12 سبتمبر 2012

في مديح سايكس-بيكو


يمكننا القول إنّ كلّ الشعارات الفضفاضة عن الأمّة والعروبة والثورة والاشتراكية، وما شابه ذلك من صمود وتصدّ ومقاومة وممانعة إلى آخره كانت في الواقع ذرائع في أيدي الأنظمة لمواصلة الفساد والاستبداد والاستمرار في إفقار واستعباد العباد.

سلمان مصالحة || في مديح سايكس-بيكو

لا شكّ أن العالم،
بأممه، شعوبه ودوله يتعامل مع بعضه البعض من منطلق المصالح. هذه هي سنّة الحياة بين الأفراد في المجتمعات، وكذا هي الحال بين الأمم. ولماذا أسوق هذا الكلام الآن وفي هذا الأوان بالذات؟ أسوق هذا الكلام الآن، إذ أنّه ومنذ هبوب نسائم ما سُمّي بـ”الربيع العربي“، وعلى وجه الخصوص منذ تعمّق الأزمة السورية وتعاظم البطش والتقتيل في سورية وحصائل المجازر اليومية التي يرتكبها النّظام البعثي الفاشي بحقّ الحجر والشجر والبشر في بلاد الشام، فقد كثرت الأحاديث وشاعت الأقاويل في الفترة الأخيرة عن ”مؤامرة غربية“ لتفتيت وإعادة تشكيل المنطقة على غرار ”سايكس بيكو“.

المصالح، إذن، هي التي تتشكّل بموجبها
العلاقات بين الشعوب والأمم. فمثلما للغرب مصالح، كذا هي الحال بالنسبة للشرق والشمال والجنوب. ومثلما لأميركا وأوروبا كذلك لروسيا والصين وما سواهما. فروسيا بوتين لا تدعم نظام البعث الفاشي لسواد عيون الأسد ولا رغبة في مصلحة الشعب السّوري. وإيران الملالي لا تدعم النّظام البعثي الفاشي، ”العلماني ظاهريًّا“، رغبة منها في تكريس العلمانية في هذه البقعة من الأرض. كما إنّ إردوغان لا يتحدّث عن غزّة وفلسطين إلاّ لغرض في نفس رجب طيب وحزبه. كذا هي حال سياسية المصالح، وكذا هي حال ألعاب القوى والميدان في العلاقات الدولية.

العالم العربي، كما يتبدّى
للنّاظر الّذي يحاول الحذر من الوقوع في شرك العواطف، هو أشبه بالرّجل المريض في هذا الأوان. فكلّ هذه العقود الطويلة من ”الاستقلالات الوطنيّة“ لم تأت بما يروي ظمأ أو يسدّ رمق هذه الشّعوب، عاربة ومستعربة، على شتّى مللها ونحلها، بطونها وأفخاذها. بل يمكننا القول إنّ كلّ الشعارات الفضفاضة عن الأمّة والعروبة والثورة والاشتراكية، وما شابه ذلك من صمود تصدّ ومقاومة وممانعة إلى آخره كانت في الواقع ذرائع في أيدي الأنظمة لمواصلة الفساد والاستبداد والاستمرار في إفقار واستعباد العباد.

فعلى سبيل المثال، فقبل أسابيع قليلة نشر تقرير سنوي عن تدريج جامعات العالم، فيتبيّن أنّه لا توجد جامعة عربية واحدة ضمن الجامعات الخمسمائة الأولى في العالم. إذن، أين هي كلّ هذه العقود من الشعارات الرنّانة. ومن ذا الّذي منع كلّ هذه الأنظمة الفاسدة من توظيف الأموال ودفع التعليم في بلادها. إنّ أسهل الطرق للتنصّل من المسؤولية عن هذه الأوضاع هي بإلقائها على عاتق عدوّ مُتوهَّم يحيك المؤامرات في الخفاء، مرّة لنهب الأموال ومرّة لتشكيل خارطة سايكس-بيكو جديدة. وكأنّ العالم بأسره، لا همّ له سوى حياكة المؤامرات ضدّ العرب بالذّات، وكأنّ العالم بأسره هو الّذي خلق هذه التشكيلة الغريبة العجيبة من الناس. لقد نسي هؤلاء أنّ هذه الملل والنحل متناحرة متنافرة فيما بينها منذ أن ظهرت على مسرح التاريخ.

سخف اليسار العربي:
رغم إنّي أقف في النقيض من التوجّهات الإسلامويّة، إلاّ أنّي أفهم هؤلاء عندما يتحدّثون عن سايكس -بيكو. إذ أنّ هؤلاء الإسلامويّين لا تعنيهم الحدود الوطنيّة، ولا الأقطار والقوميّات المشتقّة منها. لقد ذكر ذلك صراحة مرشد الإخوان المسلمين سابقًا في مصر المحروسة، عندما صرّح علانية بما معناه: ”طزّ في مصر وأبو مصر“. وعلى غرار ذلك المرشد الإخواني فإنّ لسان حال الإسلامويّين في كلّ قطر من أقطار العرب لا شكّ يقول: ”طزّ في تونس، وطزّ في العراق، وطزّ في فلسطين وطزّ في سورية، إلخ“. هذه هي رؤاهم وهم يجاهرون بها.

لكنّ اليسار العربي على العموم، والقومويّون على اختلاف تيّاراتهم، يظهرون من الجهة الأخرى متربّعين في قمّة السخف عندما يتحدّثون عن مخاطر مشروع سايكس-بيكو جديد. أقول إنّهم يظهرون بهذا القدر من السخف لأنّّهم عندما يتحدّثون عن الشعوب العربية وحقوقها في تقرير المصير، وعن التراب الوطني وحماية الحدود وما إلى ذلك فإنّما يؤكّدون بتوجّهاتهم هذه وبشعاراتهم هذه كلّ تلك الحدود التي رسمتها خارطة سايكس-بيكو.

مديح سايكس-بيكو:
فلولا خارطة ”سايكس-بيكو“ هذه ما كان بوسع الوطني اللبناني أن يتغنّى بلبنانيته، وما كان بوسع السوري أو العراقي أن يتغنّى بسوريته وعراقيته، وفوق ذلك ما كان الفلسطيني ليتغنّى بفلسطينيته ووطنيّته لولا ما أفرزته هذه الخارطة التي رسمها الاستعمار. فعندما تسأل اللبناني: ما هي لبنانيّتك وما هي حدود لبنانك؟ يسارع بالإجابة فيتبيّن لك أنّها حدود سايكس-بيكو. وعندما تسأل الفلسطيني يردّ عليك بمثل ذلك، فيتبيّن لك أنّ حدود فلسطينه هي حدود سايكس-بيكو. وعلى هذا المنوال يردّ الآخرون من مراهقي العروبة أو من شائخي الوطنيّة في الأقطار العربية التي وضع حدودها الاستعمار مع انهيار الإمبراطورية العثمانية.

والمسألة ليست سهلة، كما قد يتبادر إلى الذهن، إذ أنّ في هذه الإجابات ما يدفع المرء إلى التساؤل: إذا كانت هذه حدود الوطنيّة القطريّة، فذلك يعني أنّ الهويّة الوطنيّة القطريّة هي هويّة من مخلّفات الاستعمار، وقد رُسمت حديثًا في خارطة سايكس-بيكو، كما لا يوجد لها أيّ عمق تاريخي بأيّ حال من الأحوال.

بالإضافة إلى ذلك، إذا كان اليسار العربي حقًّا يؤمن بتقرير المصير للشعوب، فلا يمكن أن يكون مثلاً ضدّ تقرير المصير للأكراد على سبيل المثال، وإلاّ فلا معنى لشعارات تقرير المصير الرنّانة التي يتغنّى بها ليل نهار. إذ برفضه حقّ الأكراد، أو البربر في تقرير المصير فإنّما هو يُظهر بذلك الرفض كلّ زيف شعاراته، والّتي لن يشتريها منه أحد من البشر بعد هذا الرّفض.

مهما يكن من أمر،
لم أتقصّد أن أمدح سايكس-بيكو أو شيئًا من هذا القبيل في هذه المقالة. كلّ ما في الأمر هو أنّني أجد من الواجب الأخلاقي أن أعرض هذه التناقضات في الخطاب السياسي العربي، اليساري منه والقوموي على تيّاراتهما المختلفة. إذ أنّ الكلام في هذه القضايا يجب أن يقف على أرض صلبة لكي يكون مقنعًا. بل وأكثر من ذلك، على الكلام في هذه القضايا أن يكون صادقًا إلى أبعد الحدود، لأنّه بالصّدق فقط يمكن أن تدخل مضامين الكلام إلى العقول والأفئدة معًا. أمّا ما سوى ذلك، فسيظلّ الكلام المعسول ملقيًّا على عواهنه لا يلتفت إليه أحد، إذ ستكون السمة الغالبة عليه في هذه الحالة هي سمة الدّجل، ليس إلاّ.

بكلمات أخرى، ولكي لا يقع كلّ هؤلاء ”الوطنيّين“ في تناقض صارخ مع طروحاتهم الوطنيّة، فإنّهم مُلزمون بكيل المدائح للسيّدين سايكس وبيكو، إذ لولاهما لفقد هؤلاء الوطنيّون من العرب هويّاتهم الوطنيّة وحدود تلك الهويّات.

والعقل وليّ التوفيق!
***
نشر في: ”إيلاف“، 12 سبتمبر 2012

مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام