18 مارس 2016

سورية في ذمة الله

 

كلّ من يعتقد أنّه يمكن للعجلات السورية أن تدور للوراء وكأنّ شيئًا لم يكن في كلّ هذه الأعوام فهو مُخطئ في تقديراته...

 


سلمان مصالحة ||

 سورية في ذمة الله



ربّما آن الأوان، بعد مرور خمسة أعوام على هذه الحرب التي تدور رحاها فيما يسمّى بلغة السياسة وحتى هذه اللحظة الدولة السورية، للنظر في المرآة بعيون مجرّدة من لغة البلاغة العربية. خمسة أعوام محمّلة بالقتل والتدمير والتهجير في كلّ بقعة من بقاع هذا الـ”قطر“، كما نهجت لغة البعث تسميته.

كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

الاستبداد وحده لا يكفي لتفسير ما جرى ويجري على الساحة العربية. الاستبداد يشكّل فقط واجهة واحدة من واجهات الحضارة العربية منذ القدم. وإن لم نبحث عن جذور هذا الاستبداد فلن نصل إلى سواء السبيل. فعندما يهدم البلاد على رؤوس العباد، فإنّه بهذه الجرائم يكشف عن حقيقته وعن جوهره المتخفّي خلف أقنعة قاتمة. إنّه يشطب ليس بجرّة قلم، بل ببرميل متفجّر، عقودًا من الدجل الذي أدمن عليه شعارًا مُقفّى عن ”الأمّة الواحدة والرسالة الخالدة“.

وعندما يدفع ”حزب الله“ بجنوده إلى ساحات الاقتتال في سورية، أو يتحدّث عن تقديم العون في أماكن بعيدة في جنوب الجزيرة العربية كاليمن مثلاً، فإنّ ذلك يعني، بين ما يعنيه، إلغاءً لكلّ الحدود المصطنعة لهذه الدول المصطنعة، كما يعني أيضًا أنّ هذه الدول ليست بذات بال من منظوره وأنّ الولاءات الأهمّ متشكّلة ونابعة من ينابيع لا علاقة لها لا بالنّسب إلى الـ”عرب“ ولا بالنّسب للـ”عروبة“، بل هي مرتبطة بالـ”عصب“ الدّيني الطائفي، ليس إلاّ.

ومن الجهة الأخرى عندما تتهاوى حدود هذه الدول المصطنعة ويتقاطر الدواعش وأشباههم من كلّ حدب وصوب محمّلين بأيديولوجيّات برّيّة مُغرقة في صحراويّتها للفتك بمن يعتبرونهم ”كفّارًا“ وارتكاب تطهيرات عرقية فمعنى ذلك أيضًا أنّ الاستبداد ليس هو المشكلة، بل ثمّة ما هو أبعد من ذلك بكثير. من هنا، فلا يمكننا أن نفاضل بين استبداد وآخر. فالاستبداد هو الشرّ بعينه، أجاء من جهة اليمين أو جاء من جهة اليسار. الاستبداد هو الشرّ بعينه أصدر عن نظام أم صدر عن معارضة.

وهكذا وصلت الحال السورية، مثلما هي العراقية وغيرها، إلى ما هي عليه الآن. جردة الحساب الحالية تفيد بأنّ هنالك نصف مليون من القتلى، وربمّا مليون أو أكثر من الجرحى، وأكثر من عشرة ملايين لاجئ ومهجّر من مسقط رأسه، ناهيك عن الخراب الذي أصاب المدن على طول البلد وعرضه. فهل يمكن أن تعود الحال إلى ما كانت عليه؟

التاريخ، قديمه وحديثه، أكان التاريخ عربيًّا أو كان أعجميًّا، يعلّمنا أنّ الحروب الطاحنة ترسم حدودًا جديدة، كما تتشكّل جرّاءها كيانات جديدة تنبني على هويّات هي في نهاية المطاف عصبيّات إثنيّة وطائفيّة قابعة في الطبع البشري وهي أكثر تجذّرًا فيه من التطبّع بشعار سياسي لا يمتّ للحقيقة بشيء. الوضع في الحال العربية هو أشدّ عواصة لأنّ محاولات الـ”تطبُّع“ هذه كانت مجرّد شعار ”وطنيّ“ ظاهريًّا، إلاّ إنّه كان يُخفي حقيقة مرّة هي الاستحواذ القبلي والطائفي على مقدرات البلاد والعباد.

التاريخ يعلّمنا أيضًا أنّ ملايين البشر الذين يتمّ تهجيرهم عنوة خلال الحروب، الـ”أهلية“وغير الأهلية، لا يعودون إلى الأماكن التي هجّروا منها. هذا ما حصل مع ملايين المهجّرين خلال الحربين العالميّتين، وهذا ما حصل مع ملايين المهجّرين خلال الحروب الأهلية في البلقان ويوغوسلافيا. وهذا أيضًا ما هو حاصل حتّى اللحظة مع هذا الشرق المأزوم بمنارته المهزوم بحضارته.

ولأنّ الجراح في هذا المعمار البلدي، الجسدي والعاطفي قد بلغت هذا القدر من الهول فهي لا يمكن إن تندمل بسرعة، بل ستحتاج إلى عقود طويلة، وقد تطول هذه العقود لتبلغ قرونًا من الزمان. فما كان كان، قد ولّى وانقضى ولن يعود إلى سابق عهده. ولهذا فيمكننا القول إنّ هذه الـ”سورية“ التي عرفناها قد انقرضت وأضحت رميمًا. ولا يسعنا سوى أن ندعو لأهلها، على اختلاف مللهم ونحلهم، والمشتّتين في جهات الأرض الصبر والسلوان.

كلّ من يعتقد أنّه يمكن للعجلات السورية أن تدور للوراء وكأنّ شيئًا لم يكن في كلّ هذه الأعوام فهو مُخطئ في تقديراته، والأنكى من ذلك وأخطر هو أنّه يبيع الناس الهائمين على وجوههم بعيدا عن الأوطان أوهامًا بلاغية فقدت صلاحيتها، مُبقيًا ايّاهم في مخيّمات اللجوء على مرّ الأزمان.

كلّ من يبحث عن حلّ عليه أن يبدأ الانطلاق من هذه النقطة، عليه أن يتخلّى عن أوهام الماضي الذي لن يعود، فهذه هي عجلة التاريخ وهكذا سارت عجلاته ودارت على مرّ التاريخ. ومن يعش ير.

*

الحياة، 19 مارس 2016

شفاف الشرق الأوسط


مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

ترجمات

  • سفر الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...

    تتمة الكلام

  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة



انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز




أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك ....

    تتمة الكلام

  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام