ربّما كان من المفيد أيضًا أن نضع أمام القارئ العربي على اختلاف مشاربه الفكرية وأماكن تواجده الجغرافية حقائق قانون الأحزاب الإسرائيلية، بما فيها العربية، وهي حقائق لا يمكن كنسها وإخفاؤها تحت بساط الشعارات البليدة والتليدة.
سلمان مصالحة
عرب إسرائيل ينتخبون وسائر العرب يتفرّجون
لقد تابع العالم العربي من محيطه إلى خليجه الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة بعيون مشدوهة. ربّما من المفيد النظر في هذه الحال الإسرائيلية التي تشدّ أنظار المواطنين العرب في بلادهم وأوطانهم التي تفتقد إلى هذا النوع من حرية النشاط السياسي والبرلماني إلّا فيما ندر، وذلك لطبيعة الأنظمة التي تُنيخ عليهم كلاكلها وتكمّ أصواتهم من مولدهم وحتّى رحيلهم عن هذا العالم.
في هذا الأوان ما من شكّ في أنّ المواطن العربي في مشارق العرب ومغاربهم يحسد هذه الأقلية العربية التي بقيت في وطنها الذي صار اسمه إسرائيل في العام 1948. إنّه يرى أحزابًا وتيارات سياسية عربية تتناحر فيما بينها، تختلف حينًا ثمّ تأتلف في أحايين أخرى، بعضها الآخر يندمج في أحزاب يهودية صهيونية وآخر يقاطع الانتخابات لأسباب سياسية أو لنزوات شخصية وما إلى ذلك من أهواء وقناعات. إنّه يرى المواطنين العرب في إسرائيل يتهافتون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثّليهم في كنيست إسرائيل، أو برلمان «الكيان المزعوم» كما درج وصف إسرائيل في وسائل إعلامهم التي تُطبّل ليل نهار لجلّاديهم في كياناتهم الموهومة أصلًا.
رغم كلّ ما يقال عن الصراعات اليهودية الداخلية في إسرائيل، ورغم صراع هذه الأقلية العربية المستديم مع طبيعة الدولة ومكانها ضمن هذه الطبيعة الإشكالية، فإنّها أدرى بشعابها وليست بحاجة إلى توجيهات أو نصائح من أولئك المتفرّجين عليها من خارج وطنها والقابعين في بلدانهم المأزومة والمهزومة في آن معًا. إنّها ليست بحاجة إلى إرشادات من أولئك الذين غُرِّبوا أو هُجّروا من أوطانهم، أوطان الإيمان، إلى استيطانهم في بلاد «الكفّار».
صحيح أنّ أوضاع هذه الأقلية الباقية في وطنها، منذ نشوء إسرائيل كدولة يهودية باعتراف أممي، ليست مثالية بالمرّة. كما إنّ صراعها مع هذه الطبيعة للدولة ليست بالأمر السهل، وعلى وجه الخصوص مع ديمومة الصراع بأشكال شتّى ولسنوات طويلة منذ ذلك الحين مع عالم الجوار العربي الذي استخدم اسم فلسطين شمّاعة يُعلّق عليها أسباب فشل أنظمته في بناء أوطان تضمن عيشًا كريمًا فيه للإنسان.
في الماضي، وعلى خلفية الصراع العربي الإسرائيلي، كثيرًا ما كانت تُكال الاتهامات لهذه الأقلية من قبل تُجّار الكلام الشعبوي العروبي، في الخارج والداخل، بأنّها تجنح إلى الأسرلة. غير أنّ العروبة التي تبجّح بها هؤلاء قد كشفت عن عوراتها في العقود الأخيرة، إذ لم تُفلح هذه العروبة في بناء بلد عربيّ واحد من المواطنة المتساوية لِقُطّانه من خلفيات إثنية ودينية مختلفة. بل على العكس من ذلك، ظهرت على السطح كلّ التصدّعات المجتمعية، وما سفكته الأنظمة والمليشيات من دماء البشر على خلفية ما حملته من ضغائن وكراهيات متجذّرة في ذهنيّة ملله ونحله على مدار مئات السنين.
وعلى ضوء ما سلف، رُبّما كان من الأجدر لكلّ أولئك الذين يكيلون الاتهامات لهذه الأقلية العربية في إسرائيل أن يتركوها وشأنها، وأن يُحوّلوا جهودهم إلى إصلاح أسس بنيان بلادهم المنهارة أو الآيلة إلى الاندثار. حريّ بكلّ هؤلاء أن يتعلّموا من دروس هذه الأقلية وأساليبها المتنوّعة في صراع البقاء في وطن متعدّد الخلفيات الإثنية والدينية.
ربّما كان من المفيد أيضًا أن نضع أمام القارئ العربي على اختلاف مشاربه الفكرية وأماكن تواجده الجغرافية حقائق قانون الأحزاب الإسرائيلية، بما فيها العربية، وهي حقائق لا يمكن كنسها وإخفاؤها تحت بساط الشعارات البليدة والتليدة.
قانون الأحزاب:
ولكي يكون القارئ العربي على بصيرة من أمره حينما يحاول التطرّق لحال الأحزاب الإسرائيلية، بما فيها العربية على وجه التحديد، ربما من المفيد التذكير بأنّ ثمّة شروطًا قانونية لمشاركة الأفراد والأحزاب، وفقط الأحزاب التي لا تنقض هذه الشروط هي التي يُسمح لها المشاركة في الانتخابات، وهي شروط ينصّ عليها قانون أساس الكنيست وهو قانون دستوري ملزم.
ينصّ قانون الأحزاب على ما يلي:
”لا يُسمح لقائمة مرشّحين بالمشاركة في انتخابات الكنيست، كما لا يُسمح لشخص بأن يكون مُرشّحًا في انتخابات الكنيست، إذا انوجد في أهداف أو فعاليات القائمة أو أعمال الشخص، بمقتضى الأمر، بصورة واضحة أو بما قد يُفهَم منه، أيّ ممّا يلي:
(1) رفض وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية؛
(2) تحريض على عنصرية؛
(3) دعم لكفاح مسلّح، لدولة أو لمنظّمة إرهابيّة، ضدّ دولة إسرائيل.“
فماذا يعني هذا؟ إنّه يعني أنّ الأحزاب العربية المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية لا تتناقض مع أيّ بند من بنود هذا القانون. ولهذا فإنّ المحكمة العليا قد أقرّت بالإجماع السماح لهذه الأحزاب بالمشاركة.
يمين الولاء:
هنالك خطوة أخرى مُلزمة لكلّ نائب تمّ انتخابه للكنيست. إنّها خطوة قسم ”يمين الولاء“ في الجلسة الأولى للكنيست بعد الانتخابات. إذ يتوجّب على كلّ نائب منتخب أن يُقسم يمين الولاء هذا، ولا يُعتبر نائبًا في البرلمان دون أداء اليمين.
ينصّ يمين الولاء ما يلي: ”إنّي أتعهّد بأن أحافظ على ولائي لدولة إسرائيل وأن أنفّذ بأمانة مهامّ رسالتي في الكنيست.“
هنالك بعض الشعبويين الذين يرفعون شعارات بليدة وتليدة مناوئة للأسرلة الجارية في صفوف عرب إسرائيل، وذلك لدغدغة عواطف البعض في الخارج والداخل. غير أنّ ما ذكرنا من قانون الأحزاب ويمين الولاء لا يدع مجالًا للشكّ بأنّ هذه الأحزاب المشاركة في اللعبة الديمقراطية الإسرائيلية هي الأسرلة بكلّ ما يعنيه هذا المصطلح.
لقد ظهر جليًّا أيضًا في هذه الانتخابات أنّ هذه الأسرلة قد توسّعت وتمدّدت إلى منطقتين من خارج مناطق الأقلية العربية. أعني بذلك أوّلًا منطقة الجولان حيث شهدت هذه المنطقة تحوّلًا جذريًّا، إذ تهافت سكّان الجولان إلى التجنّس بالجنسية الإسرائيلية وإلى المشاركة الكثيفة في الانتخابات. وثانيًا، منطقة القدس العربية المحتلة، فقد ازداد في السنوات الأخيرة عدد الفلسطينيين الذين يتجنّسون بالجنسية الإسرائيلية، وازدادت المدارس التي تُدرّس المنهاج الإسرائيلي في المدارس الفلسطينية تاركة المنهاج الفلسطيني. وفي الانتخابات الأخيرة حصل ارتفاع ملحوظ جدًّا بالمشاركة في انتخابات الكنيست.
هذا يعني أنّ عملية الأسرلة قد امتدّت من عند «عرب إسرائيل»، «عرب الداخل»، «فلسطينيو الداخل» أو ما شئتم من مصطلحات لتصل إلى القدس العربية المحتلة وإلى هضبة الجولان. هذه هي حقيقة لا يمكن تجاهلها وطمسها بشعارات قومجية أو إسلاموية وما إلى ذلك ممّا تتفتّق عنه قرائح تجّار الكلام.
وفي الحقيقة، فإنّ هذه الأسرلة ليست وليدة الساعة الآن، وإنّما بدأت منذ ساعة قيام إسرائيل في هذه البقعة من الأرض. ولكي لا يبقى الكلام بلا أساس يستند إليه، يكفي أن نورد هنا بيان الحزب الشيوعي الإسرائيلي في نوفمبر 1948، مع قيام إسرائيل.
نداء الحزب الشيوعي:
«إنّ من الجريمة تحويل الحرب العادلة ضدّ المعتدين من جامعة الدول العربية وأسيادها المستعمرين إلى حرب عنصرية تستهدف السرقة واضطهاد الجماهير العربية في فلسطين. إنّ الجماهير العربية الفلسطينية قد قاومت الحرب التي فُرضت على دولة إسرائيل… وفي الوقت الذي يناضل فيه رفاقنا اليهود بشجاعة في الصفوف الأمامية لجيش إسرائيل، فإنّ رفاقنا العرب يواجهون أشدّ الأخطار في نضالهم البطولي السرّي في مؤخّرة العدو ضدّ المستعمرين وأعوانهم أنفسهم» (مصدر: صحيفة «الاتحاد»، 1.11.11948).
ليس هذا فحسب، بل دعا قادة هذا الحزب حينئذ ومن على منصّة الكنيست إلى تجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي. وفي بداية سنوات الخمسينات من القرن المنصرم تهافت العرب في إسرائيل، في المثلث والجليل إلى التسجيل للخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي. هذا ما تكشفه وثائق الأرشيف الإسرائيلي. وربّما أتطرّق إلى هذا الموضوع وأكشف هذه الوثائق في مناسبة أخرى.
خلاصة الكلام، حريّ بالقارئ العربي، والفلسطيني بالتحديد، أن يتزوّد بالحقائق قبل التطرّق إلى شؤون يجهل ما خفي من أمور وصيلة بها، أو ما تخفيه عنه وسائل إعلامه التي دأبت على إشاعة الجهل.
والعقل ولي التوفيق.
للاستزادة حول هذه المواضيع، اقرأ:
ماهية الأحزاب المنتخبة في كنيست إسرائيل
نداء الحزب الشيوعي في إسرائيل
احتفالنا باستقلال إسرائيل
دفاعًا عن استقلال إسرائيل
صفحات مغيّبة من تاريخ اليسار الفلسطيني








الماءُ، قِيلَ، أَتَى كَيْ يُنْبِتَ
لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم مرّ الكرام دون حساب أو عقاب. لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم وكأنّ شيئًا لم يكن.

عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا، أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...


0 تعليقات:
إرسال تعليق