في مديح سايكس-بيكو



يمكننا القول إنّ كلّ الشعارات الفضفاضة عن الأمّة والعروبة والثورة والاشتراكية، وما شابه ذلك من صمود وتصدّ ومقاومة وممانعة إلى آخره كانت في الواقع ذرائع في أيدي الأنظمة لمواصلة الفساد والاستبداد والاستمرار في إفقار واستعباد العباد.

سلمان مصالحة || 

في مديح سايكس-بيكو


لا شكّ أن العالم،
بأممه، شعوبه ودوله يتعامل مع بعضه البعض من منطلق المصالح. هذه هي سنّة الحياة بين الأفراد في المجتمعات، وكذا هي الحال بين الأمم. ولماذا أسوق هذا الكلام الآن وفي هذا الأوان بالذات؟ أسوق هذا الكلام الآن، إذ أنّه ومنذ هبوب نسائم ما سُمّي بـ”الربيع العربي“، وعلى وجه الخصوص منذ تعمّق الأزمة السورية وتعاظم البطش والتقتيل في سورية وحصائل المجازر اليومية التي يرتكبها النّظام البعثي الفاشي بحقّ الحجر والشجر والبشر في بلاد الشام، فقد كثرت الأحاديث وشاعت الأقاويل في الفترة الأخيرة عن ”مؤامرة غربية“ لتفتيت وإعادة تشكيل المنطقة على غرار ”سايكس بيكو“.

المصالح، إذن، هي التي تتشكّل بموجبها
العلاقات بين الشعوب والأمم. فمثلما للغرب مصالح، كذا هي الحال بالنسبة للشرق والشمال والجنوب. ومثلما لأميركا وأوروبا كذلك لروسيا والصين وما سواهما. فروسيا بوتين لا تدعم نظام البعث الفاشي لسواد عيون الأسد ولا رغبة في مصلحة الشعب السّوري. وإيران الملالي لا تدعم النّظام البعثي الفاشي، ”العلماني ظاهريًّا“، رغبة منها في تكريس العلمانية في هذه البقعة من الأرض. كما إنّ إردوغان لا يتحدّث عن غزّة وفلسطين إلاّ لغرض في نفس رجب طيب وحزبه. كذا هي حال سياسية المصالح، وكذا هي حال ألعاب القوى والميدان في العلاقات الدولية.

العالم العربي، كما يتبدّى
للنّاظر الّذي يحاول الحذر من الوقوع في شرك العواطف، هو أشبه بالرّجل المريض في هذا الأوان. فكلّ هذه العقود الطويلة من ”الاستقلالات الوطنيّة“ لم تأت بما يروي ظمأ أو يسدّ رمق هذه الشّعوب، عاربة ومستعربة، على شتّى مللها ونحلها، بطونها وأفخاذها. بل يمكننا القول إنّ كلّ الشعارات الفضفاضة عن الأمّة والعروبة والثورة والاشتراكية، وما شابه ذلك من صمود تصدّ ومقاومة وممانعة إلى آخره كانت في الواقع ذرائع في أيدي الأنظمة لمواصلة الفساد والاستبداد والاستمرار في إفقار واستعباد العباد.

فعلى سبيل المثال، فقبل أسابيع قليلة نشر تقرير سنوي عن تدريج جامعات العالم، فيتبيّن أنّه لا توجد جامعة عربية واحدة ضمن الجامعات الخمسمائة الأولى في العالم. إذن، أين هي كلّ هذه العقود من الشعارات الرنّانة. ومن ذا الّذي منع كلّ هذه الأنظمة الفاسدة من توظيف الأموال ودفع التعليم في بلادها. إنّ أسهل الطرق للتنصّل من المسؤولية عن هذه الأوضاع هي بإلقائها على عاتق عدوّ مُتوهَّم يحيك المؤامرات في الخفاء، مرّة لنهب الأموال ومرّة لتشكيل خارطة سايكس-بيكو جديدة. وكأنّ العالم بأسره، لا همّ له سوى حياكة المؤامرات ضدّ العرب بالذّات، وكأنّ العالم بأسره هو الّذي خلق هذه التشكيلة الغريبة العجيبة من الناس. لقد نسي هؤلاء أنّ هذه الملل والنحل متناحرة متنافرة فيما بينها منذ أن ظهرت على مسرح التاريخ.

سخف اليسار العربي:
رغم إنّي أقف في النقيض من التوجّهات الإسلامويّة، إلاّ أنّي أفهم هؤلاء عندما يتحدّثون عن سايكس -بيكو. إذ أنّ هؤلاء الإسلامويّين لا تعنيهم الحدود الوطنيّة، ولا الأقطار والقوميّات المشتقّة منها. لقد ذكر ذلك صراحة مرشد الإخوان المسلمين سابقًا في مصر المحروسة، عندما صرّح علانية بما معناه: ”طزّ في مصر وأبو مصر“. وعلى غرار ذلك المرشد الإخواني فإنّ لسان حال الإسلامويّين في كلّ قطر من أقطار العرب لا شكّ يقول: ”طزّ في تونس، وطزّ في العراق، وطزّ في فلسطين وطزّ في سورية، إلخ“. هذه هي رؤاهم وهم يجاهرون بها.

لكنّ اليسار العربي على العموم، والقومويّون على اختلاف تيّاراتهم، يظهرون من الجهة الأخرى متربّعين في قمّة السخف عندما يتحدّثون عن مخاطر مشروع سايكس-بيكو جديد. أقول إنّهم يظهرون بهذا القدر من السخف لأنّّهم عندما يتحدّثون عن الشعوب العربية وحقوقها في تقرير المصير، وعن التراب الوطني وحماية الحدود وما إلى ذلك فإنّما يؤكّدون بتوجّهاتهم هذه وبشعاراتهم هذه كلّ تلك الحدود التي رسمتها خارطة سايكس-بيكو.

مديح سايكس-بيكو:
فلولا خارطة ”سايكس-بيكو“ هذه ما كان بوسع الوطني اللبناني أن يتغنّى بلبنانيته، وما كان بوسع السوري أو العراقي أن يتغنّى بسوريته وعراقيته، وفوق ذلك ما كان الفلسطيني ليتغنّى بفلسطينيته ووطنيّته لولا ما أفرزته هذه الخارطة التي رسمها الاستعمار. فعندما تسأل اللبناني: ما هي لبنانيّتك وما هي حدود لبنانك؟ يسارع بالإجابة فيتبيّن لك أنّها حدود سايكس-بيكو. وعندما تسأل الفلسطيني يردّ عليك بمثل ذلك، فيتبيّن لك أنّ حدود فلسطينه هي حدود سايكس-بيكو. وعلى هذا المنوال يردّ الآخرون من مراهقي العروبة أو من شائخي الوطنيّة في الأقطار العربية التي وضع حدودها الاستعمار مع انهيار الإمبراطورية العثمانية.

والمسألة ليست سهلة، كما قد يتبادر إلى الذهن، إذ أنّ في هذه الإجابات ما يدفع المرء إلى التساؤل: إذا كانت هذه حدود الوطنيّة القطريّة، فذلك يعني أنّ الهويّة الوطنيّة القطريّة هي هويّة من مخلّفات الاستعمار، وقد رُسمت حديثًا في خارطة سايكس-بيكو، كما لا يوجد لها أيّ عمق تاريخي بأيّ حال من الأحوال.

بالإضافة إلى ذلك، إذا كان اليسار العربي حقًّا يؤمن بتقرير المصير للشعوب، فلا يمكن أن يكون مثلاً ضدّ تقرير المصير للأكراد على سبيل المثال، وإلاّ فلا معنى لشعارات تقرير المصير الرنّانة التي يتغنّى بها ليل نهار. إذ برفضه حقّ الأكراد، أو البربر في تقرير المصير فإنّما هو يُظهر بذلك الرفض كلّ زيف شعاراته، والّتي لن يشتريها منه أحد من البشر بعد هذا الرّفض.

مهما يكن من أمر،
لم أتقصّد أن أمدح سايكس-بيكو أو شيئًا من هذا القبيل في هذه المقالة. كلّ ما في الأمر هو أنّني أجد من الواجب الأخلاقي أن أعرض هذه التناقضات في الخطاب السياسي العربي، اليساري منه والقوموي على تيّاراتهما المختلفة. إذ أنّ الكلام في هذه القضايا يجب أن يقف على أرض صلبة لكي يكون مقنعًا. بل وأكثر من ذلك، على الكلام في هذه القضايا أن يكون صادقًا إلى أبعد الحدود، لأنّه بالصّدق فقط يمكن أن تدخل مضامين الكلام إلى العقول والأفئدة معًا. أمّا ما سوى ذلك، فسيظلّ الكلام المعسول ملقيًّا على عواهنه لا يلتفت إليه أحد، إذ ستكون السمة الغالبة عليه في هذه الحالة هي سمة الدّجل، ليس إلاّ.

بكلمات أخرى، ولكي لا يقع كلّ هؤلاء ”الوطنيّين“ في تناقض صارخ مع طروحاتهم الوطنيّة، فإنّهم مُلزمون بكيل المدائح للسيّدين سايكس وبيكو، إذ لولاهما لفقد هؤلاء الوطنيّون من العرب هويّاتهم الوطنيّة وحدود تلك الهويّات.

والعقل وليّ التوفيق!
***
نشر في: ”إيلاف“، 12 سبتمبر 2012

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • روبرت فروست

    يَقُولُ البَعْضُ: سَيَنْتَهِي العَالَمُ بِالنّارِ،
    وَالبَعْضُ يَقُولُ: بِالجَلِيدِ.

    مِمَّا كُنْتُ ذُقْتُ مِنَ الأَشْواقِ
    أَمِيلُ إلَى رَأْيِ القائِلِينَ بِالنّارِ.
  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك

    زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة