23 أبريل، 2015

هل ”دودنا من عودنا“؟


ماذا نرى من حولنا؟ لا شكّ أنّ كلّ عربيّ يملك ذرة من بصر أو بصيرة يجد نفسه مُضطرًّا إلى مواجهة التساؤلات إيّاها. فأين هي ”دول العصابات؟“ وأين هي ”الكيانات المزعومة“؟



سلمان مصالحة || 

هل ”دودنا من عودنا“؟



احتفلت إسرائيل هذا الأسبوع بيوم استقلالها السابع والستين. ليس من السهل التطرّق إلى هذا الحدث في صحيفة عربية. لأنّ مجرّد ذكر اسم إسرائيل في الفضاء العربي يثير الكثير من الأحاسيس. فخلال كلّ هذه العقود الماضية قد ارتبط اسم إسرائيل في مخيّلة الأجيال العربية باسم فلسطين ونكبتها. كم من الحبر سُكب، وكم من ساعات البثّ كُرّست للكلام عمّا أطلق عليه ”قضيّة العرب الأولى“؟

لم يكن التلفّظ باسم إسرائيل سهلاً على ألسنة العرب، بدءًا بالزعامات، مرورًا بأبواق تلك الزعامات وانتهاءً بمن يُطلق عليهم مصطلح ”مثقّفين“. أحيانًا كان يُكتب اسم ”إسرائيل“ بين هلالين تعبيرًا عن محاولة لنفض اليدين من واقع يراه الكاتب على الأرض. ثمّ تحوّل التعامل مع هذا الواقع إلى شكل من المنافسات البلاغية في الخطاب العربي، فذهب البعض إلى مرحلة أبعد من مجرّد وضع الهلالين، فصار مجرّد ذكر اسم إسرائيل محرّمًا في شرع الكتابة العربية واستُبدل بمصطلح ”دولة العصابات“، ثمّ ازدادت حمية التّنافس في الخطاب البلاغي العربي فانضاف إلى هذه السلسلة مصطلح جديد هو ”الكيان المزعوم“. كلّ هذه الـ”مكابرات“ في الخطاب العربي لم تنته، فحتّى يومنا هذا لا زالت قائمة، وقد انضافت إليها تسميات أخرى، مثل: ”دولة شاذّة“، أو ”دولة مصطنعة“.

جدير بالذكر في هذا السياق أنّه عندما قامت إسرائيل، لم يكن عدد الدول العربية يتجاوز أصابع اليدين، أمّا في هذا الأوان فقد فقست المنطقة عددًا لا بأس به من صيصان الدول العربية ”المصطنعة“ هي الأخرى، لقد بلغ العدد أصابع اليدين والرجلين معًا، بل وأزيد من ذلك. أليست كلّ دول المنطقة هذه، بل وكلّ دول العالم المعاصر مصطنعة أيضًا؟

وهكذا، وبينما كانت رؤوس مروّجي الخطاب العربي مدسوسة في الرمال، واصلت إسرائيل ترسيخ جذورها في المنطقة، وفي الجانب الآخر استمرّ خطاب الجنوح إلى دغدغة العواطف وتجييشها في تثبيت كواتم العقول على رؤوس النّاس. في الحقيقة، لم يكن التلفّظ باسم فلسطين وقضيّتها، أو ”لا صوت يعلو فوق صوت المعركة“ وما شابه ذلك، سوى وسيلة لدى الزعامات العربية للهرب من حقائق هذه الكيانات العربية ”المزعومة“ هي الأخرى بالطبع. لاحظوا هذه المفارقة، حيث إنّ مصطلح ”الزعامة“ مشتقّ من ذات الأصل اللغوي العربي.

وهكذا، مرّت الأعوام وراء الأعوام. وها نحن الآن بعد حوالي سبعة عقود من الزمان. لقد ولدنا، شببنا وترعرعنا في هذه البقعة من الأرض. فماذا نرى من حولنا؟ لا شكّ أنّ كلّ عربيّ يملك ذرة من بصر أو بصيرة يجد نفسه مُضطرًّا إلى مواجهة التساؤلات إيّاها. فأين هي ”دول العصابات؟“ وأين هي ”الكيانات المزعومة“؟

فقط لمجرّد جرد حساب بسيط: ”اليمن السعيد“ يبدو اليوم أكثر تعاسة ممّا كان قبل ”استقلاله“. ليبيا، وهي ”كيان مزعوم“ أيضًا عادت إلى أصلها وفصلها القبلي السابق للدولة. ”الكيان العراقي المزعوم“ تفتّت إلى مكوّناته الطائفية والإثنية، ”الكيان السوري المزعوم“ هو الآخر تفتّت واندثر فيه الحجر والشجر والبشر في بحر من الدماء ومن جرائم ”الممانعة“، ولن تقوم له قائمة في المستقبل المنظور.

أمّا عن لبنان، فحدّث ولا حرج. فلبنان هذا، على صغره مساحة وعديد سكّان، لا يستطيع انتخاب رئيس له. إذ كيف يستطيع هذا ”الكيان المزعوم“ أن ينتخب رئيسًا؟ ففي لبنان كلّهم زعماء: الرئيس ”فلان“ والرئيس ”علاّن“ وكلّهم ”رئيس“ في لبنان. لقد ولد هذا الكيان طائفيًّا، يعيش طائفيًّا وسيقضي نحبه طائفيًّا. فلكلّ طائفة زعيم وكلّ طائفة تنتخب زعماءها إلى يوم يندثرون.

أمّا عن فلسطين، وهي أيضًا ”كيان مزعوم“، على غرار إسرائيل وسائر دول المنطقة، من فحدّث ولا حرج. فمنذ سنوات أيضًا بدأ يترسّخ كيانان على الأرض، واحد في غزّة وآخر في طور التشكّل في الضفّة الغربية. وهكذا، وبعد عقود طويلة يكتشف الفلسطينيّون في هذا الأوان أن قضيّتهم ليست ”قضيّة العرب الأولى“، كما إنّ نكبتهم ليست أكبر من ”نكبات“ العرب الأخرى. فها هي ”سورية الكبرى“ أضحت اسمًا لنكبة أكبر من نكبتهم، بل وتضعها في الظلال.

وهكذا وصلنا إلى وضع تلحّ فيه لكلّ عربيّ قضيّته، وكلّ يغنّي على ليلاه، والأصحّ: كلّ يغنّي على ويلاه.

إذا جنحنا إلى التأمّل فيما يجري من حولنا في هذه المنطقة، نرى أنّ الكيانات الأكثر تماسكًا هي كيانات ليست عربية، وهي كيانات قويّة ومتطوّرة، بدءًا من إيران، مرورًا في تركيا وانتهاءًا بهذا ”الكيان المزعوم“ بنظر العرب، والمسمّى إسرائيل بنظر العالم.

فماذا نقول في توصيف أحوالنا: هل ”دودنا من عودنا“، كما تقول العامّة؟
*

نشر: ”الحياة“، 23.4.2015





For English, press here











مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام