علينا أن نتصارح لكي نتصالح



سلمان مصالحة ||

 
علينا أن نتصارح لكي نتصالح -

المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.


يمكن تقسيم هذه القلاقل إلى صنفين. فالصنف الأوّل منها هو داخلي وله علاقة بطبيعة وتركيبة هذه المجتمعات الإثنية والقبلية، والصنف الآخر هو قلاقل تحصل مع اتّصال هذه المجتمعات بمحيطها الأبعد، أي بنقاط تماسّها مع العالم الخارجي، العالم الآخر الذي ينماز عنها اجتماعيًّا، حضاريًّا وسياسيًّا.

هنالك، بالطبع، من يفضّل اختيار أسلك وأسهل الطرق لدى الحديث عن هذه القلاقل فينحو إلى عزو أسبابها إلى عوامل تقع خارج منظومته الاجتماعية والحضارية. فمرّة يعزو كلّ هذه المآسي إلى مؤامرات الاستعمار وإلى أحابيل القوى العظمى التي تستهدف هذه الأصقاع العربية والإسلامية ومواردها، إلى آخر ما تستنبطه قريحته البلاغية من أوصاف لهذه الأحابيل التي تُحاك في خفاء الأروقة الغربية.

في سياق العالم العربي، يمكن القول إنّ هذا الصنف من التحليلات تتفتّق عنه قرائح تيارين اثنين هيمنا على الحياة العربية منذ عقود طويلة، أي منذ خروج هذه الكيانات السياسية من الهيمنة الاستعمارية. فالتيار الأوّل أدمن على التشدّق بالقومية العربية، بالوحدة والاشتراكية وسائر الكلام المعسول الذي طغى على فضاءاتنا السمعية، والتيّار الآخر هو الإسلامي الذي يهزأ أصلاً من كلّ هذه الكيانات الوطنية وينظر بمنظار إسلاموي أممي عابر لهذه القوميات والوطنيات. أي، بكلمات معسولة من نوع آخر صدرت من مرشد الإخوان المصري واختُصرت بمقولته الشهيرة: ”طزّ في مصر“.

غير أنّ الخطابات الأيديولوجية المعسولة الموجّهة إلى الرأي العام شيء وحقيقة ما جرى وما يجري في الواقع هو شيء آخر مختلف تمامًا. بل ربّما يمكننا القول إنّ الخطاب الأيديولوجي العربي العابر للوطنيات الضيّقة الذي شنّف آذاننا طوال عقود كان كاذبًا أصلاً، ولم ينبع من إيمان عميق بهذه المقولات الرنّانة المدغدغة للعواطف. ما من شكّ في أنّ وراء أكمة هذه الشعارات العاطفية كانت ثمّة أمور خفيّة تعود جذورها إلى المواضي الغابرة التي لم تفلح في أن تتحرّر منها مجتمعات هذه الكيانات حتّى يومنا هذا.

كمثال على نرمي إليه، بوسعنا أن نطرح سؤالاً واحدًا. كيف يمكن أن نفسّر، على سبيل المثال، أنّ الأيديولوجية البعثية القوموية ذاتها التي اغتصبت السلطة في كلّ من سورية والعراق لم تنفّذ على أرض الواقع أيًّا من الشعارات الرنّانة التي شنّفت بها آذاننا طوال عقود؟ كيف ذا لم تسلك هذه الأيديولوجية ذاتها طريق الوحدة بين ”الأشقّاء“ وإنشاء كيان عربيّ يمحو حدود الخرائط الاستعمارية بينهما؟ لا مناص الحقيقة على الملأ، والحقيقة هي أنّه وبخلاف كلّ تلك الشعارات القوموية لدى شطري هذا البعث فإنّ العداء بينهما كان أكثر حدّة من الخلافات القائمة مع كيانات عربية أخرى. بل وأبعد من ذلك، فقد ظهرت حقيقة هذا الشرخ المتجذّر بين الكيانين في أبرز صورها حينما انضمّ نظام الأسد الأب إلى التحالف الأميركي الغربي الذي شنّ الحرب على نظام البعث الصدّامي التكريتي بعد غزو هذا الأخير للكويت. هكذا، ذهبت كلّ الشعارات القوموية الطنّانة التي تغنّى بها شطر البعث القرداحي أدراج الرياح.

كذا هي الحال أيضًا مع التيّار الأيديولوجي الآخر، ونعني به تيّار الإخوان المسلمين، ومع كلّ تفريخاته المحلية في هذا الصقع العربي أو ذاك. فعلى الرغم من الأيديولوجية العابرة للوطنيات التي يتأسّس عليها، فقد لاحظنا أنّه لم يفعل شيئًا لدى وصوله إلى السلطة في غير مكان من أماكن سيطرته. فهذا التيّار يؤمن بـ“طزّ في مصر“، والذي اعتلى سدّة الحكم بعد ربيع ميدان التحرير المصري لم يقم بإلغاء الحدود بينه وبين النظام الإخواني في السودان. بل وأبعد من ذلك، فقد واصل تنفيذ سياسة الحصار المفروضة على قطاع غزّة، حيث تسيطر حماس على مقاليد الحكم. وللتذكير فقط، فحماس هذه هي فرخ من تفريخات حركة الإخوان المسلمين إيّاها.

نقول كلّ ذلك، دون أن نتحدّث عن الشرخ العقائدي الديني الأكبر في الإسلام ذاته بين السنّة والشيعة. وهو شرخ تظهر مضاعفاته على الملأ في العقود الأخيرة بأبشع صورها، متمثّلة بتفجير المساجد والحسينيات على المصلّين من هذه الفئة أو تلك على طول وعرض العالم الإسلامي، دونما اعتبار لأيّ قيم أخلاقية.

هذا ما يراه المتابع للأحداث في هذا العالم العربي والإسلامي. وإذا كان هنالك من يعزو كلّ ذلك إلى مؤامرات الغرب وما شابه ذلك، فهنيئًا له بهذه الطمأنينة الذهنيّة. بالطبع، لا ينكر أحد وجود مصالح للدول في هذه المنطقة من العالم، مثلما أنّ لهذه المنطقة مصالح في سائر العالم. هذه طبيعة العلاقات بين المجتمعات البشرية، غير أنّ الركون إلى طمأنينة المؤامرات الخارجية هو جزء من مشكلة أهل هذه المنطقة. إنّها محاولات متواصلة وبائسة للهرب من محاسبة الذّات، وللهرب من إجراء حساب نفس جذري مرتبط بكلّ المنظومات الاجتماعية والثقافية والدينية والطائفية التي أضحت كواتم عقول على أهل هذه الديار.

وخلاصة القول، فقط بابتداء الخطو في طريق النّظر إلى أنفسنا بالمرآة، وفقط بالبدء بمحاسبة الذّات يمكننا أن نسلك سواء السبيل للشفاء من أمراضنا المزمنة. وبجملة واحدة: يجب علينا أن نتصارح لكي نتصالح، ليس مع أنفسنا فقط بل مع العالم من حولنا.
*

نشر: الحياة، 23/5/2015



مشاركات:

تعقيبات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • المرأة هي الحل

    لا مناص لنا سوى رؤية عرب اليوم كعربان الأمس حتّى وإن ركبوا الطّائرات وقادوا السيّارات وتشاتتوا في الإنترنت. حتّى أولئك الّذين ولدوا وترعرعوا في دول الغرب لم تتغيّر مفاهيمهم...
  • عنصرية عربية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قضايا محلية
  • شعب واحد أم تشعّبات

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
قضايا ثقافية
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...

انقر لإرسال إيميل
موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


نصوص شعرية
  • كلام الواحد الثاني

    الحُلْمُ فِي قَفَصٍ
    يَزْقُوهُ صَاحِبُهُ،
    بِفِكْرَةٍ وَقَعَتْ مِنْ
    غَيْمِ نِسْيَانِ.



  • أي، نعم

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.

    فَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ
    أَقِدُ الحَسْرَةَ فِي قَلْبٍ، وَفَمْ


  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.



أرشيف الجهة

 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

  • الإسراء إلى هيكل سليمان

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
نصوص نثرية
  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً...
  • كل الطيور تؤدي إلى روما

    كنت لا أزال طفلاً يافعًا، ولم تكن تنقصني سذاجة من سذاجات تلك الأيّام الغابرة. آنذاك لم يخطر أبدًا على بالي العربيّة الغضّة طرفُ خيط أمسك به، أو فكرة تحملني على معرفة النّوايا الخفيّة لأسراب الطّيور الّتي كانت تحطّ في حقول الزّيتون لقرية المغار الجليليّة المطلّة على بحيرة طبريّة...
  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
ترجمات
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
لغات أخرى