15 سبتمبر 2016

هل لدى العربيّ ما يفاخر به؟


هكذا، أضحى العرب مهزلة هذا العصر، وخشبة مهترئة تتقاذفها أمواج بحر متلاطم. إنّ العربيّ الصادق مع نفسه يعرف هذه الحقيقة، غير أنّه لا يني يواصل المكابرة والتغنّي بالأمجاد العريقة...

 

سلمان مصالحة ||

هل لدى العربيّ ما يفاخر به؟


ها هي أوروبا التي فتحت حدودها لاستقبال النازحين من بلدانهم وأوطانهم بدأت تعيد حساباتها. العالم بأسره بدأ يعيد حساباته في هذه القضية. جدير بالذكر أوّلاً، أنّ العرب والمسلمين ليسوا وحدهم الذين يتركون بلدانهم طالبين اللجوء في «بلاد الكفر»، كما تُسمّى في أدبيّاتهم وثقافتهم. هنالك أمم أخرى في العالم المسمّى ثالثاً منكوبة أيضاً بأنظمتها المتخلّفة وهي بدورها أيضاً، على غرار العرب والمسلمين، ترفد سائر العالم بموجات متتالية من الفارّين طلباً للعمل وللفوز بلقمة عيش.

ما يجب أن يقضّ مضاجع العربيّ في هذا الأوان هو هذه الحال التي وجد نفسه فيها. غير أنّ الخطاب العربي السائد، وبدل أن يجنح إلى التفكّر في ما أوكت يداه ونفخ فوه، نراه ينحي باللائمة على كلّ «من» و «ما» هو خارج ذاته. فعندما يضرب الإرهاب الذي يرتكبه مسلمون بلاداً غربية قاتلاً فيها الأخضر واليابس والحجر والبشر، كثيراً ما نرى الخطابين القومويّ العربيّ والإسلاموي يبرّران أحياناً هذا الإرهاب مستندين في حججهما إلى جرائر الاستعمار في الماضي. وفي أحايين أخرى، يُحيلان هذا الإرهاب إلى حالة التهميش التي يعيشها أفراد الجماعة، جماعتهما ضمناً، في بلاد الغربة. وهكذا، وبالتزوّد بهذه التبريرات الجاهزة التي على ما يبدو لن ينفد مفعولها في المدى المنظور، يستطيع المبرّرون أن يخلدوا إلى النّوم بسكينة تاركين الشعوب والبلدان التي يتظاهرون بالذود عن مصالحها لقمة سائغة يستطيع التقاطها كلّ من هبّ ودبّ، وكلّ عربيّ يهبّ للذبّ، وكلّ عربيّ يهبّ للسبّ.

غير أنّه، وكما هو معلوم لدى هؤلاء، فليست بلدان العرب والمسلمين وحدها التي وقعت تحت حكم المستعمرين في الحقب السالفة. ولنضع الآن جانباً في هذا السياق حقيقة أنّ العرب والمسلمين كانوا في الماضي لا يختلفون أصلاً عن هذا التوصيف، وإن كانوا قد وسموا حروبهم الاستعمارية تلك باسم «الفتوحات». لنترك الخوض في هذه المسألة الآن فليس مجالها في هذه المقالة.

ما يعنينا هنا أنّ إحالة أسباب الإرهاب إلى جرائر المستعمرين التاريخية، لا تُفسّر حقيقة انعدام حصول مثل هذا الإرهاب من طرف شعوب غير عربية وغير مسلمة رزحت هي الأخرى ردحاً من الزمن تحت نير ذات الاستعمار. فلو كانت جرائر الاستعمار سبباً لارتكاب أعمال إرهابية لكنّا رأينا إرهاباً فيتناميّاً، هنديّاً، أو ما شابه ذلك على سبيل المثل لا الحصر. كذا هي الحال مع حجّة التهميش، فليس العرب والمسلمون وحدهم الغرباء والمهمّشين في بلاد المهجر، ومع ذلك فلا نرى أنّ الصيني أو الهندي أو الفيتنامي يجنح إلى ارتكاب الجرائم الإرهابية في مهاجره بدعوى جرائر الماضي الاستعماري.

إذاً، والحال هذه، فإنّ ما ينبغي لنا أن نفعله هو محاولة البحث في دواخلنا عن جذور هذه الآفة التي هي منّا وفينا. كما لا يكفي الركون إلى التغنّي بأمجاد الماضي الذي انقضى والغوص بعدئذ في سبات عميق. يكفي أن ينظر الواحد منّا في مستويات التعليم في كلّ هذه الأقطار العربية، بدءاً من المدارس الابتدائية وانتهاءً بالجامعات. التقارير الدولية المنشورة تباعاً حول الجامعات الأفضل في العالم لا تشير إلى أيّ جامعة عربية، فهل الاستعمار هو السبب لهذا الوضع؟ وإذا حاول المرء أن يتفكّر في ما يقدّمه العربي للعالم فماذا يجد؟ إنّه لا يعثر على شيء، سوى النفط والغاز. وحتّى هذا المورد فليس العربيّ هو من يستخرجه ويكرّره ويصفّيه بآلاته المصنوعة بعلمه وتقنيّاته. إنّه مجرّد صاحب الملك ليس إلّا. إنّ كلّ هذه العقود الطويلة من الاستقلالات «الوطنيّة» لم تصنع شيئاً سوى تشكيل أنظمة هي في نهاية المطاف عالة على سائر العالم.

هكذا، أضحى العرب مهزلة هذا العصر، وخشبة مهترئة تتقاذفها أمواج بحر متلاطم. إنّ العربيّ الصادق مع نفسه يعرف هذه الحقيقة، غير أنّه لا يني يواصل المكابرة والتغنّي بالأمجاد العريقة محيلاً مآسيه إلى جرائر الآخرين، دون أن يجد جرأة في مواجهة الحقيقة المرّة الكامنة داخل منظوماته الاجتماعية، الدينية، الثقافية والسياسية.

وما دامت الحال على هذا المنوال، فأبشروا بطول مهانة.
*
الحياة، 15 سبتمبر 2016



مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن