27 مايو، 2011

سعيد عقل في الكنيست

سـلمان مصالحة || سعيد عقل في الكنيست

كيف عمل سعيد عقل جاهدًا على إقناع الإسرائيليّين بأهميّة إفساح المجال له أن يُلقي خطابًا، على غرار السّادات، من على منصّة الكنيست الإسرائيليّة؟

قد يكون وقع هذا السّؤال غريبًا بعض الشّيء على مسامع القارئ العربيّ. غير أنّ الإجابة على السؤال يمكن العثور عليها ليس في الوثائق السّريّة الّتي تقبع في الأرشيفات الّتي يغطّيها الغبار، إنّما في مكان آخر أبعد ما قد يتوقّع المرء أن يكون مصدرًا لمعلومات من هذا النّوع. هذه المعلومة، إضافة إلى معلومات أخرى تخصّ السّاحة اللّبنانيّة والعربيّة، كما والإسرائيليّة، يمكن العثور عليها في الكتابات الأدبيّة، وفي الشّعر على وجه الخصوص.

قد يتساءل المرء،، هل يشكّل الشّعر وثيقة يمكن الإعتماد عليها في محاولة فهم تيّارات وأحداث سياسيّة واجتماعيّة؟ الإجابة على ذلك بسيطة، فممّا لا شكّ فيه أنّ الموروث الشّعري، لدينا نحن العرب، كان ولا يزال أحد أهمّ المصادر التّاريخيّة، إذ أنّه دوّن أحداثًا وعقائد وروحًا عربيّة على مرّ العصور، ولا يستطيع الباحث في تاريخ الحضارة العربيّة تجاهله.

لقد تبادرت إلى ذهني هذه التّساؤلات إثر قراءة مجموعة شعريّة عبريّة صادرة حديثًا هذا العام. فمن شأن القارئ لهذا النّصّ أن يقف على حقائق ومعلومات قد تكون لم تصل بعد إلى من يشتغل بالتّاريخ العربيّ الحديث، وخاصة فيما يتعلّق ببعض الجوانب المستترة من الحرب الإسرائيليّة في لبنان في العام 1982. المجموعة الشّعريّة الّتي نحنُ بصددها هي بعنوان “هستننوت”، أي تسلُّل بالعربيّة، للكاتب العبريّ أهارون أمير.

ولكن، وقبل التّطرُّق إلى الوقائع الواردة فيها، يجدر التّنويه أوّلاً بالمؤلّف وهو شاعر وكاتب، مترجم ومحرّر، من مواليد 1923، وقد درس الأدب العربي في الجامعة العبريّة في القدس. طوال فترة طويلة كان، ولا يزال، من دعاة الحركة “الكنعانيّة” في إسرائيل. أي على غرار تيّارات مثيلة، مثل الدّعوى الفرعونيّة في مصر، والفينيقيّة في لبنان، وكلّ تلك التّيّارات الّتي حاولت أن تبحث عن فرادة حضاريّة وبناء هويّة إقليميّة، ذات حضارة علمانيّة، في ظلّ الإخفاقات الّتي كانت من نصيب العروبويّة والإسلامويّة. وأهارون أمير “الكنعانيّ” النّزعة طمح إلى تأسيس الحضارة العبريّة والإسرائيليّة على أساس جغرافي إقليمي بعيدًا عن النّزعة الدينيّة اليهوديّة. ومثلما صارت إليه الحال في سائر الأماكن، مصر أو لبنان، فلم تفلح الدّعوى الكنعانيّة أيضًا في اجتذاب سواد المجتمع الإسرائيلي. ولكن، وعلى الرّغم ذلك، فقد كان لها تأثير ثقافي بيّن فيما مضى. كما لا تزال هنالك بعض الأصوات القليلة الّتي تردّد أصداء تلك الدّعاوى.

كيف تعرّف أهارون أمير على الشّاعر سعيد عقل؟ يذكر أمير أنّ بداية المعرفة كانت عبر الكتب، فهو يتذكر أنّه عندما كان يافعًا كان معجبًا بالكتب، فوقع بين يديه كتاب هو بمثابة دائرة معارف في مجلّد واحد كان صدر في العام 1935. وفي المجلّد عثر على مادّة: “عقل، سعيد”، حيث ذكر فيها أنّه شاعر عربيّ نشر في العام 1932 مسرحيّة توراتيّة بعنوان “بنت يفتاح”. ويتذكّر أهارون أمير وقائع تاريخيّة مثل، كيف عبّرت الكنيسة المارونيّة في العام 1947 عن دعمها لقيام دولة عبريّة تكون شقيقة للبنان، ويشير في كتابه هذا إلى الشّراكة بين سعيد عقل وأنطون سعادة في الحزب الّذي دعا إلى قيام “سوريا الكبرى”، وكيف أنّ أنطون سعادة رأى في مسرحيّة “بنت يفتاح” خدمة للصهيونيّة وقام بفصل سعيد عقل عن الحزب.

بعد عشرات السّنوات كان اللّقاء بين أهارون أمير وسعيد عقل، حيث تمّ ذلك إثر حرب لبنان في العام 1982. كان سعيد عقل واحدًا من بين شخصيّات لبنانيّة أجرى معها إيهود يعاري مراسل التّلفزيون الإسرائيلي مقابلات في بيروت. سعيد عقل أرسل إلى أهارون أمير، مع إيهود يعاري، تحيّات مرفقة بمجموعاته الشّعريّة الموقَّعة. غير أنّ المحادثات بين أمير وعقل أخذت تتطوّر، حيث يذكر أمير: “في محادثاتنا الّتي أخذت تتواتر، كان الحماس مُلتهبًا في جوانحه. لقد رأى في ظهور إسرائيل على أرض لبنان أمرًا ذا مغزى تحريري... وتوقّع قيام عهد قريب بين بلاده وبلادي، يُبشّرُ بالخيرات الجمّة للمنطقة بأسرها” (ص. 16). يضيف أهارون أمير أنّه سمع أثناء لقاءاته في بيروت أمورًا كثيرة تتمشّى مع هذه الرّوح من أفرادٍ ينتمون إلى سائر الطّوائف اللّبنانيّة، مسيحيّة، سنيّة، شيعيّة ودرزيّة.

غير أنّ سعيد عقل، كما يروي أهارون أمير، أراد أن يدخل التّاريخ، بل أكثر من ذلك أراد أن يصنع التّاريخ، وفي القدس بالذّات، ثمّ يضيف: كان سعيد عقل يؤمن أنّ شاعرًا مثله، ذائع الصّيت بين قرّاء العربيّة، سيكون لكلامه وقع على السّامعين. لذلك اعتقد أنّ على حكومة إسرائيل أن تدعوه إلى إلقاء كلمة في الكنيست. سيكون هذا بلا شكّ خطابًا فاتح عهد جديد، على غرار خطاب السّادات، ولذلك حريّ به أن يُسمَع هناك بالذّات... لقد استصعب سعيد عقل سماع أنّ خطابًا في هذا المكان هو أمر محفوظ لرؤساء الدّول فحسب. في نظره كانت هذه الحجّة مستلّة من حُجج الموظّفين الصّغار مقابل حجّته هو، حجّة الشّاعر النبيّ... لكن حينما اقتُرحَ عليه أن يلقي خطابه على الجبل، كما فعل اللّورد بلفور في افتتاح الجامعة العبريّة، رأى في ذلك بديلاً لائقًا لرجل في مثل مكانته... ولأجل هذا الحدث أفردت الجامعة العبريّة قاعة احتفاليّة مع دعوات خاصّة لثلاثمائة شخص إضافة إلى ممثّلي وسائل الإعلام..” (ص 19-20).

“بعد انتخاب بشير الجميّل في الـ 23 من شهر آب رئيسًا للبنان بدأ سعيد عقل يُعدّ العدّة لخطابه الموعود الّذي كان من المفروض أن يلقيه في الموعد الّذي اتفقنا عليه، وهو بداية أكتوبر” (ص 21). أمّا الرّوح الّتي كانت ستحملها كلمة سعيد عقل إلى السّامعين في القدس فهي: “صورة الماضي العريق تُشعّ، حاضرٌ ينبعث من جديد، مُستقبلٌ باهر يُبارك صانعيه بالسّلام، كما في عهد سليمان وحيرام” (ص 21). لقد عمل سعيد عقل أيّامًا وليالي على كتابة الخطاب الموعود، وفي الأسبوع الأوّل من أيلول كانت المسوّدة الرّابعة عشرة حاضرة بصيغتها النّهائيّة، بالفرنسيّة وبالعربيّة، بفضل مساعدته الأرمنيّة.

في الثّالث عشر من أيلول، يكتب أهارون أمير، كان من المفروض أن أصل إلى بيروت، وفي صبيحة اليوم التّالي سأكون في مكتبه الواقع في سنّ الفيل، للوقوف على الصّيغة النّهائيّة لخطابه الّذي كان من المفروض أن أترجمه إلى العبريّة.

“حين اقتربت سيّارتنا من مداخل بيروت في الموعد المحدّد، كان كان الظّلام مخيّمًا والإزدحام شديدًا. أدرنا مؤشّر الرّاديو إلى أذاعة الجيش الإسرائيلي لسماع آخر الأخبار، فإذا بنا نسمع خبر انفجار سيّارة مفخّخة في الأشرفيّة. في البداية ذُكر أنّ الرّئيس نجا من الإنفجار ولذلك أطلقت عيارات الفرح في الشّوارع. “فقط ساعةً واحدةً قبل انتصاف اللّيل، في مقرّ قيادة "أبو أرز" اتّصل شخص وأكّد خبر مقتل الرّئيس... أمور كثيرة دُفنت في الحُطام، من بينها الخطاب التّاريخي لشاعر كبير غزا الشيبُ مفرقَه، عالي الهمّة، رجل الأحلام والرّؤيا، واسمه سعيد عقل” (ص 22).

القران الّذي عمل سعيد عقل جاهدًا على عقده بين الفينيقيّة والكنعانيّة، بين لبنان وإسرائيل، قد دُفن في لحظة واحدة تحت حطام المقرّ في الأشرفيّة، بالضّبط مثلما دُفن حلم قران سعيد عقل وشابّة درزيّة متمرّدة من الفرع الجنبلاطي، وهذه أيضًا معلومة أخرى في هذه المجموعة الشّعريّة العبريّة الّتي تروي الأخبار على غرار أيّام العرب في الجاهليّة.
*
نشرت في ملحق تيارات، “الحياة”، 1 تموز، 2001
__________________________

مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام