11 يناير 2013

في مديح الهاشميين في هذا الأوان


سلمان مصالحة || في مديح الهاشميين في هذا الأوان

منذ مدّة طويلة
يلاحظ القرّاء، في غير مكان من وسائل الإعلام، وفي هذا الموقع بالذّات، بروز هجمة إعلامية يقودها هنا شاكر النابلسي على الهاشميين في الأردن بالذات. لا أريد الدخول في التفاصيل الأردنية الدقيقة لسببين اثنين. أوّلاً، لأنّي لست على علم بها بما يكفي لإبداء رأي قاطع في مسيرة الأحداث. وثانيًا، لأنّ الأمر الأكثر أهميّة في هذا السياق، بنظري، يقع في مكان خارج هذه الأحداث، سأتطرّق إليه لاحقًا.

هنالك من يدّعي أنّ الكيان الأردني هو كيان مصطنع، وقد برز على السطح جرّاء التقسيمات الاستعمارية لهذه المنطقة العربية على خلفية انهيار الدولة العثمانية، وأنّه كيان قد أُنشئ ليخدم أهدافًا استعمارية في هذه المنطقة العربية. بالطّبع، هذه حقيقة تاريخية لا ينتطح فيها عنزان. غير أنّ هذه الحقيقة هي جزء بسيط من الحقيقة الكبرى وهي أنّ كلّ هذه الكيانات السياسية هي كيانات مصطنعة في نهاية المطاف. كما إنّ الكيانات المصطنعة ليست حكرًا على المنطقة العربية دون غيرها، فالكيانات الأوروبية والكيانات الآسيوية، والأفريقية وغيرها، كلّها كيانات مصطنعة خارجة من أفول وتراجع الإمبراطوريات وصعود القوميّات الإقليمية.

إذن، الأردن كيان مصطنع كغيره في هذه المنطقة. إنّه مصطنع مثل إسرائيل، مثل لبنان، مثل سورية والعراق والكويت وسائر الأقطار التي وضع حدودها الاستعمار في نهاية المطاف. لقد قطّع الاستعمار أوصال مناطق شاسعة ورسم حدودًا لا تأخذ بالحسبان أواصر الإثنيات والطوائف. هكذا، على سبيل المثال تقطّعت أوصال ملايين الأكراد بين عدّة دول إقليمية هي تركياو إيران، العراق وسورية، ولا يزالون يعانون جرّاء هذا التقسيم.

الدكتاتوريات هي التي تُفتّت الدّول:
هنالك من يدّعي بوجود مؤامرة لتفتيت هذه المنطقة ورسم حدودها من جديد. غير أنّ كلّ هؤلاء المُدّعين من حاملي نظريّة المؤامرة هذه لا يكلّفون أنفسهم بالنّظر إلى ما يدور في دواخلهم. بالطبع، قد تكون هنالك دول عظمى ذات مصالح ظاهرة أو خفيّة في هذه البقعة من الأرض، ولكنّ هذه النّظرة هي نظرة ضيّقة، إذ لولا وجود أرضيّة خصبة لهذا التفتّت لما استطاعت الدول العظمى، مهما بلغت قوّتها، أن تنال من وحدة البلاد.

والأرضيّة الخصبة لحدوث التفتُّت هي من صنع أهل هذه البلاد بأنفسهم، أو هي من صنع الأنظمة التي نشأت في هذه البلدان. إنّ الأنظمة الديكتاتورية التي ربخت على صدور البشر في هذه الأصقاع هي المسؤول الأوّل عن هذا التفتُّت إلى إثنيّات وطوائف وملل ونحل. فطوال عقود طويلة لم تُفلح هذه الأنظمة في خلق هويّة مدنيّة جامعة لأطراف المواطنين على اختلاف مشاربهم، بل كان كلّ همّها منصبًّا على الحفاظ على زعاماتها الطائفيّة والقبليّة غير متورّعة في ارتكاب الجرائم والاستبداد واستعباد العباد. وما حصل ويحصل في العراق، وما يجري الآن في سورية هو خير مثال على هذه الأنظمة الفاسدة والمفسدة في الأرض.

هل الأردن يسير على هذه الطريق؟
كما نوّهت سابقًا، الأردن كغيره من الكيانات في هذه المنطقة. غير أنّه والحقّ يُقال، لا يمكن أن يُقارن من ناحية الاستبداد والظّلم بأنظمة البعث القبلي، وبسائر الأنظمة العروبية الثورجية التي أغرقت شعوبها في بحار من الدم من المسفوك بغية البقاء في كرسي الرئاسة على جثث العباد للاستحواذ بموارد البلاد.

غير أنّه، وبخصوص الأردن، سيكون لسقوط النّظام الأردني إسقاطات بعيدة المدى على القضية الفلسطينية بعامّة. من هذا المنطلق يجب النّظر إلى الحملة المُوجّهة ضدّ الأردن بمنظار آخر. إنّ حملة كهذه تصبّ في مصالح اليمين الأميركي المرتبط ارتباطًا سياسيًّا مع اليمين الإسرائيلي الّذي يرى في الأردن وطنًا بديلاً للفلسطينيّين. فإذا أخذنا بنظر الاعتبار التركيبة الديموغرافية للأردن، حيث أنّ الغالبية السكّانية أو ما يقارب ذلك من أصول فلسطينية، فإنّ سقوط النّظام وقيام نظام آخر، فهذا يعني أنّ الأردن سيتحوّل دولة بغالبية سكّانية فلسطينية.

وفي حال كهذه،
فإنّ العالم سيتوقّف عن المطالبة بقيام دولة فلسطينية ثانية في الضفة والقطاع، حيث لا يمكن الدعوة لقيام دولتين فلسطينيّتين. وهكذا، ستصبح الطريق سالكة أمام اليمين الإسرائيلي - بدعم من اليمين الأميركي وسكوت العالم الآخر - ليمضي في ابتلاع ما يستطيع ابتلاعه من أراضي الضفّة الغربية. من هنا فإنّ الهجمة على الهاشميين في هذه اللحظة يخدمون أجندات اليمين الأميركي والإسرائيلي.

إذن، حتّى وإن كان الكيان الأردني مصطنعًا، فهو مصطنع كغيره من هذه الأقطار في هذه البقعة. غير أنّه ورغم هذه المفارقة التاريخية في هذا الأوان بالذّات، فإنّه يشكّل في هذه اللحظة التاريخية حاميًا لما تبقّى من القضيّة الفلسطينية أمام الهجمة الصهيونية على الأرض الفلسطينية.

ولهذا، اقتضى التنويه!
*
نشر: ”إيلاف“، 11 يناير 13



مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام