9 يونيو 2012

أبو الهول في خطر

ليس من السّهل الوقوف علنًا ضدّ هذه الثقافة وضدّ هذه التيّارات الجارفة، ولكنّي أرى أنّ هذا الوقوف ضدّ التيّار العنيف هو ما ينفع النّاس ويمكث في الأرض في نهاية المطاف.


سلمان مصالحة || أبو الهول في خطر

أوّلاً: ممّا لا شكّ فيه

أنّ الدولة العربية الكبرى التي درج أهلها على تسميتها بـ”أمّ الدنيا“ تمرّ الآن في مرحلة حرجة. فمن جهة يشهد هذا البلد العربي الكبير مخاضًا فريدًا من نوعه، ويمرّ بتجربة فريدة لم يشهد مثيلاً لها في تاريخه منذ أزمان طويلة طويلة.

في البداية، ورغم المشاكل العويصة العالقة التي يواجهها هذا البلد منذ عقود طويلة، لا يسعنا إلاّ أنّ نُحيّي أهل هذا البلد على سير العملية لانتخابية. في الحقيقة تفجّرت الانتفاضة المصرية ضدّ طبيعة الحكم التي سادت في هذا البلد منذ انقلاب يوليو 1952، الذي سُمّي خطأ ثورة. فلقد بدأ ذلك الانقلاب عهدًا جديدًا، ولكنّه كان على غرار الملكية السالفة، متمثّلاً في تأبيد الرئيس الواحد الأحد على هرم السلطة دون أيّ إمكانية للاختيار بين عدّة مرشّحين. وهكذا شكّل ذلك الانقلاب ”أسوة سيئة“ لسائر الأقطار العربيّة، الـ ”ميد إن سايكس-پيكو“.

تجدر الإشارة إلى أنّه ورغم الشعارات الثورية والاشتراكية والعروبية التي دغدغت العواطف وجيّشتها جاعلة منها طوال عقود طويلة كواتم عقول على رؤوس الأجيال العربية، وهي ذات الشعارات التي تسيّدت المشهد السياسي المصري منذ يوليو 52 ذاك، فإنّ المصريّين هؤلاء لم يذوقوا في الواقع حياة ديمقراطية حقيقية في يوم من الأيّام.

والآن، وبعد طول انتظار
ليس فقط أنّهم هبّوا وأجبروا الرئيس على الرّحيل، بل وصلوا إلى وضع ينتخبون فيه مرشّحًا للرئاسة من بين عدد لا بأس به من المرشّحين. بل، وأكثر من ذلك، فها هم يُقدّمون الرئيس السابق إلى محاكمة.

مهما قيل ويُقال عن هذه المحاكمة، فهي على الأقلّ تُحسب لصالح النّظام القضائي المصري، وللمصريّين على العموم. صحيح أنّ محاكمة من هذا الحجم ومن هذا النّوع لا يمكن أن تكتمل بهذه السرعة، إذ أنّ محاكمات من هذا النّوع، لو أريد لها أن تتأسّس على الأصول القضائية التي من المفروض أن تكون في جوهر العدل، فإنّّها ستستغرق أعوامًا. إذ، هنالك حاجة إلى عرض كلّ شيء على هيئة القضاة، بإرفاق الشهادات والبيّنات جميعها. وهذا لا يمكن أن يُستكمل خلال شهور معدودة.

على أيّ حال،
لا أستطيع أن أفهم كلّ هؤلاء الدّاعين إلى تنفيذ حكم الإعدام. وحول هذه المسألة يجب التمييز بين الدعوات الشعبية بهذا الخصوص، وبين الدعوات التي تأتي من صنف بعض الكتّاب العرب. إذ أنّ الثورة الحقيقيّة في نظري هي التي تحاول أن تضع حدًّا لثقافة الإعدامات أصلاً. لأنّ من ينشد الوصول إلى حالة مدنيّة متقدّمة، وإلى دولة مدنيّة معاصرة، يجب أن يقطع الحبل الذي يصله بثقافة عنيفة من هذا النّوع، الذي يشكّل الإعدام في الساحات العامّة أكبر مثال عليها.

ليس من السّهل الوقوف علنًا ضدّ هذه الثقافة وضدّ هذه التيّارات الجارفة، ولكنّي أرى أنّ هذا الوقوف ضدّ التيّار العنيف هو ما ينفع النّاس ويمكث في الأرض في نهاية المطاف.

مصر أدرى بشعبها وبشعابها
وعلى الرّغم ما قد يُقال عن طبيعة النّظام المصري الآفل، غير أنّه وبالمقارنة مع سائر الأنظمة العربية فقد كان يشتمل على هامش من الحرية التي تفتقر لها سائر الأنظمة العربية، باستثناء النّظام اللبناني الذي انبنى أصلاً على مقياس مسطرة طائفيّة ويعمل بموجب توازنات طائفيّة متجذّرة فيه منذ تأسيسه.

ولأنّ مصر أدرى بشعبها وشعابها، فقد أفرزت الانتخابات الرئاسية مرشّحين للانتخابات المعادة. وهكذا وجدت أهل مصر أنفسهم الآن على مفترق طرق. لا أدري كيف سيتعامل المصريّون مع هذه الحال الآن. ولكن، لا بدّ من الإشارة في هذا المأزق إلى ما قد يأتي به المستقبل من مخاطر على هذا الشعب.

أبو الهول في خطر:
في ثمانينيات القرن المنصرم زرت مصر مرّتين للسياحة وللتعرّف على أجوائها. لقد جلت في القاهرة وزرت الاقصر وأسوان وغير مكان في أرض الكنانة، ولا زلت للآن أتذكّر طيبة قلب المصريّين رغم شظف العيش ورغم الحياة الصعبة والرّكض وراء لقمة العيش.

وبهذا الصدد، ما من شكّ في أنّ المصريّين يعرفون أنّ نسبة عالية من الاقتصاد الوطني المصري تعود إلى السياحة العالمية في هذا البلد الغنيّ بالآثار والحضارة الفرعونية القديمة، القبطية ثمّ الإسلامية وصولاً إلى يومنا هذا. فالسياحة هي مرفق هام في تأمين لقمة العيش.

ولمّا كانت هذه هي الحال المصريّة، فإنّ سيطرة الإخوان المسلمين على مقاليد السلطة ستشكّل خطرًا داهمًا على هذا المرفق المركزي في الاقتصاد المصري. إذ يعلم الجميع أنّ السياحة تزدهر في الدول المستقرّة، وفي الدول المستقرّة والمنفتحة على العالم الواسع، والتي تحافظ على حريّات الأفراد في المعتقد، وفي الملبس والمشرب وكلّ ما تحمله الحريّة الفرديّة ضمن القوانين المدنية من المعاني النبيلة.

إنّ استحواذ الإخوان المسلمين على مصر سيعيدون مصر قرونًا للوراء. ستتقلّص المعونات الخارجية وستُغلق أبواب السياحة العالمية في هذا البلد العريق، وسيزيدون مصر فقرًا على فقر.

بل وأبعد من ذلك،
إنّ السؤال الذي يعلو في ذهني في هذا الأوان هو: هل ستشهد مصر حالة طالبانية؟ وبكلمات أخرى، هل سنشهد في المستقبل المنظور، فيما لو استحوذ هؤلاء الإسلاميّون على مقاليد السلطة، بروز تيّارات سلفيّة طالبانيّة تبدأ بتفجير ”أبي الهول“، أو المعابد الفرعونيّة والآثار بما تشتمل عليه من تماثيل، على غرار ما فعلته حركة الطالبان مع تمثال بوذا في باميان؟ فتماثيل الآلهة المصرية القديمة لا تختلف بنظر هؤلاء السلفيّين عن تمثال بوذا، فكلّ هذه التماثيل - الأصنام - في الكراهية السلفيّة، وليس في الهوى، سوا.

هذا هو مفترق الطرق الذي تقف فيه حائرة مصر الآن. أليس كذلك؟
*
نشر في: إيلاف، 9 يونيو 2012
---

مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام