المجلس المركزي الفلسطيني تمخّض فولد فأرًا

ها هو المجلس المركزي قد أدان وسجّل إدانته، بينما لسان حال الفلسطيني القابع تحت الاحتلال يتلعثم في فكّ المعاني الخفيّة الكامنة في هذه الإدانات...

 

سلمان مصالحة ||

المجلس المركزي الفلسطيني تمخّض فولد فأرًا


رغم الجلسات والمداولات و«طقّ الحنك» السياسي في اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الذي انعقد مؤخّرًا في رام الله، لم يطفُ على سطح الإعلام من هذا المنتدى غير تلك المقولة العاميّة التي نبس بها محمود عبّاس موجّهًا الدّعاء إلى الرئيس الأميركي: «يخرب بيتك»، وسط قهقهة المندوبين في القاعة، وقهقهة هازئة في الشارع الفلسطيني من خطاب يستغرق أكثر من ساعتين تذهبان سدى.

فلو عدنا إلى مجمل القرارات التي انبثقت عن مداولات المجلس التي أعقبت الخطاب، فماذا نجد؟

إنّ القرارات الأخيرة التي اتّخذها المجلس المركزي هي نسخة طبق الأصل من كلّ القرارات المتّخذة في المؤتمرات السياسية العربية أكانت هذه مؤتمرات قمّة أم مؤتمرات من نوع آخر. إنّها أشبه بعلكة نافدة يتكرّر مضغها رغم أنّها قد فقدت كلّ مذاقاتها المسجّلة في ماركاتها.

وكالعادة لم يخيّب المجلس المركزي الرأي العام الفلسطيني بخاصّة والعربي بعامّة. فها هو يغرف من بئر اللغة العربية المعلوكة مفردة «الإدانة» لنظمها في بيانه النهائي، إذ يعلن: ”إدانة ورفض قرار ترامب نقل السفارة الأميركية للقدس واعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل“. ليس هذا فحسب، بل وبما أنّ المفردة قد انتشلت من بئر البلاغة فها هو يوظّفها في مكان آخر مُعلنًا على رؤوس الأشهاد: ”إدانة تسريب ممتلكات الطائفة الأرثوذكسية للمؤسسات والشركات الإسرائيلية، ويدعو إلى محاسبة المسؤولين عن ذلك.“

طيّب، ها هو المجلس المركزي قد أدان وسجّل إدانته، بينما لسان حال الفلسطيني القابع تحت الاحتلال يتلعثم في فكّ المعاني الخفيّة الكامنة في هذه الإدانات، وكيف ستؤثّر بلاغة البلاغ هذه على أوضاعه من ناحية عمليّة.

وهنالك قرارات تبدو في الظاهر أنّها عملية وقابلة للتنفيذ الفوري. على سبيل المثال لا الحصر القرار الذي يقضي بـ«تكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بتعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين». فما معنى هذا الكلام في السياسة؟ هل الاعتراف لعبة، وماذا يعني تكليف لجنة بتعليق الاعتراف؟ إنّ هذا الكلام يعني شيئًا واحدًا وهو إطلاق كلام شعبوي لامتصاص غضب شعبي، والإحالة إلى اللجنة التنفيذية لتعليق الاعتراف تعني دفن هذا الكلام لأجل غير مسمّى في أروقة لجان قد تجتمع وقد لا تجتمع فلا أحد يتعقّب سلوكيّاتها. وبعد حين يتمّ تناسي كلّ هذا الكلام، وكأنّه لم يكن.

الكلام الممجوج في هذه القرارات يظهر جليًّا فيما يخصّ العلاقات الأمنية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، إذ نقرأ بندًا آخر من قرارات المجلس المركزي ينصّ على: «تجديد القرار بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله». وبكلمات أخرى، فالقرار ليس جديدًا، وإنّما هنالك دعوة إلى تجديده. فإذا كان ثمّة قرار، فما الحاجة إلى التجديد، وهل من جديد في علك الكلام مرّة أخرى، أم إنّه مجرّد تكرار لشعارات رنّانة لاستدرار العواطف، بينما في الواقع لا يتمّ تنفيذ شيء منها.

مثال آخر على مثل هذه القرارات يتعلّق بالمستوطنات حيث يذكر البيان الختامي للقرارات المتّخذة بندًا يقول: «استمرار العمل مع العالم لمقاطعة المستوطنات الاستعمارية الإسرائيلية في المجالات كافّة». بكلمات أخرى، لا جديد تحت الشمس، بل هو استمرار لقرارات سابقة. غير أنّ من يطلب من العالم مقاطعة المستوطنات، عليه أن يبدأ بنفسه بتفعيل هذه المقاطعة. والواقع يقول شيئًا آخر. إذ إنّ منتجات المستوطنات تملأ الأسواق الفلسطينية. بل والأنكى من ذلك هو عشرات آلاف العمّال الفلسطينيين أنفسهم الذين يقومون يوميًّا بالعمل في بناء هذه المستوطنات وتوسيعها.

غير أنّ قمّة السخف في هذه القرارات هو ذلك البند الذي يتطرّق إلى اتّفاقيات أوسلو، حيث يشير البيان الختامي حرفيًّا: «المجلس المركزي يقرّر أنّ اتفاقيات أوسلو لم تعد قائمة... ويدعو المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته».

مرّة أخرى، إنّ من يدعو المجتمع إلى تحمّل مسؤولياته، عليه أن يبدأ بنفسه في تحمّل المسؤولية. وبكلمات أخرى، إذا كانت اتّفاقيات أوسلو لم تعد قائمة، فمعنى ذلك أن السلطة الفلسطينية ذاتها لم تعد قائمة، لأنّها سلطة فلسطينية قد انبثقت هي بالذات عن اتفاقيات أوسلو. لكن، وعلى ما يبدو فليس هنالك من هو أهل لتحمّل المسؤولية والإعلان عن حلّ هذه السلطة تمشيًّا مع الشعار البلاغي في القرار المتّخذ. غير أنّ هؤلاء لا يملكون الشجاعة الأخلاقية لحلّ هذه السلطة لأنّها بقرة حلوب لأصحاب الامتيازات والمنتفعين من أموال الدول المانحة.

خلاصة القول، هذه هي حال السياسة والسياسيين في فلسطين المحتلّة. وكما يُقال في الكلام الشعبي «لا يوجد على الكلام جمرك». ولهذا، ولأنّ الكلام بـ«بلاش» فلن تبلغ سيول البلاغة والبلاغات الفلسطينية الزبى.
*
الحياة، 22 يناير 2018


مشاركات:

تعقيبات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • المرأة هي الحل

    لا مناص لنا سوى رؤية عرب اليوم كعربان الأمس حتّى وإن ركبوا الطّائرات وقادوا السيّارات وتشاتتوا في الإنترنت. حتّى أولئك الّذين ولدوا وترعرعوا في دول الغرب لم تتغيّر مفاهيمهم...
  • عنصرية عربية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قضايا محلية
  • شعب واحد أم تشعّبات

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
قضايا ثقافية
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...

انقر لإرسال إيميل
موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


نصوص شعرية
  • كلام الواحد الثاني

    الحُلْمُ فِي قَفَصٍ
    يَزْقُوهُ صَاحِبُهُ،
    بِفِكْرَةٍ وَقَعَتْ مِنْ
    غَيْمِ نِسْيَانِ.



  • أي، نعم

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.

    فَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ
    أَقِدُ الحَسْرَةَ فِي قَلْبٍ، وَفَمْ


  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.



أرشيف الجهة

 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

  • الإسراء إلى هيكل سليمان

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
نصوص نثرية
  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً...
  • كل الطيور تؤدي إلى روما

    كنت لا أزال طفلاً يافعًا، ولم تكن تنقصني سذاجة من سذاجات تلك الأيّام الغابرة. آنذاك لم يخطر أبدًا على بالي العربيّة الغضّة طرفُ خيط أمسك به، أو فكرة تحملني على معرفة النّوايا الخفيّة لأسراب الطّيور الّتي كانت تحطّ في حقول الزّيتون لقرية المغار الجليليّة المطلّة على بحيرة طبريّة...
  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
ترجمات
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
لغات أخرى