1 سبتمبر، 2016

في مديح الربيع العربي


لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...

سلمان مصالحة ||

في مديح الربيع العربي


قد يستغرب البعض هذا العنوان بعد كلّ ما شاهدناه من أحداث ضربت هذه البقعة من الأرض، غير أنّ السنوات الخمس المنصرمة على هذا الحدث الذي كسا مشارق العرب ومغاربها بحلّة قشيبة من الأحمر القاني قد أثمر لدى الأجيال العربية الناشئة ذهنية عربية حديثة صرمت حبل السرّة الذي كان يربطها بشعارات طالما تغنّت بها على مرّ عقود من البلاغة العروبية البليدة، بدءًا بوحدة الهدف وانتهاءً بوحدة المصير.

يسعنا القول، إنّ هذا الربيع ما كان ليحصل لولا طفرة الاتصالات الحديثة التي هدمت حدود الانغلاق في أركان معتمة على هذه الأرض. وكما قيل، فقد أضحى العالم قرية صغيرة يستطيع كلّ فرد في أنأى بقعة منها أن يقرأ، يسمع وفوق كلّ ذلك أن يرى بحاسوبه أو بهاتفه الذكيّ كلّ ما يدور حوله في هذا العالم. إنّ هذه الطفرة تدفع المرء إلى إجراء مقارنات بين حاله وبين أحوال سائر البشر من قاطني هذه الكرة الأرضية. ولمّا كانت أحلام العربيّ، بوصفه بشريًّا، لا تختلف عن أحلام سائر أبناء جلدته من البشر، فقد استفزّته المقارنات، وعلى جميع الأصعدة: الاجتماعية، الثقافية، السياسية والاقتصادية. ورغم أنّ شرارة هذا الربيع التي انطلقت من تونس قد اندلعت على خلفيات اقتصادية، إلاّ أنّه يسعنا القول أيضًا إنّ أكثر ما استفزّ الإنسان العربي في مواطنه هو موضوع الحريّة المنعدمة في كلّ أماكن تواجده، والمُستبدَلة بالكبت والاضطهاد منذ عقود طويلة.

هكذا، وفي خضمّ هذه الزلزلة الوجدانية التي ضربت أركان الصرح العروبي الذي انبنى على رمال تذروها الرياح الهابّة من جهات الانفتاح الكوني، وفي خضمّ الثوران البركاني الذي انطلق من أعماق هذه الأرض، فقد انكشفت كلّ الأوراق البالية التي سُجّلت فيها حقائق هذه المجتمعات والركائز التي انبنت عليها منذ نعومة أظفارها التاريخية.

فالمثال الظاهر للعيان في هذا الركن الأرضي وفي أبشع صورة، في كلّ من العراق وسورية، من ناحية زهق الأرواح وهدم الحجر والشجر والبشر، هما القاعدة وليسا الاستثناء. صحيح أنّ العقود الطويلة من الاستبداد قد أفلحت بالحديد والنّار، ولأجل مُسمّى وقصير، أن تحافظ على هدوء ما. غير أنّه كان الهدوء الذي سبق هذه العاصفة التي لا زالت تأكل الأخضر واليابس.

لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة. إنّ مردّ خطأ التسمية هذه هو كلّ تلك الأوهام والشعارات التي طالما شنّفت آذان المستمع العربي عن الأمّة الواحدة والرسالة الخالدة، ناهيك عن اعتبار البشر المنضوين في هذه الحدود المصطنعة أهلاً. إنّهم، في الحقيقة، لم يكونوا في يوم من الأيام أهلاً، لأنّ الأنظمة التي استبدّت بهم لم تبنِ شعبًا ولم تخلق أهلاً، إذ لم يكن هذا همّها أصلاً. كما إنّ هذا الصنف من الأنظمة، بطبيعتها القبليّة الطائفية الاستئثارية، لا يمكن أن تفعل ذلك. إنّها تفهم طبيعة المجتمع الذي تستبدّ به، وتعرف أنّها إن فعلت ذلك فستخسر كلّ الامتيازات التي استفردت بها خلال سني سلطانها.

إنّ حال هذا النوع من الأنظمة العربية أكثر شبهًا بعصابات المافيا منها بكيان مدنيّ يُسمّى دولة في العلوم السياسية. ليس من عجب، إذن، أن نرى هذا التصدُّع المجتمعي النازف في غير مكان من هذا العالم المسمّى عربيًّا. بعد كلّ هذه السنوات من السحل والتقتيل، أضحى الجرح الوجداني عميقًا في هذا الجسد المجتمعي، وليس من السهل مداواته. لقد خبا البصيص في آخر النفق.

لم تعد الشعارات التي ترعرعت عليها الأجيال العربية الشابّة تقنع أحدًا في هذا العصر. وما كان لن يعود. فقط من هذه النقطة التي تقطع بها الأجيال العربية كلّ الحبال التي تربطها بهذا التراث الدموي، يمكن أن يبدأ جيل عربي جديد. ولهذا، فلعلّ في هذا الربيع الدّامي ما يُبشّر بقطيعة تذوّتها الأجيال العربية عن هذا الماضي وعلى جميع الأصعدة. هذا هو البصيص الذي يمكن أن تسترشد به الأجيال القادمة، إذ بدون هذه القطيعة، لن يخرج العرب من النفق المعتم، ولن يصل العرب إلى سواء السبيل.
*
الحياة، 1 سبتمبر 2016

 

مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام