذه المذابح الجوالة إلحاق الجاليات العربية والإسلامية في الغرب بقاموس النحر والانتحار؟ هل نحن جزء من حاضر العالم ومستقبله أم أننا عاصفة ظلام تحاول إعادته إلى الكهوف التي غادرها حين 

اختار طريق التقدم وكرامة الإنسان؟
هل نريد الدفاع عن لوننا وهويتنا أم نريد فرض هذا اللون على الآخرين؟ وهل الخيار الذي نعرضه على الآخر هو أن يشبهنا أو ننفجر به لتختلط أشلاؤه بأشلائنا؟ وهل صحيح أننا لا نشعر بالطمأنينة إلا إذا رأينا شوارع العالم الآخر متعثرة بالجثث والزجاج المطحون؟ ومن الذي أجاز لمتعصبين قتل تركي في شوارع إسطنبول وفرنسي في شوارع باريس وسائح في شوارع بروكسيل؟
هل يحق لمن وفد إلى دولة واستقبلته وعثر فيها على سقف وعنوان ومساعدة اجتماعية ورعاية طبية، أن ينفجر في شوارعها لأنها لم تعتنق لونه وقراءته وأسلوب تفكيره ومعيشته؟ وهل يخفف من الإثم الحديث عن البطالة وتعثر الاندماج؟ وهل يحق لمَوْتور قتل الآخر لأنه لا يشرب معه من النبع نفسه؟
وهل يحق لنا أن نواصل الحفر في مناجم التاريخ لنتكئ على ظلم لحق بنا في حقبة سابقة فنبرر به مجزرة بحق أبرياء في دولة فررنا إليها هربا من مستبد أو حرب أهلية؟ ومن أعطانا الحق في أن نملي على آخرين شكل أنظمتهم وقيمهم وأسلوب حياتهم؟
لقد فشلنا.
هذه هي الحقيقة التي لم يعد ممكناً إخفاؤها أو التستر عليها. فشلنا في بناء دولة طبيعية. دولة تعيش ضمن حدودها. دولة مؤسسات تنهمك بتحقيق التقدم والتنمية وتوفير فرص العمل وفرص المشاركة لأبنائها. دولة تتعاون مع جيرانها ومع العالم من دون أن يكتسحها الرعب أو يأسرها الحقد. وفشلنا أيضا في بناء مواطن طبيعي ينتمي إلى اللحظة الحاضرة من عمر العالم وتطوره المتسارع الوتائر.
لقد فشلنا.
أخذتنا الغفلة لعقود وقرون. خفنا وانغلقنا. عاقبنا المعترض، وشطبنا المشكك، واعتبرنا حامل السؤال خائناً. اعتقلنا الحناجر والأصابع والأحلام. وهكذا تعفنت مؤسساتنا، هذا إذا وجدت. تعفنت مدارسنا وجامعاتنا ومناهجنا. تخرج الأطفال من مدارسنا بمخيلات مريضة ومشاعر مسنونة. عمقت جامعاتنا الكئيبة إقامتنا في قبور أجدادنا. تحول الطالب رقماً وتحول صدى وتحول لغماً. وقفنا على رصيف العالم وكان يتقدم. ازداد تقدماً فازددنا حسرة وغضباً. ولازمنا شعور بأن العالم يُصنع من دوننا وفي غيابنا. ويصنع ضدنا. وهكذا أعددنا أجسادنا والعبوات وانفجرنا.
لقد فشلنا.
استولى علي هذا الشعور حين استمعت إلى سوريين في برلين يروون كيف تزاحموا على قوارب الموت طمعاً بإلقاء أنفسهم وأولادهم في حضن دولة أوروبية. وحين استمعت إلى عراقيين تنكروا في جوازات سوريين. وحين قرأت الفجيعة في عيون إيزيديين هاربين من جحيم دولة البغدادي. هذا مخيف. كم قرأنا عن أوطاننا وجذورها الضاربة في أعماق التاريخ. لا نحلم الآن بغير الفرار منها وتركها تتلوى على الأناشيد المذهبية وفتوحات الميليشيات. وكم توهمنا أننا شعب واحد. ثم ذبحنا على يد أبناء شعبنا الواحد. ولم يبق لنا إلا قوارب الموت لنبتعد من بلادنا الغارقة في أعراس الخرائط الصغيرة.
لقد فشلنا.
ها هو العالم يبحث عن أفضل السبل للتهرب من أنهار اللاجئين التي نطلقها، وأمواج الانتحاريين الوافدين من أرضنا أو ثقافتنا. يعاملنا العالم اليوم بوصفنا منابع الخطر على أمنه، وتقدمه، وديموقراطيته، واستقراره. لا حل أمامنا غير الاعتراف بهذا الفشل الشامل والمدوي. بهذا الانهيار المريع. علينا أن نبدأ من الصفر كمدينة هدمها زلزال ماحق. استمرار التلطي خلف الأكاذيب والأوهام يجعل إقامتنا في الكهوف مديدة. لا نستطيع السفر إلى المستقبل بأفكارنا القديمة وثيابنا البالية. لا نستطيع الصعود إلى القطار من دون أن ندفع ثمن البطاقة من جمودنا وأوهامنا وتكلس أفكارنا.
---
الحياة، 28 مارس 2016



مشاركات




تعليقات في الموقع: يمكن إضافة تعليق هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بالموضوع.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

سلمان مصالحة

نصوص
  • شفا القلق

    خُذْ مِنْ بَقَايا الرُّوحِ مُرْتَمَقًا،
    وَانْثُرْ بَقايَاكَ عَلَى الوَرَقِ

    لَمْ يَبْقَ مِنْ شَـيْءٍ تُسَـائِلُـهُ
    إلاّ سَبَايَا الهَمِّ فَانْطَـلِـقِ

    وَارْسِمْ حُرُوفًا لَيْسَ يُدْرِكُـها
    قَوْمٌ تَوَارَوْا عَنْ خُطَى الأَرَقِ



محتويات الموقع

 
مختارات
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره.


  • كشف أسرار الرهبان

    "اعلم أنّ بعض هذه الطائفة أعظم الأمم كذبًا ونفاقًا ودهاء، وذلك أنّهم يلعبون بعقول النصارى ويستبيحون النساء وينزلون عليهم الباروك، ولا يعلم أحد أحوالهم...
  • مواطنة شرف

    عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا،  أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...
    تتمة الكلام
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة...
    تتمة الكلام...

قراءات
  • يهوه التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح ...


  • سبحان الذي أسرى

    نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...
    تتمة الكلام...