26 نوفمبر 2012

لماذا يفضّل العرب الكذب على الحقيقة؟



”ولأنّ العرب مهووسون على العموم بقضايا المؤامرات وبالقضايا الجنسية على وجه التحديد، فقد انتقل الخبر المفبرك في الصحيفة المصرية كانتقال النّار في هشيم العرب وصحافتهم. فقد تناقلته الصحافة والمواقع العربية الأخرى، كما لو أنّه حقيقة لا يرقى إليها الشكّ...“

ليفني في الدوحة

سلمان مصالحة ||

لماذا يفضّل العرب الكذب على الحقيقة؟

لا شكّ أن الجميع يتذكّرون
كيف خرجت وسائل إعلام عربية قبل سنوات قليلة، وأشاعت أخبارًا عن مؤامرة إسرائيلية غريبة الأطوار. لقد نشرت الصحافة العربية أنّ الموساد أرسل أسماك القرش المدرّبة لمهاجمة السيّاح على شواطئ سيناء، وهاكم ما ذكرت الصحافة: ”بعد تكرّر هذه الاعتداءات، خرجت محافظة جنوب سيناء عن صمتها وصرّح رئيس البلدية بأنّ سمك القرش يعتدي على السائحين بإيعاز من المخابرات الإسرائيلية، الموساد". ليس هذا فحسب، بل وصرّح بعض المسؤولين عن القطاع السياحي في ”أمّ الدنيا“ أنّ هذه القضيّة مرتبطة بـ"مؤامرة إسرائيلية" تهدف إلى ضرب السياحة في مصر.

وقبل ذلك أيضًا خرجت وسائل إعلام مصريّة بأخبار مثيرة من نوع آخر. ولكن هذه المرّة أيضًا تفيد بوجود ”مؤامرة مصدرها الموساد“. لقد أشيعت الأخبار وتنوقلت في الصحافة العربية؛ حيث ذكر الخبر آنئذ أنّ الموساد أدخل إلى الأسواق المصريّة كميّات كبيرة من العلكة التي تثير الشهوات الجنسية لدى النّساء. وقد عزت الصحافة ذلك إلى خطّة ”موساديّة“ تهدف إلى ضعضعة أركان المجتمع المصري والعائلة المصرية.

من الجدير بالذكر في هذا السياق،
أنّ التقارير الدوريّة التي تصدر بين فينة وأخرى وتتطرّق إلى إحصاءات مرتبطة بشبكة الإنترنت تشير إلى أنّ العرب هم أكثر شعوب العالم بحثًا عن مفردة ”جنس“ ومشتّقاتها في هذه الشبكة. إنّ هذه الإحصائيّات هي أكبر برهان على هذا الهوس العربي بكلّ ما يتعلّق بموضوع الجنس وما يتعلّق به. قد تكون هذه الحال العربية بحاجة إلى أبحاث يقوم بها مختّصون بهذه المجالات النفسيّة والاجتماعية، وأعترف أنّي لا أملك هذه الأدوات لمتابعة الموضوع بصورة علميّة. كلّ ما أستطيع عمله في هذا المضمار هو التنويه إلى هذه المعضلة المزمنة التي تنخر في عظام هذه المجتمعات. فيكفي أن نشير إلى تلك الفتاوى التي تنمّ عن هذا المرض المزمن، كمثال ما أشيع مؤخّرًا عن إجازة ممارسة الجنس مع الجثث، وقد قرأ العرب والعجم عن هذه الفتاوى في المشرق والمغرب، ولا حاجة إلى تفصيل الكلام في هذه النيكروفيليا.
الخبر في "المصري اليوم"

لقد خطرت هذه الأخبار الآن
على بالي، بسبب ما أشاعته الصحافة المصريّة مؤخّرًا من أخبار مفبركة عن ”مؤامرة جنسيّة“ جديدة ومن الوزن الثقيل. وكالعادة، فإنّ بطل هذه المؤامرة هو الموساد مجدّدًا. بل وأكثر من ذلك، فقد دار الحديث هذه المرّة عن بطلة، هي تسيبي ليڤني، وزيرة خارجية إسرائيل السابقة. لقد نشرت صحيفة ”المصري اليوم“ تقريرًا ادّعت أنّه يستند إلى مقابلة مع ليفني أجرتها صحيفة ”التايمز“ اللندنية سنة 2009، كما نشر أيضًا في صحيفة ”يديعوت أحرونوت“، وفيه كشفت عن علاقات جنسية مع شحصيات عربية بغية ابتزازهم سياسيًّا. ولقد عنونت الصحيفة المصرية تقريرها بـ”مارست الجنس مع عرب مقابل تنازلات سياسية“.

ولأنّ العرب مهووسون
على العموم بقضايا المؤامرات وبالقضايا الجنسية على وجه التحديد، فقد انتقل الخبر المفبرك في الصحيفة المصرية كانتقال النّار في هشيم العرب وصحافتهم. فقد تناقلته الصحافة والمواقع العربية الأخرى، كما لو أنّه حقيقة لا يرقى إليها الشكّ.

ليس هذا فحسب، بل وتنطّح الكتّاب والـ”محلّلون“ والـ”مفكّرون“ العرب في التعرّض للخبر وكتابة الـ”تحليلات“ وما إلى ذلك من كلام مؤسّس أصلاً على دجل صحفي. لم يكلّف أحد من كلّ هؤلاء الـ”جهابذة“، بمن فيهم كتّاب في هذا الموقع، أنفسهم بفحص صدقيّة الخبر والتقرير. فعلى سبيل المثال تنطّح أحد الكتّاب هنا ودبّج مقالة بعنوان ”تمارس الجنس وتقتل من أجل إسرائيل“، كما تفتّقت عنه قريحة نجم عبد الكريم. ليس هذا فحسب، بل أضحى مقاله هذا مصدرًا لكاتب آخر من كتّاب إيلاف. وهاكم ما كتبه فهلوي آخر: ”وحسب المعلومة التي أوردها عبد الكريم نجم في موقع إيلاف أن (تسبني)  الصهيونية (بنت مؤسس عصابات الهاجاناه) أبدت استعدادها لتسليم جسدها لأي راغب، شريطة خدمة القضية الصهيونية، وقد فعلت ذلك ولم تخجل وتستحي“، كما سطّر خالص جلبي في مقالة بعنوان: ”السرطان الصهيوني، مقربة سوسيولوجية بيولوجية“، كاشفًا عن ذهنية كاتبها.

الحقيقة، على ما يبدو،
ليست من مجالات اهتمامات الصحافة العربيّة، وليست من مجالات اهتمام الكثير من الكتّاب العرب. فما دامت الأخبار والتقارير المفبركة والكاذبة تندرج ضمن الإطار الذي تترعرع عليه الذهنية العربية، فهي لا تحتاج إلى فحص لأنّ القارئ العربي يتقبّلها كما هي وعلى علاّتها، وكما لو أنّها حقيقة مثبتة لا يرقى إليها شكّ.

والآن، وبعد أن خرجت خيول الدجل
الصحفي العربي من اصطبلاتها وانتشرت في مشارق العرب ومغاربهم، وبعد أن دغدغت هذه الأخبار عن المؤامرات الجنسية عواطفهم التي هي دائمًا على أتمّ الاستعداد لتقبُّل هذه الأخبار المفبركة. هاي صحيفة ”المصري اليوم“ تعتذر للقرّاء عمّا نشرته دون تحقّق من صحّة الخبر. إليكم اعتذار الصحيفة، كما ورد في موقعها: ”تبين لـ"المصري اليوم" أن تلك التصريحات لم ترد في صحيفة "تايمز" أو "يديعوت أحرونوت" وتم نقلها من مصادر غير موثوقة "اصطنعت الخبر" الذي تناقلته مواقع عربية واسعة الانتشار، لذا لزم الاعتذار والتوضيح للقارئ.“

اعتذار "المصري اليوم"

إذن، ماذا بشأن اعتذار الكتّاب؟
بعد هذا التوضيح والاعتذار للقارئ من الصحيفة التي روجت الخبر المفبرك، أرى أنّ من واجب كلّ هؤلاء الـ”كتّاب“ والـ ”محلّلين“ والـ”مفكّرين“، كما يحلو لهم توصيف أنفسهم، أن يعتذروا كتابيًّا للقارئ العربي عن كلّ كتاباتهم، تحليلاتهم وأفكارهم التي أشاعوها في صفوف القرّاء العرب. إذ أنّ كُلّ ما بُني على دجل هو باطل ويجب أن يُلقى في سلّة المهملات.

إنّ أمثال هؤلاء الذين يتلقفّون الأكاذيب ويشيعونها كما لو أنّها حقائق هم جزء لا يتجزّأ من مأساة العرب في هذا العصر. إنّهم يركنون إلى راحة البال التي لا تتطلّب بذل مجهود في مواجهة حقيقة العالم المتطوّر والمتغيّر من حولهم. إنّهم يتعاملون مع وهم، أو مع بعبع متحكّم في ذهنيّاتهم لا يستطيعون منه فكاكًا.

لقد آن الأوان لاحترام مهنة الكتابة، وفوق كلّ ذلك احترام القارئ العربي الأكثر احتياجًا من بين شعوب العالم في هذا الأوان إلى التعرّف على الحقائق، ودون لفّ أو دوران.

أليس كذلك؟
*
نشر: ”إيلاف“، 26 نوفمبر 2012


  For English, press here
For French, press here
_______________________


مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام