الأربعاء، 16 أغسطس 2017

قصيدة سياسية



ملاحظة: السياسة، لغةً، مُشتقّة من سياسة الخيل، والحيوان على العموم. وعلى ما يبدو فإنّ لهذا الاشتقاق العربي إسقاطات على السياسات العربية التي نشهد نتائجها في القرون الأخيرة.
*

سلمان مصالحة||


قصيدة سياسية


تَرَكْنَا الحَياةَ وَأَشْغالَها
وَرُحْنا نُعَدِّدُ أَعْمالَها

فَطَوْرًا تَجِيءُ عَلَى بالِنا
أَتانٌ تَسُوقُ لَنا ما لَها

وَطَوْرًا يَحُطُّ بِأَرْجائِنا
حِمارٌ يُناطِحُ خَيَّالَها

وَطَوْرًا، يَغارُ الزَّعِيمُ إذا
رَآها تُرَدِّدُ مَوَّالَها

كَأَنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ إلّا لَهُ
ولمْ يَكُ يُحْسَبُ إلّا لَها

أَتَتْهُ السِّياسَةُ مُنقادَةً
إلَيْهِ تُجَرجِرُ أذيالَها

يُنِيخُ عَلَى النَّاسِ كَلْكَلَهُ
وَيَنْثُرُ فِي الجَوِّ أَبْوالَها

أُناسٌ تُخَلِّفُ قَوْمًا هُمُو
حَمِيرٌ تُسَوِّدُ أَبْغَالَها
*



الاثنين، 7 أغسطس 2017

إما التعايش وإما «داعش»


مختارات صحفية:

قبل اتخاذ قرار التعايش مع الآخر المختلف خارج الخريطة لا بد من اتخاذ قرار التعايش مع الآخر المختلف داخلها.

 

غسان شربل ||

إما التعايش وإما «داعش»


ولد تنظيم داعش من انهيار تجارب تعايش. مزق خرائط واخترق أخرى. والخرائط كالمباني تحتاج صيانة دائمة. الإهمال يسرع شيخوختها. تتشقق جدرانها. وتتخلع أبوابها. وتتآكل نوافذها. والسياسات الفئوية تزعزع أسسها. وتغتال طمأنينتها. وتوفر للرياح السوداء فرصة التسلل إليها. لا تكفي الأناشيد لحماية الخرائط. ولا تكفي الجيوش. وتقول التجارب إن الخرائط تغتال من الداخل قبل أن يستبيحها الخارج. ثقوب الداخل هي التي تستدرج العواصف المقتربة.

تحتفل دول المنطقة اليوم بالضربات المتتالية التي توجه إلى تنظيم داعش. ومن حقّها أن تحتفل. «داعش» عاصفة من الوحل والدم. فصل ثقيل من الظلم والظلام. روايات من عانوا السبي أو اليتم تحت راياته تكسر القلب وتثير الرعب. لكن الأهم من الاحتفال هو استخلاص العبر. لم يسقط هذا التنظيم الرهيب على مجتمعاتنا بالمظلات. أطل من شقوق الداخل ثم رفده المقاتلون الجوالون بخبراتهم وأحقادهم. لا يستطيع «داعش» استباحة خريطة ما لم تكن مريضة. لا يستطيع الإقامة فيها ما لم تكن إرادتها الوطنية ممزقة.

تبدو الحرب العسكرية على «داعش» صعبة. انتحاريون وأنفاق وعبوات ناسفة وشبان غسلت أدمغتهم فتحولوا مجرد عبوات تائهة تبحث عن فرصة للانفجار. لكن هذه الحرب، على رغم ضرورتها وأهميتها، يفترض أن تكون جزءًا من الحرب الشاملة. الانتصار الحاسم هو الانتصار على فكرة «داعش»، أي إلغاء الظروف التي سهلت ولادة التنظيم وانتشاره وتسلله إلى هذه الدولة أو تلك.

من دون المواجهة الشاملة في الشارع والنادي والكتب المدرسية والإعلام وفي جوار المسجد، تبقى المواجهة ناقصة والنتائج مهددة. يستطيع عناصر «داعش» الفرار والتواري والعيش كـ«ذئاب منفردة» تكمن بانتظار الانفجار هنا أو هناك.

أهم ما في المواجهة الشاملة هو اتخاذ قرار جوهري وصعب وربما مؤلم بالتعايش. لا نقصد العودة إلى التعايش التلفزيوني السطحي والشكلي الذي كان سائدًا وانهار أمام أول امتحان. المقصود هو الذهاب في اتجاه التعايش الحقيقي داخل الدول وفيما بينها. ولا بد من الاعتراف أنه ما كان للبغدادي أن يطل من الموصل ويفتح الباب لهذه المأساة الباهظة لو كانت العلاقات بين المكونات العراقية صحيّة وطبيعية. وما كان لـ«داعش» أن يخترق الأراضي السورية ويستولي على الانتفاضة الشعبية ويدميها ويجهضها لو كانت العلاقات بين المكونات السورية طبيعية في ظل دولة طبيعية.

لا بدّ من اتخاذ قرار التعايش مع العالم. مع القوى المختلفة والمتنوعة المشارب والانتماءات والألوان ومن دون أن نعتبر أننا مكلفون فرض لوننا على العالم وأن علينا الانفجار به، إذا تعذر علينا أن نفرض عليه ثياب أجدادنا وأساليب عيشهم. الاعتقاد أن علينا إخضاع العالم ليشبهنا هو أقرب الطرق لنتحول عبوة في جسده وعبوة في جسدنا معاً. العجز عن التسليم بحق الآخر في الاختلاف يدخلنا في اشتباك مدمر يفوق طاقتنا على احتمال نتائجه.

اعتبار كل من لا يماثلنا عدوًا أو ضالًا ينذر بترسيخ خطوط التماس التي تعوق تعاونًا نحتاج إليه للحصول على ثمار التقدم الذي تحقق في بلدان خاضت تجاربها المكلفة، وخرجت منها بالاعتقاد بأن الاختلاف حق ويمكن تحويله إلى مصدر ثراء. الاعتقاد أن من واجبنا إنقاذ البشرية استنادًا إلى تصور واحد لا يمكن الاجتهاد فيه أو العثور على أشكال أخرى له يضعنا أمام الحائط ويدفعنا في اتجاه الكارثة.

قبل اتخاذ قرار التعايش مع الآخر المختلف خارج الخريطة لا بد من اتخاذ قرار التعايش مع الآخر المختلف داخلها. اعتبار كل اختلاف تهديدًا وجريمة يشكل الخطوة الأولى نحو الحروب الأهلية والمجازر ومحاولات الشطب وإلغاء الهويات. لا بد من التسليم بحق الآخر في المبنى أو القرية أو المدينة بأن يكون مختلفًا وبحقه في أن يكون مساويًا ومطمئنًا في دولة تقوم على المواطنة لا على الغلبة وبغض النظر عن النسب السكانية وتغيراتها.
لا خروج من هذا الجحيم الذي أنجب مئات آلاف القتلى وملايين اللاجئين إلا باتخاذ قرار التعايش. من دون هذا القرار يبقى كل انتصار مهددًا بالتحول مجرد جولة في حرب تكمن ثم تعاود الاشتعال. من دون قرار التعايش الحقيقي ستتيح المجتمعات الممزقة الفرصة لإطلالة جديدة لـ«داعش» أو أشباهه أو أخواته. الانتصار النهائي على «داعش» وأشباهه متعذر من دون مهمة بناء الدولة الحقيقية والعصرية. دولة الحقوق والواجبات. دولة المواطنة واحترام حق الاختلاف. دولة الفرص والتنمية الشاملة والمناهج الدراسية الرحبة والإعلام المنفتح والمسؤول.
لا خروج من هذا الجحيم إذا استمرت سياسات التدخل والانقلابات الفئوية ومعها سياسات الكراهية والإقصاء والسعي إلى تصفية حسابات تاريخية. جرّبنا طويلًا هذه السياسات الثأرية العقيمة التي أخرجتنا من السباق نحو المستقبل وسمّمت خرائطنا وعواصمنا وجامعاتنا. لا نستطيع مواصلة السباحة في هذه المياه المفخخة. الإصرار لا يعني أكثر من أننا نتولى بأنفسنا تحويل أولادنا وأحفادنا وقودًا للحروب المقبلة وتحويل بلداننا بركًا من الدم تنوء تحت أعباء الفقر والبطالة والتخلف.

مشكلتنا لم تبدأ مع «داعش» لتنتهي بانتصار عسكري عليه. مشكلتنا الحقيقية هي رسوبنا في امتحان اللحاق بالعصر وركب التقدم. مشكلتنا أننا لا نريد دفع ثمن بطاقة الصعود إلى القطار المتجه نحو المستقبل.
*

الأحد، 6 أغسطس 2017

فارق الهوية الجنبلاطية



تعقيب جديد على مقالتي التي نشرت في ”الحياة“. وهذه المرّة أكثر جهلًا وسخفًا

ومرّة أخرى، وعملًا بحريّة الرأي، مهما كان هذا الرأي سخيفًا ولا يتطرّق للموضوع المطروح، فها أنذا أنشره هنا ليكون متاحًا للقارئ النبيه ابتغاء أن يخلص منه بموقف رشيد ورأي سديد. والعقل وليّ التوفيق! (س. م.)

الجمعة، 4 أغسطس 2017

تفسير أحلام


سلمان مصالحة ||

تفسير أحلام


بَعْدَ الَّذِي جَرَى لِي
فِي السِّنِينِ الخَوَالِي،
اعْتَدْتُ كُلَّ صَباحٍ
أَنْ أُجْرِيَ جَرْدَ حِساباتٍ
لما كَانَ انْتَابَنِي
فِي اللَّيْلَةِ الفائِتَة.

مَثَلاًِ، حِينَ أَحْلُمُ
أَنِّي أَطِيرُ بِلا جَناحَيْنِ -
يَحْدُثُ ذلكَ أَحْيانًا -
أَبْحَثُ تَحْتَ اللّحافِ
عَنْ سِرٍّ أَفْشَتْ بِهِ لِي
فِكْرَةٌ سَانِحَة.

وَحِينَ أَعُودُ، عَلَى
عَجَلٍ، لِشُرْبِ قَهْوَتِي،
أَجِدُ فِي الفِنْجَانِ
عُشًّا مَهْجُورًا.

خَفِيتًا،
يَأْتِي إلَى مَسَامِعِي
صَوْتُ فِراخٍ،
وَعَلَى الطّاوِلَةِ بَيْضَتَانِ
لَمْ تَفْقِسَا بَعْدُ.
*

الخميس، 3 أغسطس 2017

ليس النضال بمئزر


سلمان مصالحة ||

ليس النضال بمئزر


ليسَ النِّضالُ بِمئْزَرِ.
فَٱسْمَعْ كَلامَ الأَخْبَرِ!

علي بن أبي طالب || أشعار


مختارات تراثية


علي بن أبي طالب ||

أشعار


أتاه رجلٌ فقال: أريد أن أبني مسجدًا، فقال: من حلالك؟ فسكت.
ثمّ إنّه مضى فبنى مسجدًا.
فقال:

سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

***

الأربعاء، 26 يوليو 2017

في مسائل إسرائيل والأقليّة ومواقف جنبلاط


تعقيب حول تصريحات جنبلاط:
عملاً بمبدأ حرية الرأي، ومهما كان هذا الرأي سخيفًا ولا يتطرّق للموضوع المطروح، ننشر هنا هذا الردّ الذي نشره مفوّض الإعلام في الحزب التقدّمي الاشتراكي على مقالتي المنشورة في صحيفة «الحياة»، ونترك للقارئ النبيه أن يستجلي الأمور ما بين السطور وما وراء السطور. (س. م.)

رامي الريس ||

في مسائل إسرائيل والأقليّة ومواقف جنبلاط


طالعنا السيد سلمان مصالحة في «الحياة» (السبت 22 تموز - يوليو 2017) بقطعة سوسوليوجية سيكولوجية، عكست في بعض جوانبها انفصاماً فاقعاً في الفهم والتحليل، متوجهاً بالنقد إلى رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط حيال موقفه الأخير من تطورات الأحداث في فلسطين المحتلة (التي لا يتردد مصالحة بتسميتها إسرائيل، متناسياً أنها تحتل أرض وطنه)، ومعتبراً أن مواقف جنبلاط لا تشكل «مثالاً يقتدى لدى (هذه) الأقلية التي بقيت في وطنها على رغم كل الصعاب».

كان حرياً بمصالحة الذي يدرّس في الجامعة العبرية بالقدس أن يعود إلى التاريخ القريب، عندما اتخذ وليد جنبلاط سلسلة من الخطوات والمواقف لدعم عرب 48، وعقد مجموعة من اللقاءات في الأردن مع ممثلين عنهم انطلاقاً من حرصه على تعزيز التواصل وتثبيت الهوية العربية للدروز في فلسطين. ولكن، يبدو أن هذا ما يزعج السيد مصالحة الذي يود تغطية انخراطه في الحياة الإسرائيلية بعنوان: النضال السياسي من الداخل!

هل يتعرّض جنبلاط لوحدة «الأقلية»، كما يسمّيها مصالحة، عندما يطلب منها ومن أبنائها تعزيز وحدتهم الوطنية مع إخوتهم الفلسطينيين وعدم الانصياع لمخططات الاحتلال الإسرائيلي الذي يحاول دوماً أن يوحي بأنه يمنحهم امتيازاتٍ لا تعدو كونها مجرد وعود وهمية، فيما لا يتوانى الجيش الإسرائيلي عن دفعهم إلى الصفوف الأمامية في الجبهات!

هل يتعرض جنبلاط لوحدة «الأقلية»، عندما يحذّر من تصديق هذه الوعود الوهمية والانجرار وراء مخططات مشبوهة يسعى إليها الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يتوانَ عن طرد الفلسطينيين من بيوتهم وأرزاقهم واحتلالها والتوسع الاستيطاني فيها؟

هل يتعرض جنبلاط لوحدة «الأقلية» عندما يدعو إلى رفض الخدمة العسكرية الإلزامية (مع التركيز على أبناء هذه الأقلية) في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي كي لا يرفع المجند بندقيته في وجه شقيقه الفلسطيني؟

وهل يتعرض جنبلاط لوحدة «الأقلية» عندما ينادي بالوعي والحكمة والشجاعة لمواجهة الاحتلال عندما يقول: «إلى العرب الدروز في فلسطين، احذروا من فخ الفتنة مع إخوانكم العرب التي تريدها سلطة الاحتلال الإسرائيلي».

واضحٌ أن مفهومكم للنضال لا يلتقي مع مفهومنا، ومفهومكم للاحتلال أيضاً لا يلتقي مع مفهومنا.

وليد جنبلاط لا يبحث عن زعامة عابرة للحدود، فهو يملكها حتى لو لم يجاهر بها، وإلا ما الذي يبرر هذا المقدار من الاستفزاز الذي شعرتم به لو أنه كان فعلاً مجرد «زعيم طائفي لبناني» كما وصفتموه؟

حبذا لو تقرأون بين السطور جيداً، وأنتم من أساتذة «الأدب العربي»!

* مفوّض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي

الحياة، 25 يوليو 2017

انظر أيضًا: الأنباء، صحيفة الحزب التقدمي الاشتراكي

----




الثلاثاء، 25 يوليو 2017

دفاعًا عن سورية


أرشيف: يناير 2008-

سلمان مصالحة ||

دفاعًا عن سورية


قد يتفاجأ بعض القرّاء
من عنوان هذه المقالة، وخاصّة لمعرفة القرّاء من مواقفي ضدّ نظام البعث الحاكم في سورية والّتي عبّرت عنها هنا وفي أكثر من مكان. فمن جهة أولى يمكن الإشارة إلى:

أوّلاً: التّوريث
بعد أن جثم الأسد الأب على صدر الشعب السّوري عقودًا من الزّمن، وبعد أن تقدّم به الزّمن كما هي سنّة الحياة، طفق يعمل على توريث الكرسي، فصفّق له ما يسمّى زورًا وبهتانًا "مجلس الشّعب" لهذه الخطوة الـ"مباركة"، وكأنّ الشّعب السّوري قد اختُزل بأسره في هذه الأسرة الحاكمة؟ هكذا أضحت بين ليلة وضحاها ما يسمّى زورًا وبهتانًا أيضًا "ثوريّة" البعث إلى "ثورثيّة" البعث، أي ثوريّة توريثيّة. ولكنّ التّوريث السّياسي العربيّ قديم قدم هذه البقعة من الأرض، فقط الشّعارات تتغيّر غير أنّ الطّبع العربي لا تُغيّره الشّعارات مهما تظاهرت بالثّوريّة، إذ أنّ الطّبع القَبَلي البَرِّي العربيّ يغلب التّطبُّع البِرِّي للمجتمعات المعاصرة.

ثانيًا: السّجن السّوري
من الواضح أنّ نزوع النّظام الحاكم في الشّام إلى تحويل البلد سجنًا يزجّ فيه بأبناء الشّعب السّوري من أصحاب الرأي الّذي يتعارض مع توجّهات هذا النّظام، وفقط لمجرّد الرأي المخالف، إنّما هو نابع في الحقيقة من ذعر هذا النّظام. إنّ النّظر إلى بنود الاتّهام الّتي توجّه للمثقّفين السّوريّين الّذين يزجّ بهم النّظام في السّجون هي مثار للسّخرية، وأبرز مثال على ذلك التّهمة المتمثّلة ببند "النّيل من هيبة الدّولة". لستُ رجل قانون، غير أنّي أكاد أجزم بالقول إنّه لا يوجد رجل قانون في العالَم بوسعه تفسير هذا البند المضحك، ناهيك عن كونه تهمة يُعاقَب عليها أصلاً. رُبّما مُدّعو الفلسفة والمجتمع المدني من مراهقي العروبة هم الوحيدون الّذين يستطيعون تفسير هذا البند السّخيف على شاكلتهم.

لقد تحوّل هذا الذّعر إلى رهاب مزمن في نفسيّته. لذلك فإنّ القمع الّذي يمارسه إنّما هو تعبير صارخ ذعر عميق لدى النّظام من أيّ تحوّل نحو الدّيمقراطيّة. إنّ هذا لذّعر له ما يبرّره، لأنّ النّظام أدرى بما يفعل بأبناء الشّعب السّوري على اختلاف ملله وطوائفه وإثنيّاته. إنّه ذُعر من إمكانيّة الانتقام الشّعبي من زمرة هذا النّظام، ولذلك لا يجد النّظام سبيلاً أمامه سوى سبيل تشديد القبضة وقمع البشر، على غرار سفّاح العراق البعثي القبلي التّكريتي، غير المأسوف عليه.

ثالثًا: تحرير الجولان
منذ الاحتلال الإسرائيلي للجولان في حزيران 67، لم يُحرّر نظام البعث شبرًا واحدًا من الجولان. ورغم كلّ ما يتشدّق به هذا النّظام من تسمية حرب أكتوبر 73 ووصفها بـ "حرب تشرين التّحريريّة"، إلاّ أنّ الحقيقة هي خلاف ذلك تمامًا. فحتّى مدينة القنيطرة السّوريّة في الجولان المحتلّ لم تُحرّر بل تمّ إعادتها إلى سورية من خلال مفاوضات فكّ الاشتباك بين القوّات الإسرائيليّة والسّوريّة مع وقف النّار. هذه الحقيقة يتمّ إخفاؤها لغاية في أنفس اليعاقيب. إنّ تقادم عهد تلك الأيّام عن الأجيال الجديدة لا يُغيّر من الحقيقة شيئًا. ومنذ ذلك الأوان لم تُطلق طلقة واحدة على هذه الحدود. أي أنّ جبهة الجولان هي أكثر الجبهات هدوءًا في الشّرق الأوسط منذ عقود طويلة، حتّى بعد ذلك القصف الإسرائيلي للمنشآت العسكريّة السّوريّة في دير الزّور الواقعة في العمق السّوري.

رابعًا: وبعد أن وقّعت
جمهورية مصر العربيّة اتّفاقيّة سلام مع إسرائيل، وتبعتها لاحقًا المملكة الأردنيّة الهاشميّة بتوقيع اتّفاق سلام آخر مع إسرائيل، ما يعني في نهاية المطاف خروج هاتين الجبهتين من المواجهة، فقد وجد نظام البعث الحاكم في سورية أنّ طرق المجابهة من أجل تحرير الجولان بمساعدة آخرين قد انسدّت أمامه. ولأنّ هذا النّظام البعثي الشّامي لا يبادر إلى حرب من طرفه من أجل تحرير أرضه، وإنّما ينضمّ في المؤخّرة إلى محاربين آخرين، فهو يجنح إلى التّخريب في كلّ مكان، وفي هذه الأثناء يملأ الإعلام بجعجعة الشّعارات القوميّة الطنّانة ليس إلاّ. هذه هي طبيعة هذا النّظام، ولذلك فإنّه على استعداد لمحاربة إسرائيل حتّى آخر لبنانيّ وحتّى آخر فلسطيني. هذا هو التّفسير الوحيد لإصراره على مواصلة التّخريب في لبنان وعدم الاعتراف باستقلال هذا البلد وتبادل السّفراء معه، وهذا هو التّفسير الوحيد أيضًا للّعب بأوراق الأحزاب الفلسطينيّة الإسلاميّة. لهذا السّبب سيواصل هذا النّظام اللّعب بلعبة التّخريب هذه، لأنّها في نهاية المطاف اللّعبة الوحيدة الّتي بقيت بحوزته، فلا لعبة له سواها.

خامسًا: ولكن ومن جهة أخرى،
وبالنّظر إلى ما ذكرنا آنفًا، فهل كلّ ما ذكرنا هي طبيعة النّظام السّوري لوحده؟ فعندما نقرأ لبعض الكتّاب الّذين يجدون متنفّسًا لهم في نقد هذا النّظام فحسب ملتزمين الصّمت تجاه سائر الأنظمة العربيّة، فإنّنا نشكّ في مصداقيّتهم أصلاً. فها هو النّظام المصري يعمل جاهدًا، على غرار نظام البعث، على التّوريث في أرض الكنانة. وها هو مهرّج ليبيا يعمل هو الآخر على توريث "الجماهيريّة العربيّة الاشتراكيّة العظمى"، وها هي سائر الأقطار من ممالك وإمارات وسلطنات تعمل كلّها على التّوريث، لا فرق. وها هي الأحزاب اللّبنانيّة على اختلاف مللها ونحلها ليست سوى محميّات قبليّة تعمل بالتّوريث هي الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، أنظروا ماهي حال المرأة في سائر الإمارات والسّلطنات والممالك الّتي تعيش في القرون الوسطى بقوانين ظلاميّة من تلك القرون. أليس من حقّنا أن نقول كلمة واحدة بهذه الأمور أيضًا؟

صحيح أنّ النّظام السّوري يلعب بالأحزاب الإسلاميّة القادمة من خارج سورية من أجل مصالحه ليس إلاّ، لكن من جهة أخرى هذه هي اللّعبة السّياسيّة، لعبة مصالح وموازين قوى. فليتعلّم الآخرون النّظر إلى مصالحهم هم، فلا توجد عروبة، فالعروبة أيّها الأخوة هي أكذوبة.

وأخيرًا على الأقلّ تبقى نقطة ضوء واحدة لدى هذا النّظام، رغم كلّ الانتقادات ضدّه. ونقطة الضّوء هذه هي "حظر حركة الإخوان المسلمين". في الحقيقة يجب حظر كلّ الأحزاب الدّينيّة في كلّ مكان على هذه الأرض، وعلى وجه الخصوص في العالم العربي، لأنّه لن تقوم لهذا العالم قائمة ما لم يفعل ذلك.
والعقل وليّ التّوفيق.
*
نشر: إيلاف، 31 يناير 2008

***

السبت، 22 يوليو 2017

عن كلام جنبلاط ومن قد يقولون قوله

مخترة جنبلاط وأمثاله -


إنّ الزعامات الطائفية الوراثيّة والتوريثيّة في هذا المشرق، وجنبلاط أحد أمثلتها البارزة، لا يمكن بأيّ حال أن تشكّل مثالاً يُقتدى لدى هذه الأقليّة التي بقيت وصمدت في وطنها على رغم كلّ الصعاب.


توريث على الطريقة العربية

سلمان مصالحة ||

عن كلام جنبلاط ومن قد يقولون قوله


بدل أن تشتغل الزعامات الطائفية اللبنانية، على تشكيلاتها وتقليعاتها الدينية والدنيوية كافّة، في حلّ مشكلاتها المزمنة، تظهر علينا هذه الزعامات بين فينة وأخرى عبر شتّى وسائل الإعلام محاولة تصدير جميع عيوبها السياسية والاجتماعية إلى محيطها. والعيوب كما هو معروف هي عابرة للحدود الجغرافية والسياسية، فما بالكم بهذا النوع القاتل من العيوب القبليّة والطائفيّة؟

ولأنّ الأقربين، كما يقال، أولى بالمعروف، نجد لزاماً علينا أن نضع النقاط على الحروف المبهمات. إنّ الكلام هذه المرّة سيُوجّه إلى «البيك»، زعيم المختارة والزعيم اللبناني وليد جنبلاط. والمناسبة هي ما أُشيع ونُشر من كلام منسوب إليه في شأن تبجيل مواطنين من إسرائيل نفّذوا العمليّة في «الحرم القدسي»، وإسباغه عليهم نعت «المجاهدين». لقد تصادف أن كان ضحايا هذه العمليّة حارسين شرطيّين على أبواب «الحرم القدسي» ينتميان إلى الطائفة العربية الدرزية. بالتأكيد، لم تكن العملية موجّهة ضدّ أفراد ينتمون إلى الدروز، غير أنّ جنسية المنفذين الإسرائيلية والموقع المقدّس الذي نُفّذت فيه أثارت حساسيّات طائفيّة، سارع الكثيرون إلى إخمادها قبل أن تتطوّر إلى أمور لا تُحمد عقباها.

إنّ الأحداث التي تعصف بهذا المشرق في الأعوام الأخيرة تصل أصداؤها إلى هذه الربوع التي تعيش فيها الأقلية العربية بظروفها الخاصّة في إسرائيل. وعلى رغم كلّ النّزيف العربي الطائفي المقيت خلف الحدود، حافظت هذه الأقليّة بحدسها الطبيعي وببصيرة العقلاء فيها، من مختلف الطوائف، على لحمتها الاجتماعيّة. وعلى رغم كلّ الصعوبات لم تدع هذه الأقليّة كلّ هذا الشرار الطائفي أن يُشعل حريقاً في ربوعها وبين صفوفها.

من هذا المنطلق ولأنّنا هنا في هذه الربوع، وعلى غرار أهل مكّة، أدرى بشعابنا هنا، بل أبعد من ذلك، لأنّنا هنا أدرى ليس فقط بشعابنا، بل بشعوبنا أيضاً، فإنّ الكلام موجّه إلى جميع زعماء الطوائف والقبائل عبر الحدود أن يتركوا هذه الأقليّة وشأنها.

إنّ الزعامات الطائفية الوراثيّة والتوريثيّة في هذا المشرق، وجنبلاط أحد أمثلتها البارزة، لا يمكن بأيّ حال أن تشكّل مثالاً يُقتدى لدى هذه الأقليّة التي بقيت وصمدت في وطنها على رغم كلّ الصعاب. إنّ الأجيال العربية الناشئة لدينا تبحث عن مستقبل آخر يقع على طرف نقيض لكلّ ما تراه من حولها. هذه الأجيال تبحث عن سُبُل لتخطّي كلّ هذه الأوبئة الاجتماعية التي تشهدها في هذا المشرق العربي النازف.

لهذا السبب، ولأسباب كثيرة أخرى لا يتّسع المجال للتطرّق إليها الآن، ليس من قبيل الصدف أنّ هذه الأقليّة العربية في إسرائيل وبجميع طوائفها، وكما يتّضح من كلّ الاستطلاعات التي أُجريت في الأعوام الأخيرة، لا ترغب بأيّ حال من الأحوال أن تكون جزءاً من أيّ كيان سياسيّ عربيّ أو فلسطيني على الإطلاق. وهذا ما تعبّر عنه أيضاً القيادات السياسية، الثقافية والاجتماعية الفاعلة بين صفوف هذه الأقليّة.

هذه هي حقيقة هذه الأقلية الباقية في وطنها الذي صار جزءاً من الكيان السياسي الإسرائيلي. فنضال هذه الأقلية نضال سياسي ضمن الكيان السياسي الإسرائيلي. وفي هذا النضال لا مكان بأيّ حال من الأحوال وفي أيّ من الظروف، لا للدواعش ولا لأشباه الدواعش بيننا. لهذا أيضاً، يجب التحلّي بالشجاعة الأخلاقية ونبذ وإدانة كلّ نبرة طائفيّة، مهما صغرت ومهما كان مصدرها. إذ إنّ هذا الشرار الطائفيّ سرعان ما ينتشر ويشعل الحرائق التي لا تُبقي ولا تذر.

وخلاصة القول، إنّ المخترة تضحي أحياناً مخطرة. لهذا فإنّ الزّعامات الطائفية والدينية في هذا المشرق، على اختلاف تشكيلاتها، مدعوّة إلى حلّ مشاكلها وإشفاء عيوبها المزمنة في مواقع وجودها بدل العمل على نقلها إلى ربوعنا. لسنا بحاجة إلى اقتناء هذا النوع من العيوب، فلدينا ما يكفي منها ونحن نصارعها بأنفسنا. وكما ذكرت آنفاً، نحن هنا أدرى بشعابنا منكم، ونحن هنا أدرى منكم بشعوبنا وشعوبكم أيضاً.
*
الحياة، 22 يوليو 2017

***

تعقيبات على المقال:
رامي الريس، مفوض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي، الأنباء
قصي الحسين، أستاذ في الجامعة اللبنانية، الأنباء
 
سلمان مصالحة

نصوص
  • القصيدة الأندلسية

    رَكِبْتُ ضُحًى صَهْوَةَ القَلْبِ شَوْقَا
    كَمَنْ شَدَّهُ الحُلْمُ، أَوْ رَامَ نُطْقَا

    وَيَمَّمْتُ وَجْهِيَ صَوْبَ رُبُوعٍ
    نَمَتْ فِي الجَنَانِ، فَأَوْرَقَ رَوْقَا

    وَأَعْمَلْتُ فِكْرِيَ بَعْضَ نَهَارٍ
    بِمَا أَوْرَثَ البَحْرُ فِي الأَرْضِ أُفْقَا



محتويات الموقع

 
مختارات
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره.


  • كشف أسرار الرهبان

    "اعلم أنّ بعض هذه الطائفة أعظم الأمم كذبًا ونفاقًا ودهاء، وذلك أنّهم يلعبون بعقول النصارى ويستبيحون النساء وينزلون عليهم الباروك، ولا يعلم أحد أحوالهم...
  • مواطنة شرف

    عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا،  أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...
    تتمة الكلام
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة...
    تتمة الكلام...

قراءات
  • يهوه التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح ...


  • سبحان الذي أسرى

    نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...
    تتمة الكلام...

مشهد جليلي