11 ديسمبر 2017

أيّام الغضب لا تأتي بشيء

التاريخ لا يتوقّف والعالم يتغيّر. وفي هذا الأوان كلّ قطر عربيّ مشغول بمصائبه التي لها أوّل وليس لها آخر... لقد بلغ التشرذم مرحلة متقدّمة، وهي مرحلة تستدعي استبدال كلّ القيادات الفلسطينية التي أوصلت الفلسطينيين إلى هذا الحضيض.

سلمان مصالحة

أيّام الغضب لا تأتي بشيء

في الحقيقة لا أدري لماذا كلّ هذه الضجّة وكلّ هذه المنائح الفلسطينية والعربية الآن إثر إعلان الرئيس الأميركي ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. صحيح أنّ العالم لم يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل حتّى الآن، غير أنّ إسرائيل أعلنتها عاصمتها منذ قيامها وأنشأت فيها البرلمان - الكنيست - والوزارات والمؤسسات الحكومية، كما إنّ كلّ زعماء العالم الذين يأتون إلى إسرائيل يجرون محادثاتهم الرسمية في المدينة.

العالم لم يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما لم يعترف بها عاصمة لأيّ كيان سياسي آخر، وذلك لأسباب لها علاقة بالقرار الأممي الصادر في العام 1947 والداعي إلى تقسيم فلسطين وإنشاء دولتين - يهودية وعربية. لقد استثنى القرار مدينة القدس ومحيطها من التقسيم جاعلًا منها كيانًا دوليًّا بسلطة خاصّة. هذا هو السبب الرسمي لعدم الاعتراف بها عاصمة لأيّ كيان سياسي، وليس هنالك أيّ سبب آخر.

بعد حرب حزيران 1967 واحتلال الضفّة الغربية أعلنت إسرائيل ضمّ المدينة وأجرت عليها القوانين الإسرائيلية المدنية، بينما أبقت الحكم العسكري في سائر مناطق الضفّة الغربية. ليس هذا فحسب، بل قامت السلطات الإسرائيلية بتوسيع حدود المدينة لتضع تحت سلطاتها البلديّة مناطق وقرى فلسطينية كثيرة في ضواحيها البعيدة والقريبة جاعلة منها أورشليم الكبرى.

منذ ذلك الوقت، لم يفعل الفلسطينيون، ولا العرب، شيئًا. لقد كانوا مشغولين جدًّا في مؤتمرات القمّة بجبهات الصمود والتصدّي وإعداد العدّة لتحرير بيانات الاستهجان والاستنكار وتصدير شعارات الأمّة الواحدة والرسالة الخالدة.

وخلال كلّ هذه العقود من الاحتلال أنشأت إسرائيل عشرات المستوطنات، وهي أحياء كبرى يسكنها عشرات بل مئات الآلاف، وهذه الأحياء تُحدق بالمدينة العربية من كلّ جانب. وللعلم فقط، فإنّ عشرات الآلاف من العمّال الفلسطينيّين هم من قاموا في الماضي ولا يزالون حتى الآن ببناء هذه المستوطنات، بينما سلطات الفساد الفلسطينية تتمتّع بأموال الدول المانحة، أكانت هذه أموالاً عربية أم أجنبية.

طوال هذه العقود الماضية كانت فلسطين ورقة رابحة في أيدي أنظمة الاستبداد العربية. فلقد ألهت هذه الأنظمة الشعوب العربية بهذه العظمة الفلسطينية في الوقت الذي عملت فيه على تجذير الاستبداد والتحكّم بمصائر العباد بغية توريث السلطة من شرّ سلف لشرّ خلف.

حتّى عندما فاجأ الرئيس المصري الراحل أنور السادات العالم مرّتين، الأولى بحرب أكتوبر والثانية بزيارته لإسرائيل وخطابه في الكنيست في القدس، ثم عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل القاضية بإعادة سيناء كاملة للسيادة المصرية، لم يُبدّل ”ممانعو“ ذلك الأوان جلودهم، بل واصلوا التشبّث بالشعارات إيّاها واتهموا السادات بالخيانة وأبعدوا مصر عن الجامعة العربية.

لقد أصرّ السادات في ذلك الأوان على عدم تجاهل القضية الفلسطينية، فدار الحديث آنذاك عن حكم ذاتي فلسطيني في المناطق المحتلّة. وللتذكير لم يكن آنذاك غير بضعة آلاف من المستوطنين في المناطق المحتلة بما فيها القدس. غير أنّ منظمة التحرير بقياداتها الجاهلة لموازين القوى الدولية والمسارات التاريخية ذهبت مع الـ”ممانعين“ البعثيّين، عراقيين وسوريين وليبيين، وهو الأمر الذي دفع الملك حسين إلى فكّ الارتباط مع الضفة الغربية. غير أنّ السياسات المتهوّرة للقيادة الفلسطينية قد أوصلتها إلى درك أسفل دفعها إلى القبول بفتات أوسلو الذي هو أقلّ بكثير ممّا كان يمكن الحصول عليه في اتفاقات السلام المصرية الإسرائيلية.

لقد مهّدت اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية الطريق للملك الأردني، الذي فكّ الارتباط بالضفّة من قبل، إلى أن يمضي هو الآخر على خطى مصر، ثمّ منظمة التحرير، لعقد معاهدة سلام منفصلة مع إسرائيل بحثًا عن مصالح مملكته.  لو لم تُدفع المملكة الأردنية إلى فكّ الارتباط بين الضفّتين، لما استطاع الأردن إبرام معاهدة سلام دون إعادة الضفّة والقدس العربية للمملكة، على غرار الاتفاقية المصرية الإسرائيلية.

الممانعون واصلوا إطلاق الشعارات بينما واصلت إسرائيل بناء المستوطنات وتطويق القدس من كلّ جانب باستيطان كثيف أضحى من الصعوبة بمكان إيجاد حلّ سياسي مرضٍ في هذه المدينة المعقّدة دينيًّا وحضاريًّا.

التاريخ لا يتوقّف والعالم يتغيّر. وفي هذا الأوان كلّ قطر عربيّ مشغول بمصائبه التي لها أوّل وليس لها آخر. كما إنّ القيادات الفلسطينية ليست بمستوى المسؤولية التي تستلزمها هذه المرحلة. لقد بلغ التشرذم مرحلة متقدّمة، وهي مرحلة تستدعي استبدال كلّ القيادات الفلسطينية التي أوصلت الفلسطينيين إلى هذا الحضيض.

لأجل الخروج من هذه المآزق هنالك حاجة إلى تفعيل الخيال السياسي. الخطوة الأولى لتفعيل هذا الخيال هي بحلّ السلطة الفلسطينية، وإجراء انتخابات لقيادات جديدة تتعامل مع مستجدّات هذه المرحلة. وعلى غرار الوضع الذي ساد في جنوب أفريقيا، فهنالك قيادة فلسطينية تقبع في السجون الإسرائيلية. الخيال السياسي المطلوب الآن هو انتخاب مروان البرغوثي رئيسًا لفلسطين، على غرار نلسون مانديلا، وانتخاب سلام فياض لرئاسة حكومة فلسطينية جديدة ونظيفة الأيدي.

فقط بالخيال السياسي، نظافة الأيدي ونقاء الضمائر يمكن التعامل مع العالم ووضعه أمام التحدّيات المستجدّة. لقد اتّشحت الرزنامة العربية والفلسطينية بأيّام الغضب. حريّ بأن يتذكّر الجميع بأنّه في السياسة أيّام الغضب والإضرابات لا تدفع القضيّة قيد أنملة إلى الأمام.
*
الحياة، 11 ديسمبر 2017

مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام