عن مخترة جنبلاط وأمثاله

إنّ الزعامات الطائفية الوراثيّة والتوريثيّة في هذا المشرق، وجنبلاط أحد أمثلتها البارزة، لا يمكن بأيّ حال أن تشكّل مثالاً يُقتدى

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

باكستان الشرقية في فلسطين

عندما خطّط الانسحاب من قطاع غزّة كان يضع نصب عينيه شيئًا شبيهًا بما جرى في باكستان

الهوية المعقّدة للعرب في إسرائيل

الفوارق بين المكوّنات الطائفية لهذا المجتمع هي مجرّد أصداء لما هو حاصل في سائر المجتمعات العربية في هذا المشرق.

2.12.12

عن استحالة الوحدة العربيّة

سلمان مصالحة || عن استحالة الوحدة العربيّة


الحلم العربي بالوحدة
هو حلم حقيقي. كما إنّنا جميعًا، على الأقلّ من أبناء جيلي، ترعرعنا عليه طوال ردح من الزّمن. القضيّة ليست قضيّة حلم، إذ أنّ الإنسان بطبعه حالم، كما إنّ الحلم هو ما يفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات في الطبيعة. إنّما الحلم الذي أعنيه ليس من صنف أحلام المنامات، بل هو من صنف أحلام النّهار الذي يستحوذ على الفرد في سني حياته الأولى، أي في سني الفترة التي تُسمّى بسنّ المراهقة.

غير أنّ المراهقة البيولوجية، التي قد تقصر أو تطول قليلاً، سرعان ما تنقضي فاتحة أمام الفرد طريقًا لمواجهة الحياة على علاّتها. لكن، ماذا بشأن المراهقة الثقافية والحضاريّة؟ والمراهقة الحضارية التي أعنيها في هذه المقالة هي ما كنت أطلقت عليه في الماضي مصطلح ”مراهقة العروبة“، أي ذلك الحلم الطوباوي بوحدة عربية من المحيط للخليج ومن الشام للسودان، إن لم يكن أبعد من ذلك.

إنّ هذه المراهقة العروبية
أضحت كاتم عقل على رؤوس أصحابها. حريّ بمن لا يزال يعيش في هذه السنّ من المراهقة أن يعترف بحقائق الواقع على الأرض، وبحقائق الواقع في النفوس العربية. إذ يتّضح، بعد مضيّ ما يقارب قرنًا من الزمان على مخطّط سايكس-بيكو، وتقسيم إرث الإمبراطورية العثمانية المتهالكة، أنّ ما نتج عن هذا المخطّط هو أقوى وأكثر صمودًا وثباتًا على الأرض من كلّ الأيديولوجيات الّتي مرّت وتمرّ في هذه البقعة من الأرض. لا أعتقد أنّ ثمّة حاجة إلى العودة إلى أهداف هذا المخطّط من وجهة نظر الذين صاغوه، فقد كُتب الكثير عنه وعن تأثيراته على هذه المنطقة الهامّة من العالم.

يكفي النّظر إلى التجربة الوحدوية البلاغية التي تمّت بين مصر وسورية، والتي سرعان ما انهارت بذات السرعة البلاغية التي أُنشئت بها، فعادت الشام شامًا ومصر مصرًا ليغنّي كلّ صقع منها على ليلاه. بكلمات أخرى، لا يشكّل الكلام العاطفي المعسول عن الوحدة بديلاً عن مواجهة الحقائق المتجذّرة في الأذهان وفي الأبدان العربية.

بل ويمكن الذهاب إلى
أبعد من ذلك، إذ أنّ الأيديولوجيا التي تلبّس بها البعض من هؤلاء المراهقين لم تستطع أن تفتح الحدود بين ”الأشقّاء العرب“، كما كان يُشاع دائمًا في الخطاب العروبي. وأكبر مثال على ذلك هو ما يمكن أن يتفكّر فيه كلّ حاملي أيديولوجيا البعث. فها هي ذات الأيديولوجيا البعثية قد وصلت إلى السلطة في سورية وفي العراق، ولكن ورغم ذلك فإنّ الوحدة العروبية، التي كانوا يتشدّقون بها ليل نهار، لم تتشكّل بين هؤلاء ”الأشقّاء“. بل إنّ الحال بين هذين النّظامين في كلّ من سورية والعراق كانت أكثر سوءًا، بل إنّ العداوة بين البلدين كانت أشدّ وأعنف.

لقد وصلت هذه العداوة إلى درجة انضمّ فيها نظام الأسد الأب إلى ائتلاف بوش الأب في حربه على العراق، فضرب بذلك عرض الحائط كلّ شعارات ”وحدة الهدف ووحدة المصير“ العروبي. وها هو عمرو موسى يكشف للقارئ العربي عن هذه الحال العربيّة. فعن سؤال غسان شربل: ”ما هي أعمق العداوات في نادي الزعماء العرب في تلك الفترة؟“ يجيب عمرو موسى باقتضاب: ”العداوة الثابتة والراسخة كانت بين صدام حسين وحافظ الأسد، على رغم انتمائهما نظريًّا إلى الحزب نفسه.“ (عن: ”الحياة“، 29 نوفمبز 2012)، أي أنّ العداوة المتجذّرة هي الأصل في العلاقة بين هذين القطرين ”الشقيقين“.  يمكن أن نعيد هذه العداوة إلى أصول قديمة ليس المجال هنا لتفصيلها.

”الكذب ملح الرجال“:
يكفي أن ننظر قليلاً في هذه المقولة الشعبيّة الشائعة على ألسنة العرب في المشرق (لا أدري إن كانت شائعة في المغرب أيضًا). أليس فيها إعلاء لهذه السمة - النقيصة - بدل أن يكون الصدق هو تاج الكلام. بل، وأكثر من ذلك، يمكن الإحالة إلى المقولة الأدبية التي ترعرع عليها التلاميذ في مشارق العرب ومغاربهم. فحتّى الشعر لدينا، قد ترعرعنا على مقولة ”أعذب الشعر أكذبه“. إنّني أتفكّر أحيانًا في هذا النّوع من الكلام الذي تتمّ تنشئة الأجيال العربية الفتية عليه. لماذا لا يتساءل أحد لدينا ويطرح بديلاً لهذا الكلام المتجذّر، كأن نقول مثلاً: إنّ أعذب الشعر ”أصدقه“، وأعذب السياسة ”أصدقها“، بل وأعذب العرب ”أصدقهم“.  أليس في الصدق عذوبة؟ أم أنّ الصدق ليس من سمات العروبة؟

والصدق الذي أعنيه في هذا السياق الآن هو صدق التعامل مع الواقع العربي ومواجهته بلا لفّ أو دوران. يجب العزوف عن الأوهام التي نخرت عظام العرب ولا زالت تنخر فيها إلى هذا الأوان. فها هم الإسلاميون وصلوا أخيرًا في غير بلد عربي إلى السلطة. فلننظر ما هو جار في هذه البلدان. لقد أشبعنا هؤلاء شعارات مثل ”الإسلام هو الحلّ“. طيّب، حسنًا. ها أنتم في السلطة فأرونا حلولكم التي صدعتم رؤوس العرب بها! فها هو السودان يحكمه إسلاميون، وها هي مصر يحكمها إسلاميون، وها هي غزّة يحكمها إسلاميّون، إليس كذلك؟ إذن، فما الذي يمنعكم من فتح الحدود بينكم جميعًا في هذه البقاع العربية، لكي يتنقّل فيها البشر بلا تأشيرات دخول وعبور إلخ؟

ألستم كلّكم عربًا، ألستم كلّكم إسلاميين وكلّكم سنّة؟، إذن، فهيّا أرونا صدقكم فيما كنتم تقولون. أرونا صدق شعاراتكم التي كانت تدوّي في الأجواء قبل وصولكم إلى الحكم. من يمنعكم من فتح الحدود بينكم وإعلان الوحدة بينكم؟ ألستم تؤمنون بذات العقيدة؟ ألستم أشقّاء في العروبة؟ إذن، أرونا ما أنتم فاعلون بهذه الشعارات!

ولكنّ الشعارات شيء وتطبيقها شيء آخر
مختلف تمامًا. سيكتشف الجميع قريبًا زيف هذه الشعارات الرنّانة الطنّانة لدى مواجهتها الواقع. سيكتشف الجميع أنّ هذه الحدود الإقليمية، التي يشتمها دعاة القوموية العروبية ودعاة الإسلام السياسي، أقوى من العواطف البلاغية، وأقوى من الأيديولوجيا القوموية والدينية. سيكتشفون سريعًا أنّ حدود سايكس بيكو، في أحسن الأحوال، هي الباقية. إذ في أسوئها ستتفتّت كلّ هذه البلدان إلى ملل ونحل. سيكشتف الجميع قريبًا أنّ كلّ الشعارات الوحدوية القومية والدينية ستذهب هباءً إلى غير رجعة كسني المراهقة، تلك التي أشرنا إليها في بداية الكلام.

وإنّ غدًا لناظره قريب.
*
نشر: ”إيلاف“، 2 ديسمبر 2012
-------------------------------


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام