هل ثمّة دور للمثقف العربي؟


وهكذا رأينا أنّ العراق عراقات كثيرة، وسورية سوريات عديدة، واليمن وليبيا يمنات وليبيات كثيرة ومتصارعة.

سلمان مصالحة ||

هل ثمّة دور للمثقف العربي؟


هذا السؤال الذي يعلو إلى سطح الخطاب العربي بين فينة وأخرى هو أكبر دليل على الخطيئة الكبرى التي ارتكبها كلّ أولئك الذين يطرحونه. طوال عقود اعتقد هؤلاء بوجود دور خارج الدور الذي يُفترض أنّه مُعلّق في رقابهم. بكلمات أخرى، إنّ الخطيئة الكبرى التي ارتكبها هؤلاء هي افتراض كونهم ذوي مزية تضعهم فوق سائر البشر من حولهم. إذ إنّهم توهّموا أنّ دورهم أهمّ من دور العامل في مهنة أخرى أيًّا كانت. أليس للنجّار دورًا وللحدّاد دورًا وللمزارع دورًا في مجتمعه؟ أليس هؤلاء مطالبين بالقيام بأدوارهم على أفضل وجه ومطالبين بإتقان مهنتهم؟ وعلى ذلك، قس. أليس المثقّفون مطالبين بإتقان مهنة الثقافة التي يدّعون حملها على أكتفاهم؟

فماذا تعني هذه المسمّيات التي يحملونها؟ فلو عدنا إلى الأصل اللغوي للمصطلح في حضارتنا فإنّ الحقل الدلالي لهذا الأصل يعني الحذق والفهم، وفوق كلّ ذلك ضبط الأمور. والثِّقاف هي الحديدة التي تُستعمل لتقويم اعوجاج الرمح وتسويته. فالثقافة إذن، وبكلمات أخرى، هي النظر في التجارب الإنسانية المتراكمة، ومحاولة فهمها من جميع جوانبها بغية تقويم الاعوجاج لدفع حياة المجتمعات البشرية وعلى جميع الصعد إلى الإمام.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هل أتقن المثقفون العرب مهنتهم طوال هذه العقود الماضية، وهل قوّموا الاعوجاج، أم إنهم كانوا جزءًا من تأبيد الاعوجاجات في المجتمعات العربية؟ ليس من السهل الإجابة على هذه التساؤلات في المجتمعات العربية، إذ لأجل تقويم الاعوجاج المجتمعي سياسيًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا هنالك حاجة إلى هامش واسع من الحرية للعمل. هذه الهوامش تكاد تكون معدومة في مجتمعاتنا، وهكذا وجد الـ«مثقّفون» أنفسهم وللضغوطات المعيشية يعملون في إطارات هي في جوهرها متّشحة بالعصبيّات على اختلاف مشاربها، أكانت هذه عصبيّة سياسية، دينية، طائفية وما شابه ذلك. ولمّا كانت وسائل الإعلام والاتصالات بكلّ تصنيفاتها تخضع للسلطات العربية، فقد انغمس المثقفون طوال عقود في مهنة مسح الجوخ للأنظمة التي يعيشون في كنفها، ولم يشذّ عن هذه القاعدة إلاّ نفر قليل قد وجد نفسه خارج هذه المنظمومات المتحكّمة بكلّ شاردة وواردة في أحسن الأحوال وفي أسوئها وجد نفسه وراء القصبان أو منفيًّا من الأوطان.

إنّ الذين انخرطوا في إعلام الأنظمة قد زمّروا وطبّلوا للسلطان طوال عقود، وبذلك فقد خانوا المهنة التي زعموا أنّهم يحملونها على أكتافهم. فكم طبّل المطبّلون لعبد الناصر، وكم زمّر المزمّرون للأسد، وكم استفاضت القرائح في مديح المستبدّين، مثل صدام التكريتي وغيره، على طول وعرض العالم العربي. أمّا الإنسان العربي، المغلوب على أمره، فقد فاز بفتات البلاغة التليدة والبليدة التي أغدقها عليه أمثال هؤلاء طوال عقود. لم يقم أحد من هؤلاء بثقف الاعوجاج في السياسة والمجتمع، بل على العكس من ذلك قد أبّد هذه الاعوجاجات بإسباغ المديح عليها ليحظى بفتات من خبز السلطان.

وهكذا أوغلت الأنظمة، على اختلاف مشاربها، في غيّها دون رقيب يقوّم اعوجاجها أو رادع يردعها عن مواصلة هدم المجتمعات التي زعمت تزعّمها. لم تقم كلّ تلك الأنظمة وأبواقها ببناء دول وأوطان عابرة للإثنيات والعصبيّات البرّيّة، بل انصبّ اهتمامها على الإمساك بمقاليد الحكم، ليس إلاّ. وطوال كلّ هذه العقود حاولت هذه الأنظمة إلهاء الشعوب بأعداء خارجيين متوهّمين بغية حرف مشاعر التململ وتصريفه للخارج بدل أن يتحوّل غضبًا موجّهًا ضدّّها.

فإذا كان البناء السياسي العربي مبنيًّا على أسس من العصبيّة - وهذه العصبية هي عصبية متعدّدة الوجوه، فقد تكون إثنية، طائفية، قبلية أو حزبية - فإنّ النظام العربي في بنيته هو نظام فاقد للثقة بالنفس. إذ إنّ السيطرة على مقاليد الحكم مرهونة بالغلبة، ولا يمكن أن تتأتّى هذه الغلبة إلاّ بالاستبداد. ولهذا فإنّ ثقة الحاكم بالمحكومين لا يمكن أن تتوفّر، إذ إنّ أيّ حركة أو كلمة ناقدة تعني ضعضعة لمكانة الحاكم أو سلطته، وبما أنّه لا شغل شاغل له غير التشبّث بالحكم مهما كلّف الأمر فلا مكان للنقد في عرفه.

لقد تراكم الغضب العربيّ على هذه الأنظمة حتى انفجر قبل سنوات في انتفاضات شعبية موجهة للداخل فقط. ومنذ ذلك الأوان ذاب ثلج صروح العروبة البلاغية وبان مرج حقيقة هذه المجتمعات المتشرذمة التي تختلف أكثر ممّا تأتلف. وهكذا رأينا أنّ العراق عراقات كثيرة، وسورية سوريات عديدة، واليمن وليبيا يمنات وليبيات كثيرة ومتصارعة. وبكلمات أخرى، فإنّ الحال اللبنانية الواهية هي التي انتصرت على هذه البقعة من الأرض.

وحينما نعود إلى دور المثقف العربي في هذا السياق، نرى أنّ الغالبية العظمى من حاملي الهمّ الثقافي العربي لاتقدّم أيّ تصور لتقويم هذا الاعوجاج المجتمعي والحضاري، بل على العكس فهي تواصل الانخراط في عملية الهدم هذه بمواصلة انخراطها في العصبيات البالية التي لم تجلب سوى الخراب.
*
الحياة، 31 أكتوبر 2016

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics