سورية في ذمة الله

 

كلّ من يعتقد أنّه يمكن للعجلات السورية أن تدور للوراء وكأنّ شيئًا لم يكن في كلّ هذه الأعوام فهو مُخطئ في تقديراته...

 


سلمان مصالحة ||

 سورية في ذمة الله



ربّما آن الأوان، بعد مرور خمسة أعوام على هذه الحرب التي تدور رحاها فيما يسمّى بلغة السياسة وحتى هذه اللحظة الدولة السورية، للنظر في المرآة بعيون مجرّدة من لغة البلاغة العربية. خمسة أعوام محمّلة بالقتل والتدمير والتهجير في كلّ بقعة من بقاع هذا الـ”قطر“، كما نهجت لغة البعث تسميته.

كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

الاستبداد وحده لا يكفي لتفسير ما جرى ويجري على الساحة العربية. الاستبداد يشكّل فقط واجهة واحدة من واجهات الحضارة العربية منذ القدم. وإن لم نبحث عن جذور هذا الاستبداد فلن نصل إلى سواء السبيل. فعندما يهدم البلاد على رؤوس العباد، فإنّه بهذه الجرائم يكشف عن حقيقته وعن جوهره المتخفّي خلف أقنعة قاتمة. إنّه يشطب ليس بجرّة قلم، بل ببرميل متفجّر، عقودًا من الدجل الذي أدمن عليه شعارًا مُقفّى عن ”الأمّة الواحدة والرسالة الخالدة“.

وعندما يدفع ”حزب الله“ بجنوده إلى ساحات الاقتتال في سورية، أو يتحدّث عن تقديم العون في أماكن بعيدة في جنوب الجزيرة العربية كاليمن مثلاً، فإنّ ذلك يعني، بين ما يعنيه، إلغاءً لكلّ الحدود المصطنعة لهذه الدول المصطنعة، كما يعني أيضًا أنّ هذه الدول ليست بذات بال من منظوره وأنّ الولاءات الأهمّ متشكّلة ونابعة من ينابيع لا علاقة لها لا بالنّسب إلى الـ”عرب“ ولا بالنّسب للـ”عروبة“، بل هي مرتبطة بالـ”عصب“ الدّيني الطائفي، ليس إلاّ.

ومن الجهة الأخرى عندما تتهاوى حدود هذه الدول المصطنعة ويتقاطر الدواعش وأشباههم من كلّ حدب وصوب محمّلين بأيديولوجيّات برّيّة مُغرقة في صحراويّتها للفتك بمن يعتبرونهم ”كفّارًا“ وارتكاب تطهيرات عرقية فمعنى ذلك أيضًا أنّ الاستبداد ليس هو المشكلة، بل ثمّة ما هو أبعد من ذلك بكثير. من هنا، فلا يمكننا أن نفاضل بين استبداد وآخر. فالاستبداد هو الشرّ بعينه، أجاء من جهة اليمين أو جاء من جهة اليسار. الاستبداد هو الشرّ بعينه أصدر عن نظام أم صدر عن معارضة.

وهكذا وصلت الحال السورية، مثلما هي العراقية وغيرها، إلى ما هي عليه الآن. جردة الحساب الحالية تفيد بأنّ هنالك نصف مليون من القتلى، وربمّا مليون أو أكثر من الجرحى، وأكثر من عشرة ملايين لاجئ ومهجّر من مسقط رأسه، ناهيك عن الخراب الذي أصاب المدن على طول البلد وعرضه. فهل يمكن أن تعود الحال إلى ما كانت عليه؟

التاريخ، قديمه وحديثه، أكان التاريخ عربيًّا أو كان أعجميًّا، يعلّمنا أنّ الحروب الطاحنة ترسم حدودًا جديدة، كما تتشكّل جرّاءها كيانات جديدة تنبني على هويّات هي في نهاية المطاف عصبيّات إثنيّة وطائفيّة قابعة في الطبع البشري وهي أكثر تجذّرًا فيه من التطبّع بشعار سياسي لا يمتّ للحقيقة بشيء. الوضع في الحال العربية هو أشدّ عواصة لأنّ محاولات الـ”تطبُّع“ هذه كانت مجرّد شعار ”وطنيّ“ ظاهريًّا، إلاّ إنّه كان يُخفي حقيقة مرّة هي الاستحواذ القبلي والطائفي على مقدرات البلاد والعباد.

التاريخ يعلّمنا أيضًا أنّ ملايين البشر الذين يتمّ تهجيرهم عنوة خلال الحروب، الـ”أهلية“وغير الأهلية، لا يعودون إلى الأماكن التي هجّروا منها. هذا ما حصل مع ملايين المهجّرين خلال الحربين العالميّتين، وهذا ما حصل مع ملايين المهجّرين خلال الحروب الأهلية في البلقان ويوغوسلافيا. وهذا أيضًا ما هو حاصل حتّى اللحظة مع هذا الشرق المأزوم بمنارته المهزوم بحضارته.

ولأنّ الجراح في هذا المعمار البلدي، الجسدي والعاطفي قد بلغت هذا القدر من الهول فهي لا يمكن إن تندمل بسرعة، بل ستحتاج إلى عقود طويلة، وقد تطول هذه العقود لتبلغ قرونًا من الزمان. فما كان كان، قد ولّى وانقضى ولن يعود إلى سابق عهده. ولهذا فيمكننا القول إنّ هذه الـ”سورية“ التي عرفناها قد انقرضت وأضحت رميمًا. ولا يسعنا سوى أن ندعو لأهلها، على اختلاف مللهم ونحلهم، والمشتّتين في جهات الأرض الصبر والسلوان.

كلّ من يعتقد أنّه يمكن للعجلات السورية أن تدور للوراء وكأنّ شيئًا لم يكن في كلّ هذه الأعوام فهو مُخطئ في تقديراته، والأنكى من ذلك وأخطر هو أنّه يبيع الناس الهائمين على وجوههم بعيدا عن الأوطان أوهامًا بلاغية فقدت صلاحيتها، مُبقيًا ايّاهم في مخيّمات اللجوء على مرّ الأزمان.

كلّ من يبحث عن حلّ عليه أن يبدأ الانطلاق من هذه النقطة، عليه أن يتخلّى عن أوهام الماضي الذي لن يعود، فهذه هي عجلة التاريخ وهكذا سارت عجلاته ودارت على مرّ التاريخ. ومن يعش ير.

*

الحياة، 19 مارس 2016

شفاف الشرق الأوسط

مشاركات:

تعقيبات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • المرأة هي الحل

    لا مناص لنا سوى رؤية عرب اليوم كعربان الأمس حتّى وإن ركبوا الطّائرات وقادوا السيّارات وتشاتتوا في الإنترنت. حتّى أولئك الّذين ولدوا وترعرعوا في دول الغرب لم تتغيّر مفاهيمهم...
  • عنصرية عربية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قضايا محلية
  • شعب واحد أم تشعّبات

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
قضايا ثقافية
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...

انقر لإرسال إيميل
موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


نصوص شعرية
  • كلام الواحد الثاني

    الحُلْمُ فِي قَفَصٍ
    يَزْقُوهُ صَاحِبُهُ،
    بِفِكْرَةٍ وَقَعَتْ مِنْ
    غَيْمِ نِسْيَانِ.



  • أي، نعم

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.

    فَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ
    أَقِدُ الحَسْرَةَ فِي قَلْبٍ، وَفَمْ


  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.



أرشيف الجهة

 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

  • الإسراء إلى هيكل سليمان

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
نصوص نثرية
  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً...
  • كل الطيور تؤدي إلى روما

    كنت لا أزال طفلاً يافعًا، ولم تكن تنقصني سذاجة من سذاجات تلك الأيّام الغابرة. آنذاك لم يخطر أبدًا على بالي العربيّة الغضّة طرفُ خيط أمسك به، أو فكرة تحملني على معرفة النّوايا الخفيّة لأسراب الطّيور الّتي كانت تحطّ في حقول الزّيتون لقرية المغار الجليليّة المطلّة على بحيرة طبريّة...
  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
ترجمات
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
لغات أخرى