20 مايو، 2011

نعم، إنّها مؤامرة - ولكنّها حميدة




سـلمان مصـالحة


نعم، إنّها مؤامرة - ولكنّها حميدة


أنظمة العروبة المستبدّة،
على اختلاف تشكيلاتها الطائفيّة والقبليّة، تسارع إلى وسم كلّ من لم يعد يطيق وجودها رابخة رابضة مرخية على صدور البشر كلاكلها، بصنوف التعابير المشتقّة من ذهنيّة التآمر. إنّها تصف كلّ من يرفع صوته ضدّ الاستبداد ناشدًا الحريّة بالـ“مُندسّ“ والـ“متآمر“، وما إلى ذلك من مفردات هذا القاموس الجديد القديم الّذي أتت عليه الأرضة.

وعلى كلّ حال فالـ“مؤامرة“ في العربيّة ليست بهذه المعاني الرديئة التي أضفاها عليها المتآمرون الحقيقيّون في هذا الزّمان العروبي البليد. فلقد ورد في لغة العرب: ”آمَرْتُه في أَمْري مُؤامَرَةً إِذا شاورتُه... وكلُّ من فَزَعْتَ إِلى مشاورته ومُؤَامَرَته، فهو أَمِيرُكَ. ومنه حديث عمر: الرجال ثلاثةٌ - رجلٌ إِذا نزل به أَمْرٌ ائْتَمَرَ رَأْيَه أَي شاور نفسه وارْتأَى فيه قبل مُواقَعَة الأَمر. وقيل: المُؤْتَمِرُ الذي يَهُمُّ بأَمْرٍ يَفْعَلُه... ويقال لكل من فعل فعلاً من غير مشاورة: ائْتَمَرَ، كَأَنَّ نَفْسَه أَمرته بشيءِ فأْتَمَرَ، أَي أَطاعها. ومن المُؤَامَرَةِ المشاورةُ. في الحديث: آمِرُوا النساءَ في أَنْفُسِهِنَّ أَي شاوروهنّ في تزويجهنّ“، (عن لسان العرب، مادّة ”أمر“).

نعم، الانتفاضات التي أطاحت
بالطغاة، وتلك التي ستطيح بمن تبقّى منهم، هي مؤامرة. لا يجب الاستحياء من قول الحقيقة، إذ أنّها مؤامرة حميدة على كلّ حال. لقد ارتأى النّاس في هذه المؤامرة أن لا صمت بعد اليوم على جرائم كلّ هؤلاء الحكّام المتآمرين الحقيقيّين على حياة بني البشر. وأعني بهؤلاء كلّ صنف الحكّام الذي طغوا واستبدّوا. فها هم النّاس على اختلاف أطيافهم، وبعد عقود من الظّلم، لم يعد من خروج النّاس على استبداد هؤلاء بُدُّ.

ولماذا أقول هذا الكلام الآن؟
منذ أيّام لا يفارقني مشهد واحد من مشاهد الانتفاضة السّوريّة ضدّ طواغيت البعث القبليّ المتوحّش. ولكن، فحتّى استخدام نعت ”المتوحّش“ هذا ليس بوسعه أن يفي المشهد المذكور حقّه من القرف والاشمئزاز. إنّ هذا الشّريط هو المثال الأوضح لما يمكن أن يطلق عليه ”جريمة ضدّ الإنسانية“، وهو مصطلح يُلزم بتدخّل من مجلس الأمن الدّولي ويلزم باستخدام القوّة، نعم استخدام القوّة، ضدّ مرتكبي هذا النوع من الجرائم.

والشريط الذي لا يزال موجودًا
في شبكة الإنترنت هو شريط تظهر فيه دبابة سورية يقودها ”جنود“ من صنف أولئك الذين طالما أطلقوا عليهم نعت ”البواسل“ في الإعلام العربي البليد وخاصة من صنف إعلام البعث الفاشي. نعم، هؤلاء الـ“بواسل“ يدهسون بدبّابتهم مواطنًا سوريًّا. ليس هذا فحسب، بل وبعد أن دهست الدبّابة المواطن على الشارع، يقوم جنود آخرون من صنف هؤلاء الـ ”بواسل“ الموجودين في الساحة بسحب الجثّة لوضعها تحت الجنازير لتمرّ عليها الدبّابة مرّة أخرى ولتمزّقها ولتتناثر الأشلاء وتعلق بجنازير دبّابة الـ“بواسل“.

منذ أيّام لا يفارقني هذا المشهد الهمجيّ. ولن أتحدّث الآن عن العالم وعن مجلس الأمن، بل سأتحدّث عمّن ينتمون إلى هذه الـ“أمّة“ التي تسمّى نفسها عربًا. لا أدري كيف ينام من ينتمي إلى هذا الجنس العربي قرير العين إزاء هذه المشاهد المقزّزة؟ بل، كيف يمكن أصلاً أن ينام بشريّ في هذا العالم المفتوح على مصاريعه، أيًّا كان انتماؤه، قرير العين وهو يشاهد على شاشة حاسوبه هذا المنظر القادم من سورية؟

إنّ هذا المشهد الهمجيّ
يختزل في الحقيقة طبيعة هذا النّظام البعثي القبليّ الفاشي. هذه هي حقيقة هذا النّظام منذ أن ظهر على الساحة. كذا كانت حال هذا البعث في العراق وكذا هي الحال في سورية الآن. لقد وجدت نفسي في الأيّام الماضية أتفكّر وأتساءل بشأن هؤلاء ”الجنود البواسل“ الذين يرتكبون هذه الجريمة البشعة. هنالك أمر لا يمكن التهرّب منه. يجب القول على الملأ: إنّ هذا الصنف من الجنود لا يمكن أن يتّصفوا بصفة الجنديّة، لا هم ولا قياداتهم أو آمريهم من زبانية النظام. إنّ هذا الصنف من الجنود وقياداتهم وآمريهم لا يمكن أن يتّصفوا أصلاً بالآدميّة. إنّ هذا الصنف من الجنود ينتصرون فقط على النّاس العُزّل. إنّه صنف لا ينتمي إلى شعب أو إلى بشر. إنّه صنف من الجنود المهزومين في جوهرهم، لأنّهم ليسوا جنودًا وليسوا بشرًا أصلاً، لأنّ صفة البشريّة لا يمكن أن تُدنّس بأمثال هؤلاء.

أتفكّر قليلاً في الأمر، وأتساءل: لا شكّ أنّ لهؤلاء الـ“بواسل“ أهل؛ آباء وأمهات، أشقاء وشقيقات، زوجات وأبناء. فماذا يقولون لأهلهم بعد عودتهم إلى أهلهم، مدنهم وقراهم؟ كيف يتناولون وجباتهم بعد هذه الجرائم؟ كيف ينامون؟ كيف يستيقظون؟ كيف يطرحون التحيّة على جيرانهم؟ كيف يدعونهم إلى فنجان قهوة؟ عمّا يتحدّثون في الجلسات؟ وماذا يخطّطون لأبنائهم وبناتهم؟ هل يذكرون أمام كلّ هؤلاء ماذا فعلوا في ”الجنديّة“؟ هل يحدّثون عن جريمتهم - بطولتهم بنظرهم - أم يبقون ذلك سرًّا؟ وماذا يجيبهم من يسمع أحاديثهم؟ إنّها أسئلة تراودني ولا أجد إجابة عليها.

غير أنّ هنالك شيئًا آخر
لا بدّ من قوله أيضًا وعلى الملأ. إنّ هذه الأمّة الصّامتة أفعالاً والصّائتة أقوالاً هي التي ترعرع في كنفها وعلى تراثها أمثال هؤلاء. إنّ هذا المشهد في الشريط المذكور يختزل أمّة بأسرها، بتراثها وبحضارتها. فكلّ من يغوص قراءة في مصادر تراث وتاريخ هذه الأمّة العربية والإسلامية يعلم علم اليقين أنّ تراث هذه الأمّة مليء بالجرائم ضدّ الإنسانية، فالجرائم مدوّنة بتراث هذه الأمّة العربية وبلغة العرب، وفي الكثير من الأحيان بنوع من التفاخر بها.

إنّ هذا الشّريط المذكور وأشرطة كثيرة مثله، مع ما تثيره من تقزّز واشمئزاز في نفس كلّ بشريّ، تدفع المرء إلى الخجل من الانتماء إلى هذه الأمّة. إنّي أجد نفسي بعد مشاهدة هذا الشريط غيري.

ولهذا يجب أن يرفع الشعار: تعيش، تعيش مؤامرة الناس البسطاء على كلّ أصناف المستبدّين!

والعقل وليّ التوفيق!
*

رابط الشّريط في الـ“يوتيوب“: (الرجاء إبعاد الأطفال عن مشاهدة الشريط حفظًا لسلامتهم وصحّتهم النفسيّة).
***
نشر في: إيلاف“، 20 مايو 2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

هناك تعليق واحد:

  1. تحية
    يا اخي سائق الدبابة كان يتلذذ بتحطيم موتور احد الاهالي. كثيرون ظنوا ما ظن كاتب المقال.
    انا لا ولم ولن ادافع عن العصابة الحاكمة في سوريا. ولكن ارجو الشباب رغم ذلك التريث و التأكد حفاظا على مصداقيتنا.
    شكرا

    ردحذف

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام