منتهى العجب في أحوال العرب

لقد أغرقنا الاستبداد ”الثوري“ العربي في بحر من الجهل بإشاعة الشعارات العاطفية المستندة إلى بلاغة عربية تليدة وبليدة

بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

يكاد المرء يُصاب بمرض عضال من الملل، إن لم يكن مرضًا مزمنًا من الخجل، وذلك من جرّاء التكرار والاجترار...

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

لا يصلح الناس فوضى

كَيْفَ الرَّشادُ إذا ما كُنْتَ فِي نَفَرٍ لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلالٌ وَأَقْيادُ.

4 أكتوبر 2016

حتّى الموت يفرّق بيننا

 

لن نعود بالذاكرة إلى المصائر التي لقيها الخلفاء والأمراء، فقد دوّنها لنا السلف في مأثوراتهم وتناقلتها الأجيال العربية على مرّ التاريخ العربي...

 

سلمان مصالحة ||

حتّى الموت يفرّق بيننا


لقد رحل شمعون بيرس، الرئيس الإسرائيلي الأسبق، عن عمر ناهز الـ 93 عامًا. لقد كُتب الكثير عنه، أكان قدحًا عربيًّا واصفًا ايّاه بالمجرم أو مدحًا غربيًّا مُسبغًا عليه نعوت رجل السلام. لا أريد التطرّق لا إلى القدح العربي ولا إلى المدح الغربي، فالمدح والقدح كلاهما قد ذهبا في المبالغة مبلغًا ابتعد عن الحقيقة. لم يكن بيرس مجرمًا قياسًا بما نرى في العالم العربي ولا كان رجل سلام أيضًا قياسًا بزعماء آخرين يستحقّون إسباغ مثل هذه الصفة عليه.

كلّ ما في الأمر أنّ هذا الرجل، ومنذ قدومه إلى البلاد فتى، قد نذر حياته للعمل لمصلحة شعبه. صحيح أنّه لم يكن جنديًّا ولم يخض حروبًا أو يصبح جنرالاً، غير أنّ ما قدّمه لشعبه خلال مسيرة حياته السياسية لا يُقاس بمثل هذه المقاييس. رغم كلّ ما قدّمه فقد كانت الخيبات السياسية تلاحقه في الكنيست، كما كان من أكثر السياسيين الإسرائيليين كرهًا من قِبَل الجمهور الإسرائيلي. فقط في السنوات الأخيرة، وبعد أن وصل إلى منصب رئاسة الدولة إثر فضيحة الرئيس السابق كتساف الذي لا يزال يقبع في السجن، فقد بدأت شعبية شمعون بيرس تظهر على العلن.

والآن، وفور نشر خبر وفاته فقد انهالت كلمات التأبين إلى إسرائيل وشعبها، كما تقاطرت الوفود من شتّى أنحاء العالم وعلى رأسها الرئيس الأميركي الحالي، أوباما، والأسبق كلينتون، وانتهاءً بالرئيس الفلسطيني محمود عبّاس. ملوك، أمراء ورؤساء جاؤوا تكريمًا لهذا الرجل الذي لا يمكن البحث في التاريخ الإسرائيلي منذ قيام إسرائيل دون العثور على آثار لأصابعه المحرّكة للكثير من قضاياها، بعضها في العلن وبعضها من وراء الكواليس، والكثير منها سيبقى خفيًّا ولن يكشف النقاب عنه في القريب.

مهما يكن من أمر هذا الرجل، فهنالك هاجس واحد قد شغل باله طوال حياته السياسية. هذا الهاجس هو مصلحة شعبه ودفع دولته قدمًا على جميع الأصعدة. فرغم فشله السياسي على الساحة المحلية وانتكاساته الانتخابية المتكرّرة، كان دائمًا يجد لنفسه مقعدًا خلفيًّا في القطار الإسرائيلي السائر قدمًا، أو ويشقّ لنفسه سبيلاً له يسلكه لمواصلة خدمته لشعبه ودولته.

إنّ المتابع العربيّ لما يجري في هذه المنطقة يجد نفسه مضطرّا إلى إجراء المقارنات بين موت هناك وموت هنا، بين موت زعماء هناك و«موت» زعيم هنا. فها هو أكثر الزعماء الإسرائيليين إشكالية من وجهة نظر الجمهور الإسرائيلي يحظى بهذا التكريم المحلّي والعالمي بعد موته، حيث ووري جثمانه في مقبرة «عظماء الأمّة» الواقعة في جبل يحمل اسم هرتسل، مؤسس الصهيونية والمبشّر بإنشاء دولة لليهود في هذه البقعة من الأرض.

كما إنّ المتابع لما يجري في منطقتنا يجد نفسه مضطرًّا إلى استرجاع صور من ذاكرة ليست بعيدة لموت «زعماء» من أبناء جلدتنا. فعلى خلفية جنازة الزعيم الإسرائيلي يتبدّى الفرق جليًّا بين موت هناك وموت هنا. هكذا تعود بنا الذاكرة إلى انتشال «زعيم» عربيّ من حفرة في الأرض في بلاد الرافدين بما ظهر من مهانة في أحواله، وحتّى اقتياده لاحقًا إلى حبل المشنقة. وهكذا أيضًا تعود بنا الذاكرة إلى انتشال «زعيم» عربيّ آخر من حفرة أخرى في أرض عربية أخرى واقتياده وسحله في أبشع صورة. وعلى هذه الخلفية أيضًا تتبدّى بشاعة الصورة التي يعرضها علينا «زعيم» عربيّ آخر وارث للسلطة في بلد عربيّ آخر قد دمّر بلدًا بأكمله جاعلاً منه أنقاضًا فوق رؤوس العباد الذين يدّعي زعامتهم ويدّعي تمثيلهم.

لن نعود بالذاكرة إلى المصائر التي لقيها الخلفاء والأمراء، فقد دوّنها لنا السلف في مأثوراتهم وتناقلتها الأجيال العربية على مرّ التاريخ العربي. وعلى الرغم من كلّ هذه المآسي المتوارثة جيلاً وراء جيل، لم نتعلّم نحن العرب درسًا من تاريخنا الدامي، لم نخلق شعبًا وَلم نبنِ وطنًا جامعًا عابرًا لشراذمنا.

خلاصة الكلام، يسعنا القول إنّه حتّى الموت يفرق بين ثقافة هنا وثقافة هناك. وما لم نتخطَّ هذه العقبة الكأداء، ما لم نجنح إلى حساب النفس، ما لم نأخذ عبرة أو نتعلّم درسًا فإنّنا بلا شكّ مندثرون دارسون. فهل من مجيب؟
*

الحياة، 5 أكتوبر 2016


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • هل البطون والأفخاذ عورة؟

    يتّضح ودون لفّ أو دوران أنّ مصطلح "الشّعب"، فيما يخصّ حضارة العرب لا يعني شيئًا سوى القبيلة. وما لم يواجه العرب هذه الحقيقة، والعمل على تغيير وتبديل هذا الدّيسك الّذي يعمل به حاسوبهم الذّهني...
نصوص نثرية
  • خيوط دخان

    البحث عن المكان هو بحث عن ساكن المكان، صائتًا كان أم صامتًا، رائدًا كان أم جامدًا. الصّامت صائتٌ من حيث هو يُخبر عن حاله بصمته، والرّائد يبحثُ عن أصوات جمدت أصداؤها في حجر، في أثرٍ باقٍ رغم تبدُّل السّنين والأعوام...
    تتمة الكلام

  • كيف يقولون "بدو" بالعبرية؟

    في المعبر الحدودي بين الأردن وإسرائيل، وضمن إجراءات عاديّة، يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر، ثمّ لشبّاك دفع رسوم المغادرة. من هناك تدلفُ إلى المخرج، حيث موقف الباص الّذي سيعبر بك الجسر والنّهر...
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
شعر
  • قصيدة ليست وطنية

    ما كُلُّ، مَنْ وَصَلَتْ
    أَخْبارُهُ الشُّهُبَا،
    فِي قَوْلِهِ أَلَقٌ، أوْ ضَاءَ
    مَا كَتَبَا.

    لكِنَّهُ، يَحْذقُ التَّلْمِيعَ
    فِي صُحُفٍ.
    بَاخَتْ ثَقَافَتُهَا
    وَاسْتُسْخِفَتْ نَسَبَا.
  • دوائر عربية

    عَفْوًا، سَئِمْتُ.
    سَأَرْحَلُ صَوْبَ الغُرُوبِ،

    أُبَدِّلُ

    ما كانَ أَثْقَلَ
    كاهِلِي. حَيْثُ النَّوائِبُ

    تَنْزِلُ
    تتمة الكلام
  • رحلة صوفية

    خُذُوا مِنِّي التِّلالَ،
    وَزَوِّدُونِي بِمَا يَكْفِي مِنَ
    القَلَقِ الدَّفِينِ.

    سَئِمْتُ مِنَ التَّرَدُّدِ
    فِي بِلادٍ، رَمَتْ حُلُمِي
    بِمَاءٍ مُسْتَكِينِ.




موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


شؤون محلية
  • أحلام اليقظة

    منــذ انتخابه لرئاسة الحكومة لم ينحرف الابن بنيامين عن هذه الرؤية. يمكن القول إنه في كل مــا يتعلق بالســلام بين اسرائيل والدول العربية، توجد لرئيــس الحكومة عقيــدة ثابتة اســتوعبها فــي بيــت والــده...
    تتمة الكلام

  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

  • خفايا اليسار الفلسطيني

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...

أرشيف الجهة

 
مختارات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

ترجمات عربية
  • قصائد هايكو

    لِرُؤْيَتِي طَاعِنًا فِي السّنّ،
    حَتَّى البَعُوضُ يَهْمِسُ
    قَرِيبًا مِنْ أُذُنِي.


  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي.

    تتمة الكلام


  • ألجير

    لو كان لي طفلةٌ أُخرى
    لأطلقتُ عليها اسمَ "ألجير"
    وَلكُنتُمْ سَتَحْنون أمامي الطّواقي الكولونياليّة
    وتُكَنّونني "أبو أَلْجيرْ" ...
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة


تصميم: SM
حقوق محفوظة © من جهة أخرى