الجامعة العربية بين الإنترنت والإعراب

أرشيف: الحياة - فبراير 2004:

موقع الجامعة العربيّة في الإعراب:


قد تكون ثورة الإنترنت، على سبيل المثال، سلاحًا ذا حدّين. فبوسع هذه الشبكة العالمية أن تشكّل مصدرًا معرفيًّا يصل أطراف العالم ببعضه البعض من خلال وجود حاسوب بسيط في أماكن نائية من العالم. لكن، من جهة أخرى وإذا لم يتمّ استخدام الشّبكة بما تتيحه من إمكانات، فقد تتحوّل الشّبكة إلى أداة لإشاعة الجهل والذّوق السّوقي.


سلمان مصالحة

الجامعة العربية بين الإنترنت والإعراب

كثيرًا ما يُشاع ويُكتب في الصحافة العربيّة عن ثورة المعلومات التي تجتاح العالم، وعن أهميّة اللّحاق بهذا بقطار هذه الثّورة الّذي انطلق على هذه السكّة، والّذي لن يكون في وسع أحد أن يوقفه. فإمّا أن تغذّ المجتمعات والدّول الخطو ورائه لتتعمشق به وتأخذ لها مقعدًا فيه، وإمّا ستجد نفسها ملقاة على قارعة الطّريق بعيدًا بعيدًا عن هذا الرّكب الحضاري المتسارع. ولكن، ومن أجل اعتلاء هذا القطار، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلّق بالمجتمعات العربيّة، هنالك حاجة إلى مؤسّسات ووزارات وحكومات تضع نصب أعينها هذا الهدف النّبيل ثمّ تفرد له الميزانيّات الملائمة. هذا، إذا كانت هذه المؤسّسات حقًّا تؤمن بالشّعارات الّتي تطلقها في وسائل الإعلام.

قد تكون ثورة الإنترنت، على سبيل المثال، سلاحًا ذا حدّين. فبوسع هذه الشبكة العالمية أن تشكّل مصدرًا معرفيًّا يصل أطراف العالم ببعضه البعض من خلال وجود حاسوب بسيط في أماكن نائية من العالم. لكن، من جهة أخرى وإذا لم يتمّ استخدام الشّبكة بما تتيحه من إمكانات، فقد تتحوّل الشّبكة إلى أداة لإشاعة الجهل والذّوق السّوقي. من هنا، فإنّ الفرد الّذي يقف أمام هذا الكمّ الهائل من المعلومات يجب أن يتزوّد ببعض المفاتيح حتّى يتسنّى له فتح أقفال هذه الغرف المتشعّبة، ومن ثمّ معرفة السّبيل إلى الخروج منها بزاد ما يمكث في الذّهن وفي الأرض. ليس هذا فحسب، بل على كلّ من يرغب في عرض بضاعته على العالم، من خلال اقتناء كشك افتراضيّ في هذه المتاهة، أن يعرض على روّاد هذا المعرض الكونيّ القادمين من كلّ أنحاء الدّنيا شيئًا ما قد يرغبون في الاستفادة منه والتزوّد به في رحلاتهم المعرفيّة.

وددت أن أقدّم ببعض هذه الكلمات التّعميميّة للحديث عن أحد المواقع العربيّة الّتي كان من المفروض أن يكون بغير ما هو عليه، وأقصد موقع جامعة الدّول العربيّة على الإنترنت. فماذا يقدّم هذا الموقع لزائره العربيّ، أو الزّائر الأجنبي، حيث يعرض الموقع نفسه بالإنكليزيّة إضافة إلى العربية؟ لقد تمّ تقسيم الموقع إلى أبواب، كما لو أنّ القائمين عليه يرغبون في التّسهيل على الزّائر مشقّة الولوج في ثناياه والاقتباس من أنواره.

إذن، لنأخذ هذا الموقع مثالاً، ولنبدأ بتصفّحه. ماذا يحوي الباب الّذي عنوانه قضايا عربية؟ إنّه يقدّم عرضًا أخباريًّا مبسّطًا لقضيّة أسلحة الدّمار الشّامل، ثمّ يعرض بيان مجلس الجامعة من العام 1989، ثمّ يقدّم خبرًا عن اجتماع دمشق في العام 1991، وأخيرًا ينشر قرارًا من العام 1991 يرحّب بعودة السّيادة للكويت. ماذا يعني هذا؟ معنى ذلك أنّ مدّة تزيد على عقد من الزّمن المتّسارع لا وجود لها في موقع جامعة الدّول العربيّة. لننتقل إلى الباب الّذي سمّي بالتّضامن العربي. فماذا تحتوي خانة التّضامن العربي؟ استمعوا: بيان تضامن مع السّودان، بيان تضامن مع جمهورية القمر، وأخيرًا بيان تضامن مع الصّومال. هذا هو كلّ التّضامن العربي في موقع جامعة دول العربان. ولا يكتفي الموقع بذلك، بل يفرد بابًا اسمه قضايا أخرى. فماذا تشمل القضايا الأخرى؟ إنّها تشمل عرضًا أخباريًّا عن احتلال إيران للجزر الإماراتية، عرضًا لقضيّة المياه، الحالة بين العراق والكويت، العلاقة العربية الصينيّة وأخيرًا التّعاون العربي الإفريقي. وحتّى لا يشكّ أحد من الزّوّار بأنّ الجامعة تفرّط بقضايا عربيّة مصيريّة فهي تفرد بابًا آخر وتضع له عنوان “القدس”. وهو باب يشتمل على معلومات مستقاة ربّما من كتب مدرسيّة قد لا تنفع حتّى للصّفوف الابتدائيّة.

يحتوي الموقع على باب آخر عنوانه الحضارة العربيّة. نعم، ألسنا ندّعي أنّنا أمّة حضاريّة؟ لذلك حريّ بنا أن نعرض حضارتنا العريقة. فماذا يحتوي باب الحضارة العربيّة في موقع الجامعة المعروض على أمم العالم؟ إنّه باب يحتوي على كلمات إنشائيّة بليدة من صنع موظّفين، إضافة إلى بيانات وأخبار عمرو موسى ليس إلاّ. ربّما وجد السيّد عمرو موسى له خانة افتراضيّة لعرض أخباره بعد أن اختفى عن شاشات التّلفزيون. هذه هي الحضارة العربية كما تفهمها جامعة الدّول العربية. أمّا الباب الّذي أطلق عليه اسم المجتمع العربي والشّباب العربي، فماذا يرد فيه؟ لا شيء. نعم، لا شيء.

هذا كلّ ما يحتويه موقع جامعة الدّول العربيّة على شبكة الإنترنت. وإذا لم تصدّقوا ما أقول فاذهبوا إلى الموقع وشوفوا بأنفسكم. والسّؤال الّذي يجب أن يطرح على الملأ الآن هو، أين تذهب كلّ ميزانيّات عشرات الملايين من الدّولارات الّتي تنفق على جامعة الدّول العربيّة؟ أليس من الأفضل صرف عشرات ملايين الدّولارات هذه على مدارس وكليّات حقيقيّة بدل تبذيرها على هذه المؤسّسة؟ ثمّ، ألا يخجلون أصلاً من استخدام مصطلح الجامعة؟ واللّه، حرام أن يُصرف قرش واحد على مؤسّسة من هذا النّوع. وإذا استعنّا بمصطلحات النّحو العربيّ لتوصيف هذه الجامعة فهي حرفٌ زائد لا محلّ له في الإعراب، لا حاجة إليه ويمكن شطبه.

نشر: “الحياة”، 1 فبراير 2004
*
For English, press here

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics