9 يونيو، 2011

العقل في الرأس زينة

سلمان مصالحة

العقل في الرأس زينة

"الإنسانُ - كائنٌ يَبحثُ عن معنى" (أفلاطون)

أمّا بعدُ،
فقد درجَ العامّةُ لدينا، حينما لحظوا شخصًا ينفّذ عملاً يشوبه بعض الغباء، على إطلاق المقولة الشّعبيّة "العقل في الرّأس زينة". لقد قالوها تفكُّهًا على ما آل إليه صنيع ذلك الشّخص وتهكُّمًا به وبغبائه. والمقولة، على ما فيها من دعابة شعبيّة بريئة، تحمل في طيّاتها قولاً حكيمًا ينهلُ من موروث مغرق في القدم. فمثلما ذكر التّراث المشرقي القديم أنّ الإنسان هو تاج الخليقة، كذا هي الحال مع العقل في هذا التّاج، فالعقل هو درّة هذا التّاج المنصوب على رأسه، وهو، إذن، زينة هذا الرأس في نهاية المطاف.

وقد آن أوان أن ننظر قليلاً في هذه المسألة لما فيها من عون لذوي الألباب في فتح الأبواب أمامهم للوصول إلى سواء السّبيل. وما مرادي من هذا الكلام سوى شحذ الهمّة لدى بعض نفر هذه الأمّة ابتغاء الخير لها، ورفع ما ربخَ على أكتافها من غمّة.

في البدء نسألُ،
لماذا سُمّيَ هذا الجوهرُ اللّطيف، الكامن في الرأس الكثيف، عقلاً أصلاً؟ وللإجابة على السؤال حريّ بنا الذّهاب أوّلاً إلى الدّلالة اللّغويّة لهذا التّعبير. فالعقلُ، كما هي الحال مع الكثير من المصطلحات العربيّة مردّها إلى الصّحراء، وإلى البعير على وجه التّحديد، فقد قيلَ: "العقلُ مأْخوذٌ من عِقَال البعير" (عن: لسان العرب)، وَ"عقلَ البعيرَ: شَدَّ وظيفَهُ إلى ذراعه." (عن: القاموس المحيط)، وكذا هو رأي ابن الأنباري: "رَجُلٌ عاقِلٌ: وهو الجامع لأَمرِه ورَأْيه. مأْخوذٌ من عَقَلْتُ البَعيرَ، إِذا جَمَعْتَ قَوائمَهُ." (عن: محيط المحيط). أي أنّ العقل، في النّهاية "مشتقّ من العقل، بمعنى الرّبط والإحكام، كما قال بعض الحكماء." (عن: لسان العرب). فالعقل إذن هو الرّبط، أي النّظر في ما يُحدق بالإنسان من أمور شَتّى، المُجسَّدَة منها والمُجرَّدَة، ابتغاء الوصول إلى مفاهيم علميّة، ثقافيّة، اجتماعيّة وغيرها من أمور تواجه الإنسان في مسيرته على هذه الأرض وفي هذا الكون. فقد قيل إنّه: "جوهر مُجرَّد يُدرِك الغائِيَّات بالوسائِط والمحسوسات بالمشاهدة." (عن: لسان العرب).

هذا من ناحية الاشتقاق اللّغوي للتّعبير. أمّا من ناحية التّعريف، فقد قيل الكثير الكثير عنه. من بين ذلك ما ذكره الفيروزاباذي، ناقلاً عن الرّازي، أنّ العقل هو: "العِلْمُ بِصفاتِ الأَشْياءِ من حُسْنِها وقُبْحِها وكَمَالِها ونُقْصانِها." (عن: القاموس المحيط). أمّا ابن منظور فيقتبس، في معرض تعريفه للعقل، من تعريفات الجرجاني أنّ العقل هو: "جوهرٌ مُجرَّدٌ عن المادَّة في ذاتهِ، مقارنٌ لها في فعلهِ." (عن: لسان العرب).

غير أنّ الفقهاء
الّذين يعتبرون هذه الملكة نورًا روحانيًّا يقصرونها على الأمر والزّجر، أو الأوامر والنّواهي فحسب: "والمراد من العقل، ملكةٌ وحالةٌ في النّفس تدعو إلى اختيار الخيرات والمنافع واجتناب الشّرور والمضارّ، وبها تقوى النفسُ على زجر الدّواعي الشّهوانية والغضبية والوساوس الشيطانية." (عن: محمّد باقر المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول). أو كما يذكر سريّ السّقطي: "العقل: ما قامت به الحجة على مأمور ومنهي". كما أنّهم خلطوا بين النّفس والذّهن والعقل، واختلفوا في محلّ تواجد هذه الملكة: "وقيل العقلُ والنّفسُ والذّهنُ واحدة إلا أنّها سُمِّيَت عَقْلاً لكونها مُدرِكةً. وسُمِّيَت نفسًا لكونها مُتصرِّفةً وسُمِّيَت ذهنًا لكونها مستعدّة للإدراك. وقال أيضًا العقلُ ما يعقل بهِ حقائِق الأشياءِ. قيل مَحلُّهُ الرأس. وقيل محلُّهُ القلبُ." (عن: لسان العرب).

وبسبب الاشتغال بهذه المسائل، فقد ترك لنا التّراث الإسلامي أيضًا أحاديث نبويّة تتعلّق بهذا الجسم اللّطيف الّذي يُسمّى العقل. مثال على ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود: "عن عبد الله بن مسعود -رض-، قال: قال رسول الله -صلعم-: لمّا خلقَ اللهُ العقل قال له : أقبل فأقبل، وأدبر فأدبر، فقال له : ما خلقتُ خلقًا أحبّ إلي منك، ولا أركبك إلا في أحبّ الخلق إلي." (عن: إبن الأثير، جامع الأصول من أحاديث الرّسول). وهذا الحديث ينتقل ويتكرّر بروايات مختلفة واختلافات طفيفة في كثير من المصادر (أنظر مثلاً: إبن حنبل، كتاب الزّهد؛ الطّبراني، المعجم الكبير؛ البيهقي، شعب الإيمان؛ الغزالي، إحياء علوم الدّين؛ التّبريزي، مشكاة المصابيح؛ السّيوطي، الدّرّ المنثور، وغيرها). لقد ثار جدل بشأن صحّة هذا الحديث أصلاً، وبشأن أوّليّة خلق العقل، فقد قال الحافظ ابن حجر: "والوارد في أوّل ما خلق الله حديث أوّل ما خلق الله القلم، وهو أثبتُ من حديث العقل." (عن: الشّافعي، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة النّاس).

مهما يكن من أمر،
أكانَ الحديث موضوعًا أم لا من وجهة النّظر الإسلاميّة، فإنّه يشير إلى انشغال العلماء في فترة لاحقة من التّاريخ الإسلامي بقضايا بدأت تظهر على السّاحة مع التقاء المجتمع البدوي الخارج من جزيرة العرب بالحضارات الأخرى وظهور النّزعات الفلسفيّة عبر ترجمات من الحضارات الّتي انشغلت بالتّجريد، بخلاف الحضارة العربيّة الّتي عرفت التّجسيد ليس إلاّ. في الحقيقة، لا يمكن أن تكون الأحاديث الّتي جمعت ودوّنت بعد قرنين من الزّمان على الدّعوة إلاّ موضوعة بالقوّة وبالفعل. لكن، لسنا بصدد هذه المسألة، غير أنّ ما يلفت الانتباه هو أنّنا نسمع صدى هذا الجدل الفقهي مع الفلسفة، أي الحكماء، من خلال ما أورد الشّافعي: "إن العقول عند الحُكماء أوّل المخلوقات، وإنّ العقلَ عندهم أعظمُ الملائكة وأوّل المبدعات." (عن: الشّافعي، كشف الخفاء).

في نهاية المطاف، ليس فقط أنّ العقل هو ما يفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات فحسب، بل هو الحدُّ الفردانيّ للمخلوق البشريّ الّذي يفرق بينه وبين سائر أبناء جنسه من هؤلاء البشر، أو "هو الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم"، أي أنّ العقل هو الـ"أنا" على الإطلاق، كما يذكر الجرجاني بالنّسبة للعقل، فيقول: "وهي النّفسُ الناطقةُ التي يشيرُ إليها كلُّ أحدٍ بقولهِ: أنا." (عن: الجرجاني، التّعريفات).

من هذا المنطلق،
عندما ندعو إلى تفعيل العقل وإعلاء شأنه لدى أبناء جلدتنا فنحن إنّما ندعو إلى إعلاء شأن الإنسان، كلّ إنسان، في نهاية المطاف. فهذه الدّعوة هي دعوة إلى إعلاء شأن حدِّ بشريّته بوصفه كائنًا يبحث عن معنى. والبحث عن معنى، أي البحث عن معارف. والمعارف لا يمكن أن تُقتنَى بالإكراه، ومثلما ذكر أفلاطون فإنّ "المعرفة الّتي تُقْتنَى بالإكراه لا تَعلقُ بالعقل، كما أنّ المعرفة تتحوّل شرًّا إنْ لم تكن غايتُها أخلاقيّة".

لهذا السّبب، نرى على مرّ تاريخنا العربيّ أنّ الأوامر والنّواهي لا تصمد أمام الواقع. إنّها لا تصمد لأنّها تأتي بالإكراه ولذلك فهي لا تعلق بعقول البشر. وربّما خير مثال على ذلك ما يُنشر من إحصاءات في شبكة الإنترنت، فقد نشر أكثر من مرّة أنّ العرب هم أكثر شعوب الأرض بحثًا عن مفردة "جنس" ومشتقّاتها في الشّبكة. أليس في ذلك عبرة لذوي الألباب؟

لذلك، ليس فقط أنّ العقل في الرأس زينة، بل نواصل التّأكيد على الخير الكامن في هذه الملكة المسمّاة العقل، ففي نهاية المطاف فإنّ العقلَ وليّ التّوفيق.

وبهذه المناسبة نتمنّى للبشر أجمعين: كلّ عام وأنتم بعقل.
*
نشر في: ”إيلاف“، 22 ديسمبر 2007
________________


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام