6 أغسطس 2017

فارق الهوية الجنبلاطية


تعقيب جديد على مقالتي التي نشرت في ”الحياة“.

وهذه المرّة أكثر جهلًا وسخفًا
 

ومرّة أخرى، وعملًا بحريّة الرأي، مهما كان هذا الرأي سخيفًا ولا يتطرّق للموضوع المطروح، فها أنذا أنشره هنا ليكون متاحًا للقارئ النبيه ابتغاء أن يخلص منه بموقف رشيد ورأي سديد. والعقل وليّ التوفيق! (س. م.)

 

قصي الحسين ||

فارق الهوية الجنبلاطية


كنت أشعر حقًا، وأنا اقرأ ما كتبه سلمان مصالحة في جريدة “الحياة”، السبت 22/7/2017 (ص 8)، تحت عنوان: “في مسائل إسرائيل والأقلية، ومواقف جنبلاط”، أنه لو كان بإمكانه أن يأمر فصيلًا بسيطًا من شرطة الاحتلال الإسرائيلي، لتوجه به إلى دارة هؤلاء الفتيان المنتفضين في الأقصى الشريف، وأكمل قتلهم بقتل أهلهم وهدم بيوتهم على رؤوسهم. فما استحت قوات الاحتلال عن فعله بأهل الفتيان الشهداء، لكان مصالحة يرغب أن يكون ملكًا أكثر من الملك، و”فعلها”.

1- بنـزعة من “فوبيا الانتماء الإسرائيلي” يوغل سلمان مصالحة تحريضًا على وليد جنبلاط والإرث التاريخي الجنبلاطي، بأنه يشتغل على زعامة طائفية، وعلى أقلية طائفية، وعلى توريث زعامة طائفية. وأن جنبلاط أو البيت الجنبلاطي “غريق هذه الأوبئة الاجتماعية” في المشرق العربيّ، والذي يبكي عليه مصالحة ويندب نزفه، تمامًا كما يبكي عليه الإسرائيليون المغتصبون، وربما أكثر منهم بكثير.

2- وبنـزعة من “فوبيا الانتماء الإسرائيلي” نفسها، يتفوق المصالحة على نفسه حين يقدم تصوره “للأقلية الباقية في وطنها الذي صار جزءًا من الكيان السياسي الإسرائيلي”، كما يقول المصالحة نفسه بنفسه، وأن نضالها لا مكان فيه للدواعش ولا لأشباه الدواعش عندها. مع دعوته للتخلي عن نبرة “جنبلاط الطائفية”، لأنها تمثل “الشرر الطائفي”، الذي يشعل الحرائق التي “لا تبقي ولا تذر” وأن الوصاية الجنبلاطية على الطائفة هي الخطر بعينه. وأنه على الزعامة الجنبلاطية، وسائر الزعامات الطائفية والدينية في المشرق، أن تشفى من عيوبها الطائفية، لا أن تنقلها إلى “ربوعنا” كما يقول، داخل الكيان الصهيوني المغتصب، والذي هو بنظره ليس إلاّ “دولة إسرائيل”.

3- يتحفنا المصالحة أخيرًا وبنازع من “فوبيا الانتماء الإسرائيلي” أنه أدرى من وليد جنبلاط بإدارة الوضع الفلسطيني داخل إسرائيل، وأنه يكفيه فخرًا أنه يصارع العيوب الطائفية المصدرة إلى البيئة العربيّة تحت شعار قديم جديد، فيقول: “نحن هنا أدرى بشعابنا منكم. ونحن هنا أدرى منكم بشعوبنا (فلسطينيي 48) وشعوبكم” لأنه يعتقد أنه بخطابه هذا يجب أن يكون قيمًا على العرب والفلسطينيين جميعاً، بمسعفة من الكيان الإسرائيلي المحتل نفسه دون أدنى حياء.
ولم يتأخر مفوض الإعلام في الحزب التقدي الاشتراكي الأستاذ رامي الريس في الرد على ترهات الكاتب سلمان مصالحة (جريدة الحياة 25/7/2017، ص 8):

1- ذكره بموقف جنبلاط وسلسلة من الخطوات والمواقف لدعم عرب 48. وعقد مجموعة من اللقاءات في الأردن مع ممثلين عنهم، انطلاقًا من حرصه على تعزيز التواصل وتثبيت الهوية العربيّة للدروز في فلسطين”. ويقول الريس متابعاً: “يبدو أن هذا ما يزعج السيد مصالحة الذي يود تغطية انخراطه في الحياة الإسرائيلية بعنوان: “النضال السياسي من الداخل”.

2- يسأل: هل تعرض جنبلاط لوحدة الأقلية الدرزية في فلسطين؟ وهل في تحذيره من تصديق وعود العدو الصهيوني ما يؤذي الأقلية الدرزية؟ وهل دعوته الدروز لرفض الخدمة العسكرية الإسرائيلية، وعدم رفع بندقية في وجه الشقيق الفلسطيني في الداخل أو الخارج، ما يهز هذه “الأقلية”؟ أم هل تحذير جنبلاط لدروز فلسطين من فخ الفتنة التي تريدها إسرائيل، ما يزعزع هذه الأقلية؟

3- قال الأستاذ رامي الريس لمصالحة بوضوح: مفهومكم للنضال لا يلتقي مع مفهومنا، ومفهومكم الاحتلال أيضًا لا يلتقي مع مفهومنا.

4- قال الريس أيضًا إن جنبلاط لا يبحث عن زعامة عابرة للحدود، فهو يملكها حتى لو لم يجاهر بها. وأن التحسس منه، لأنه يملك مثل هذه الحيثية في الطائفة الدرزية داخل الأرض المحتلة وخارجها، ولولا ذلك لما حملت عليه.

لعل “فارق الهوية” هو الذي جعل الكاتب سلمان مصالحة يحمل على زعامة وليد جنبلاط، رئيس اللقاء الديمقراطي ورئيس الحزب الاشتراكي ورئيس جبهة النضال في البرلمان اللبناني.

1- فعلى كتفي وليد جنبلاط العباءة الجنبلاطية التي خلعها في احتفال المختارة بذكرى مرور أربعين عامًا على استشهاد كمال جنبلاط، على كتفي نجله الأستاذ تيمور بك جنبلاط، زائد الكوفية الفلسطينية الرمز، كإرث للنضال المشترك.

2-* ذكر وليد جنبلاط الملأ في المختارة وفي العالم أن كمال جنبلاط شهيد الثورة الفلسطينية وشهيد الحركة الوطنية اللبنانية، وشهيد حركات التحرر العمالي في العالم من خلال رفعه علم الحزب وعليه القلم والمعول ومجسم الكرة الأرضية والشعلة. وهو أيضًا بذلك شهيد الأممية الاشتراكية العالمية.

3- في احتفالية المختارة بذكرى مرور أربعين عامًا على استشهاد كمال جنبلاط، أنشد وليد جنبلاط ومعه نجله التيمور جنبلاط في قصر المختارة، عرين الشوف وبني معروف، نشيد فلسطين: “موطني” وحده. في الساحة الكبرى التي تمتد من كنيسة المختارة التي كان دعا البطريرك الراعي لتدشينها قبل أشهر، حتى باحة جامع الأمير شكيب ارسلان، والذي دعا أيضًا سماحة مفتي الجمهورية دريان لتدشينه قبل شهر أو أقل. وهذه رسالة جنبلاطية بامتياز، ندعو الجميع لقراءتها والتمعن في سطورها.

4- بعد تموضع وليد جنبلاط خارج 14 آذار، دعا بالفم الملآن للتموضع في فلسطين داخل أراضي 48 وخارجها. وجعل محور حراكه السياسي، الصراع العربيّ الإسرائيلي.

5- جعل وليد جنبلاط من المختارة، حاضنة الهوية الفلسطينية وحاضنة الهوية العربيّة، وحاضنة الحريات العربيّة والإسلامية والأممية. ولا غرو، فالمختارة أمينة عامة للثورات، وساحة عامة لنضالات. ولا أعرف لا في القديم ولا في الحديث أية ثورة، طار طائرها، إلاّ وحطّ على القلعة الجنبلاطية في المختارة. فما بالك بثورات الاستقلال العربيّة في سورية ولبنان ومصر والجزائر وفلسطين. فعلم المختارة الذي يرفعه اليوم النائب وليد جنبلاط ونجله تيمور جنبلاط “نسيج وحده”، تأتلف ألوانه مع ألوان العلم القومي العربيّ والعلم الوطني اللبناني، والعلم الفلسطيني والعلم الاشتراكي الأممي.

6- إنه إذن، “فارق الهوية” حيث المختارة وسيدها إرثًا وصيرورة ونضالًا في تلاحم مع الوطنية اللبنانية والقومية العربيّة في صراعها مع الاحتلال الإسرائيلي أو غيره، بلا مهادنة ودون هوادة.

7- لهذا وربما أكثر، ينافح الإرث الجنبلاطي ويدافع وليد جنبلاط عن الاندراج تحت سقف الاحتلال الإسرائيلي، وأي احتلال آخر. والتاريخ شاهد على ذلك، منذ الشهيد علي جنبلاط والشهيد فؤاد جنبلاط والشهيد كمال جنبلاط.

* وليد جنبلاط اليوم بإرثه وخطه يعيش إذًا فارق الهوية الجنبلاطية لا أكثر ولا أقل.

* د. قصي الحسين - أستاذ في الجامعة اللبنانية

الأنباء، 5 أغسطس 2017


مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام