في مديح الهاشميين في هذا الأوان


سلمان مصالحة || في مديح الهاشميين في هذا الأوان

منذ مدّة طويلة
يلاحظ القرّاء، في غير مكان من وسائل الإعلام، وفي هذا الموقع بالذّات، بروز هجمة إعلامية يقودها هنا شاكر النابلسي على الهاشميين في الأردن بالذات. لا أريد الدخول في التفاصيل الأردنية الدقيقة لسببين اثنين. أوّلاً، لأنّي لست على علم بها بما يكفي لإبداء رأي قاطع في مسيرة الأحداث. وثانيًا، لأنّ الأمر الأكثر أهميّة في هذا السياق، بنظري، يقع في مكان خارج هذه الأحداث، سأتطرّق إليه لاحقًا.

هنالك من يدّعي أنّ الكيان الأردني هو كيان مصطنع، وقد برز على السطح جرّاء التقسيمات الاستعمارية لهذه المنطقة العربية على خلفية انهيار الدولة العثمانية، وأنّه كيان قد أُنشئ ليخدم أهدافًا استعمارية في هذه المنطقة العربية. بالطّبع، هذه حقيقة تاريخية لا ينتطح فيها عنزان. غير أنّ هذه الحقيقة هي جزء بسيط من الحقيقة الكبرى وهي أنّ كلّ هذه الكيانات السياسية هي كيانات مصطنعة في نهاية المطاف. كما إنّ الكيانات المصطنعة ليست حكرًا على المنطقة العربية دون غيرها، فالكيانات الأوروبية والكيانات الآسيوية، والأفريقية وغيرها، كلّها كيانات مصطنعة خارجة من أفول وتراجع الإمبراطوريات وصعود القوميّات الإقليمية.

إذن، الأردن كيان مصطنع كغيره في هذه المنطقة. إنّه مصطنع مثل إسرائيل، مثل لبنان، مثل سورية والعراق والكويت وسائر الأقطار التي وضع حدودها الاستعمار في نهاية المطاف. لقد قطّع الاستعمار أوصال مناطق شاسعة ورسم حدودًا لا تأخذ بالحسبان أواصر الإثنيات والطوائف. هكذا، على سبيل المثال تقطّعت أوصال ملايين الأكراد بين عدّة دول إقليمية هي تركياو إيران، العراق وسورية، ولا يزالون يعانون جرّاء هذا التقسيم.

الدكتاتوريات هي التي تُفتّت الدّول:
هنالك من يدّعي بوجود مؤامرة لتفتيت هذه المنطقة ورسم حدودها من جديد. غير أنّ كلّ هؤلاء المُدّعين من حاملي نظريّة المؤامرة هذه لا يكلّفون أنفسهم بالنّظر إلى ما يدور في دواخلهم. بالطبع، قد تكون هنالك دول عظمى ذات مصالح ظاهرة أو خفيّة في هذه البقعة من الأرض، ولكنّ هذه النّظرة هي نظرة ضيّقة، إذ لولا وجود أرضيّة خصبة لهذا التفتّت لما استطاعت الدول العظمى، مهما بلغت قوّتها، أن تنال من وحدة البلاد.

والأرضيّة الخصبة لحدوث التفتُّت هي من صنع أهل هذه البلاد بأنفسهم، أو هي من صنع الأنظمة التي نشأت في هذه البلدان. إنّ الأنظمة الديكتاتورية التي ربخت على صدور البشر في هذه الأصقاع هي المسؤول الأوّل عن هذا التفتُّت إلى إثنيّات وطوائف وملل ونحل. فطوال عقود طويلة لم تُفلح هذه الأنظمة في خلق هويّة مدنيّة جامعة لأطراف المواطنين على اختلاف مشاربهم، بل كان كلّ همّها منصبًّا على الحفاظ على زعاماتها الطائفيّة والقبليّة غير متورّعة في ارتكاب الجرائم والاستبداد واستعباد العباد. وما حصل ويحصل في العراق، وما يجري الآن في سورية هو خير مثال على هذه الأنظمة الفاسدة والمفسدة في الأرض.

هل الأردن يسير على هذه الطريق؟
كما نوّهت سابقًا، الأردن كغيره من الكيانات في هذه المنطقة. غير أنّه والحقّ يُقال، لا يمكن أن يُقارن من ناحية الاستبداد والظّلم بأنظمة البعث القبلي، وبسائر الأنظمة العروبية الثورجية التي أغرقت شعوبها في بحار من الدم من المسفوك بغية البقاء في كرسي الرئاسة على جثث العباد للاستحواذ بموارد البلاد.

غير أنّه، وبخصوص الأردن، سيكون لسقوط النّظام الأردني إسقاطات بعيدة المدى على القضية الفلسطينية بعامّة. من هذا المنطلق يجب النّظر إلى الحملة المُوجّهة ضدّ الأردن بمنظار آخر. إنّ حملة كهذه تصبّ في مصالح اليمين الأميركي المرتبط ارتباطًا سياسيًّا مع اليمين الإسرائيلي الّذي يرى في الأردن وطنًا بديلاً للفلسطينيّين. فإذا أخذنا بنظر الاعتبار التركيبة الديموغرافية للأردن، حيث أنّ الغالبية السكّانية أو ما يقارب ذلك من أصول فلسطينية، فإنّ سقوط النّظام وقيام نظام آخر، فهذا يعني أنّ الأردن سيتحوّل دولة بغالبية سكّانية فلسطينية.

وفي حال كهذه،
فإنّ العالم سيتوقّف عن المطالبة بقيام دولة فلسطينية ثانية في الضفة والقطاع، حيث لا يمكن الدعوة لقيام دولتين فلسطينيّتين. وهكذا، ستصبح الطريق سالكة أمام اليمين الإسرائيلي - بدعم من اليمين الأميركي وسكوت العالم الآخر - ليمضي في ابتلاع ما يستطيع ابتلاعه من أراضي الضفّة الغربية. من هنا فإنّ الهجمة على الهاشميين في هذه اللحظة يخدمون أجندات اليمين الأميركي والإسرائيلي.

إذن، حتّى وإن كان الكيان الأردني مصطنعًا، فهو مصطنع كغيره من هذه الأقطار في هذه البقعة. غير أنّه ورغم هذه المفارقة التاريخية في هذا الأوان بالذّات، فإنّه يشكّل في هذه اللحظة التاريخية حاميًا لما تبقّى من القضيّة الفلسطينية أمام الهجمة الصهيونية على الأرض الفلسطينية.

ولهذا، اقتضى التنويه!
*
نشر: ”إيلاف“، 11 يناير 13



مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • روبرت فروست

    يَقُولُ البَعْضُ: سَيَنْتَهِي العَالَمُ بِالنّارِ،
    وَالبَعْضُ يَقُولُ: بِالجَلِيدِ.

    مِمَّا كُنْتُ ذُقْتُ مِنَ الأَشْواقِ
    أَمِيلُ إلَى رَأْيِ القائِلِينَ بِالنّارِ.
  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك

    زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة