25 ديسمبر 2012

لماذا أتعاطف مع إيران أحيانًا؟


فطالما رفع الإسلاميّون شعار ”الإسلام هوالحلّ في كلّ شاردة وواردة. طيّب، ها هم وصلوا إلى السلطة في مصر وتونس، ومن قبل يحكمون في السودان لسنوات طويلة. إذن، فليتفضّلوا ويرونا شطارتهم في ”الحلّ“. لماذا لا يخرجون إلى الملأ بإعلان الوحدة بينهم؟ من يمنعهم من القيام بهذه الخطوة؟ فليتفضّلوا وليتوحّدوا!

....

سلمان مصالحة || 

لماذا أتعاطف مع إيران أحيانًا؟


ليس من السّهل
التعاطف مع إيران، وعلى وجه الخصوص مع نظام الملالي، هذا النّظام الخارج من القرون الوسطى، والذي يجثم على صدر هذا الشعب العريق منذ عقود. ليس من السّهل عليّ التّضامن مع نظام الملالي هذا الّذي يلفّ السّواد الأعظم من الشّعب الإيراني بكلّ هذا السّواد للرّجال والنّساء.

ولكن، هنالك لحظات أشعر فيها بنوع من التعاطف مع هذا الشعب، وعلى وجه الخصوص عندما نقرأ كلّ هذا اللغط العربي العنصري تجاه هذا الشعب العريق. فلا شكّ أنّ القارئ العربي المتبصّر سيُصدم لقراءة كلّ تلك المفردات التي تُكال من طرف بعض الكتبة العرب، بدءًا بالصفويّين والفرس والعجم وانتهاءًا بالمجوس. إنّ كلّ هذه المفردات تنهل من منبع عربيّ قديم تعود جذوره إلى العلاقة التاريخية بين العرب والجار الفارسي ومن قديم الزمان.


فجأة يتناسى كلّ هؤلاء الكتبة
من صنف الذين في قلوبهم زيغ ذلك الحديث النبوي القائل أن ”لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلاّ بالتقوى“، ثمّ يهبّون ناضحين بما في دواخلهم من عنصرية متجذّرة مصاغة بكلام البلاغة العربية البليدة. يأتي كلّ كتّاب البلادة العربية ليقولوا للقارئ إنّ لإيران أطماعًا في بلاد العرب. وفي ذلك نقول: صحّ النّوم! وما الجديد في ذلك؟ أليس كلّ التاريخ البشري مبنيًّا على المصالح والأطماع؟ أليست العلاقات البشرية مبنيّة على المصالح والأطماع، أكانت هذه المصالح صغيرة كانت أو كبيرة؟ ثمّ، أليست العلاقات الزوجية أيضًا هي علاقات أطماع ومصالح بين فردين؟

كلّ هؤلاء الكتبة من صنف العنصريين المُقنّعين بقناع الـ”عروبة“ يتناسون كلّ تلك المصالح والأطماع العربية في البلاد الإيرانية منذ بداية الإسلام. فماذا فعل العرب والمسلمون في بلاد فارس منذ البداية، أصلاً؟ ألم تكن كلّ تلك الحروب الأولى المسمّاة فتوحات قد جاءت للأطماع والمصالح؟ إذن، فما الغرابة في أن يكون لإيران هي الأخرى أطماع ومصالح في المنطقة العربية في هذا الأوان؟

يجب أن يتذكّر هذا الصنف من الكتبة
أنّ العلاقات بين الدول والشعوب هي علاقات مصالح وتوازن قوى، فما على العرب إلاّ أن يعرفوا هم مصالحهم وأن يحدّدوا هذه المصالح لأنفسهم هم أوّلاً. فإذا كانت المصلحة العربية تقضي بالوحدة العربية، فليتفضّل قادة العرب الرابخين على صدور شعوبهم، من صنف أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ، بتقديم استقالاتهم لجامعة الدول العربية وبإعلان الوحدة. فمن يمنعهم من القيام بخطوة بسيطة كهذه؟

بل وأكثر من ذلك، فطالما رفع الإسلاميّون شعار ”الإسلام هوالحلّ في كلّ شاردة وواردة. طيّب، ها هم وصلوا إلى السلطة في مصر وتونس، ومن قبل يحكمون في السودان لسنوات طويلة. إذن، فليتفضّلوا ويرونا شطارتهم في ”الحلّ“. لماذا لا يخرجون إلى الملأ بإعلان الوحدة بينهم؟ من يمنعهم من القيام بهذه الخطوة؟ فليتفضّلوا وليتوحّدوا!

لكن، على ما يبدو فإنّ وراء الأكمة ما وراءها. ولذا، يجب أن نضع النقاط على الحروف. فالشعار الرنّان الطنّان الّذي يشنّف آذان العربان هو شيء، بينما الحقيقة التي تسيّرهم شيء آخر مختلف تمامًا.

فليتفكّر القارئ العربي
في ما يجري الآن في بلاد الشام. منذ عامين تقريبًا والنّظام البعثي القبلي، الّذي تقنّع سنوات طوال بشعارات الصمود والمقاومة والممانعة، يبطش ليل نهار بالحجر والشجر والبشر في الربوع الشامية. فماذا فعل العرب لوقف هذا النّزيف البشري؟ لا شيء. ينتظر العرب أن يتدخّل الأجانب لوقف هذا البطش. بل والأنكى من ذلك، على سبيل المثال، هو ما أشيع من تصريحات لساسة لبنانيين محسوبين على العرب بوجوب وقف استقبال واحتضان اللاجئين السوريين الهاربين من ماكينة البطش البعثية في لبنان، وتحويلهم إلى دول أخرى، كقبرص التركية.

عشرات آلاف الضحايا السوريين
ومئات آلاف الجرحى والمهجّرين لا يحرّكون ساكنًا لدى العرب. لم نشاهد مظاهرات تجتاح المدن العربية مطالبة بوقف ماكينة القتل البعثية. كيف يمكن توصيف هذه الحال العربية؟ متى تخرج مظاهرات في المدن العربية لوقف اعتداءات على العرب؟ فقط عندما يكون القاتل منتميًا إلى أمّة أخرى وإلى عقيدة أخرى. إنّ ما يحزّ في النّفس هو هذه الذهنية العربية التي ترى في قتل العرب على أيدي العرب في الأقطار العربية قضايا داخلية لا يجب التدخّل فيها من قِبَل عرب آخرين، من جهة. ومن جهة أخرى، يطالب هؤلاء العرب أن يتدخّل الأجانب لوقف سفك هذه الدماء العربية. إنّها حال مرضيّة عربية وآن الأوان لتشخيصها ابتغاء علاجها. يجب التعامل مع هذه الحال بعين بصيرة ومداواتها بتؤدة وبرويّة، وإن كانت اليد قصيرة.

والعقل ولي التوفيق!
*
نشر: ”إيلاف“، 25 ديسمبر 2012

***


مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

هناك تعليق واحد:

  1. النوبى : الاستاذ سلمان مصالحة انت اسنان نبيل .متحرر .متقدم . متيقظ . مشرق . و امتلكت كنز الحكمة فهنئا لك . انا مستمتع بالقراءة لك .

    ردحذف

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن