10 ديسمبر 2012

هل الظلم في خلق النفوس؟


إنّ هذه الرواية التي يوردها المسعودي، ودون أن ندخل في مدى دقّتها أو صحّتها التاريخية، تحاول تفسير الظّلم الصّادر عن الحجّاج بأثر رجعي عازية ذلك الظّلم الكبير الذي كان سمة للحجّاج إلى أمور شتّى تندرج جميعها في خانة العاهات...



سلمان مصالحة || 

هل الظلم في خلق النفوس؟


طالما تفكّرنا في ما يجري من حولنا،

وطالما حاولنا أن نبحث عن سبيل للخروج من حال الظّلم التي نراها رأي العين في كلّ بقعة من بقاع العرب وأصقاعهم المترامية الأطراف. ولمّا كنّا جميعًا نرى كلّ هذا الموت العربيّ من حولنا، فما بالنا لا نتفكّر في مسألة الظّلم؟

لقد سبقنا السّلف الصالح إلى النّظر في هذه المسائل الجوهريّة بتؤدة ورويّة. ولمّا كنّا نكنّ الاحترام لهؤلاء الأسلاف، أليس حريًّا بنا، إذا شئنا أن نكون خير خلف لخير سلف، أن نعود إلى هؤلاء لكي نقف معهم على حدّ هذا البلاء؟


ولهذا أيضًا وذاك، أبدأ فأقول:
رحم الله أبا حيّان التوحيدي الّذي نظر وفكّر، وبسطَ وعبّر، واختصر فأبهر. فلقد ولج أبو حيّان باب هذه المسألة عبر بيت من شعر أبي الطيّب: ”والظلمُ في خُلق النّفوس فإنْ تجدْ - ذا عفةٍ فلعلّة لا يظلمُ“. فها هو أبو حيّان يقف أمام هذا البيت متسائلاً: ما معنى قول الشاعر؟ وما حدّ الظّلم أوّلاً؟ ثمّ يُضيف: ”وسمعت فلانًا في وزارته يقول: أنا أتلذّذ بالظّلم. فما هو هذا؟ ومن أين منشؤه؟ أعني الظلم. أهو من فعل الإنسان أم هو من آثار الطبيعة؟“. ثمّ يُجيب التوحيدي على ذلك بكلام أبي علي مسكويه الذي قال: ”الظلمُ انحرافُ العدل.“ (عن: التوحيدي، كتاب الهوامل والشوامل)

غير أنّ جواب مسكويه يفتح لنا الباب على مصراعيه. أي، بمعنى احتياج الظّلم إلى ضدّه لمعرفة حدّه. وهذا أيضًا يقود إلى التفكّر أوّلاً في معنى العدل. إذ أنّ الظّلم، كما يقول: ”أخصُّ بمقابلة العدل الذي يكون في المعاملات. فالعدل من الاعتدال وهو التقسيط بالسويّة. وهذه السوية من المساواة بين الأشياء الكثيرة. والمساواة هي التي توجد الكثرة وتُعطيها الوجود وتحفظ عليها النظام. وبالعدل والمساواة تشيع المحبةُ بين الناس وتأتلف نيّاتهم، وتعمر مدنُهم، وتتمّ معاملتهم وتقوم سننُهم.“

ثمّ يمضي أبو حيّان، رحمه الله،
في تمثيل العدل بمركز الهدف، أي الغرض، الذي يُطلق إليه السّهم: ”وكما إنّ إصابة السهم من الغرض إنما هو نقطة منه، فأمّا الخطأ والعُدول عنها فكثير بلا نهاية. فكذلك العدلُ: لمّا كان كالنقطة بين الأمور تقسمها بالسوية، كانت جهاتُ العدول عنها كثيرة بلا نهاية. وعلى حسب القرب والبعد يكون ظهور القبح وشناعة الظلم.“

أي إنّ العدل، في نهاية المطاف، هو تلك النّقطة التي هي مركز الدائرة. وبكلمات أخرى، هو نقطة البيكار التي يُقاس بها العدل والظّلم على حسب القرب والبعد منها. وكلّما ابتعد الإنسان عن ذلك العدل الذي هو المركز، بانَ قُبحُه وظهرَ ظُلمُه.

ثمّ ينظر أبو حيّان في القول الشعري، مضيفًا: أمّا عزو الشّاعرُ الظّلمَ إلى سجيّة وخلق في النّفوس، فهو: ”معنى شعريّ لا يحتمل من النّقد إلاّ قدر ما يليق بصناعة الشّعر. ولو حملنا معاني الشعر على تصحيح الفلسفة وتنقيح المنطق لقلّ سيمُه وانتُهك حريمُه، وكُنّا مع ذلك ظالمين له بأكثر ممّا ظلم الشاعرُ النفوسَ التي زعم أن الظّلم في خُلقها.“

ثم يؤكّد التوحيدي على أنّ الظّلم الذي يتحدّث عنه هو من جملة الأفعال الصادرة عن البشر، وبكلماته: ”يجري مجرى غيره من سائر الأفعال“. والأفعال تصدر عادة عن ”هيئات وملكات“. أمّا الأخلاق فهي ”هيئات للنّفوس تصدر عنها أفعالها بلا رويّة ولافكر.“. وعلى هذا الأساس يجب النّظر في شأن الحكّام الذين يتلذّذون بالظّلم. فأنّ أفعالهم هي من جملة الاختيارات المذمومة التي أضحت هيئات وملكات لأنفسهم. وهكذا أضحت أفعالهم ”شرورًا وسمي أصحابها: أشرارًا...“.

الظّلم، إذن، هو من سلالة الأفعال البشرية. فإن صدر هذا الظّلم عن الظّالم دون تفكُّر فيه ودون تؤدة ورويّة يُضحي الفاعلُ ظلومًا بالخلق. أمّا إن صدرت هذه الأفعال عن فكر ورويّة فلا يمكن أن يكون الظّلم خلقًا، بل هو نابع من أمر آخر. فلقد أخبرنا السّلف عن بعض الظالمين في التاريخ العربي، وحاولوا عزو سبب ذلك الظّلم، الّذي أضحى سمة لصيقة بهم، إلى عاهة طفوليّة أوجبت علاجًا فريدًا من نوعه.

الظّالم الّذي وُلد بلا ثقب في مؤخّرته:
ها هو المسعودي يروي لنا في مروجه خبر الحجّاج بن يوسف الثقفي، فيقول إنّ والدته كانت عند الحارث بن كلدة. وبعد أن طلّقها الحارث لسبب، تزوّجها يوسف الثقفي أبو الحجّاج، حيث ولدت له الحجّاج ابنه. ثمّ نقف في رواية المسعودي على تلك العاهة التي ولد بها الحجّاج الطفل، إذ يذكر المسعودي أنّ الحجّاج الطفل كان قد وُلد ”مُشوّهًا لا دُبر له، فثُقب عن دُبره، وأبَى أن يقبل ثديَ أمّه أو غيرها، فأعياهم أمرُه.“

ثمّ يمضي المسعودي في سرد الخبر: ”فيقال: إن الشيطان تصوّر لهم في صورة الحارث بن كلدة، فقال: ما خبركم؟ فقالوا: ابنٌ وُلد ليوسف من الفارعة، وكان اسمها، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه أو غيرها، فقال: اذبحوا جديًا أسود وأولغوه دمَه، فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك، فإذا كان في اليوم الثالث فاذبحوا له تيسًا أسود وأولغوه دمه، ثم اذبحوا له أسودَ سالخًا فأولغوه دمه واطْلُوا به وجهَه، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع. قال: ففعلوا به ذلك، فكان بعدُ لا يصبرُ عن سفك الدماء، لما كان منه في بدء أمره هذا. وكان الحجاجُ يخبر عن نفسه أنّ أكثرَ لذّاته سفكُ الدماء، وارتكابُ أمور لا يقدم عليها غيره، ولا سبق إليها سواه.“ (عن: المسعودي - مروج الذهب، ج 1، ص 403؛ انظر أيضًا: اليافعي: مرآة الجنان، ج 1، ص 88)

إنّ هذه الرواية التي يوردها المسعودي، ودون أن ندخل في مدى دقّتها أو صحّتها التاريخية، تحاول تفسير الظّلم الصّادر عن الحجّاج بأثر رجعي عازية ذلك الظّلم الكبير الذي كان سمة للحجّاج إلى أمور شتّى تندرج جميعها في خانة العاهات، بدءًا بالعاهة الّتي كانت في الولادة والمتمثّلة بولادته بلا ثقب في مؤخّرته، مرورًا بعاهة دينيّة غيبيّة المتمثّلة بظهور الشيطان وانتهاءً بالعاهة الاجتماعية السلوكية المتمثّلة بذبح الجداء وطلي الدم على وجهه، إلخ.

وها نحن الآن
ننظر في ما هو جارٍ حولنا من بلدان. ننظر في شؤون من تملّك وترأس وتأمّر بما أوتي من سلطان. هل صدر ظُلم هؤلاء العربان عن فكر ورويّة أم صدر عن هيئة في النّفوس وسجيّة فكانت خلقًا لهم؟ فإذا كانت أفعال هؤلاء صادرة عن فكر ورويّة فقد صحّ أن يُقال عن هؤلاء أنّهم في الخلق من الأشرار. أمّا إن كانت أفعالهم صادرة عن هيئة في النّفس، فحريّ بنا أن نبحث ونكشف عن تلك الثّقوب في حلقات شروجهم، كتلك الّتي أوجبت ذبح الجداء السود للحجاج بن يوسف ومن هم على شاكلته من زمرة الأشرار.

والعقل ولي التوفيق!
*
نشر: ”إيلاف“، 10 ديسمبر 2012
____________________

مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام