7 مايو 2015

ما الذي يشغل الأجيال العربية الناشئة؟

سلمان مصالحة ||
ما الذي يشغل الأجيال العربية الناشئة؟

أتابع بين الفينة والأخرى استطلاعات الرأي التي تُجرى في هذا البلد أو ذاك. ولأنّ الأقربين أولى بالمعروف، كما يُقال، فإنّي أميل إلى متابعة هذه الاستطلاعات في البلاد العربية. وبالرغم من مساحات الخطأ في هذا النوع من الأبحاث الميدانية، إلاّ أنّها تبقى إحدى الوسائل الهامّة للوقوف على بعض الأمور التي يتوجّب على المهتمّين، وخاصّة أصحاب القرار، أن يضعوها نصب أعينهم.

لقد لفت انتباهي في الآونة الأخيرة استطلاع شامل جرى في 16 بلدًا عربيًّا، تمتدّ من شمال أفريقيا إلى شرق المتوسط وانتهاء بمنطقة الخليج. لقد نُظّم الاستطلاع بين شريحة عمريّة شابّة بين 18-24 سنة، وتمحور حول عدّة قضايا جوهرية تواجه المجتمعات العربية.

تكشف لنا نتائج هذا الاستطلاع أمورًا مفاجئة تتعلّق باهتمامات وقلق هذه الشريحة من الأجيال العربية الشابّة. إذا أخذنا بالحسبان أنّ نسبة هذه الأجيال من العديد السكاني العربي هي النسبة الأعظم، ما يعني بالأعداد عشرات الملايين في بلد مثل مصر، أو مئات الملايين على مساحة العالم العربي بأكملها، فإنّ النتائج تشكّل ضوءًا أحمر أمام المسؤولين وصنّاع لقرار وأمام الباحثين عن حلول جذرية للقضايا الملحّة لدى هذه المجتمعات العربية. إذ أنّ هذه الشريحة العربية هي في نهاية المطاف عصب الكيان العربي، بدءًا بالوطني المحلّي ومن ثمّ العام على مستوى العالم العربي، في المستقبل المنظور.

مع بداية الهبّات الشعبية التي اجتاحت أقطارًا عربيّة شتّى كان التفاؤل كبيرًا لدى الأجيال العربية الشابّة، حيث عبّرت الأغلبية الساحقة عن ثقتها بإمكانية حصول تغيير وانتقال من حال العيش تحت أنظمة استبدادية إلى حياة في أنظمة ديمقراطية. وها هو الاستطلاع الجديد يكشف لنا عن تهاوي هذه الأحلام العربية من هذه الهبّات التي لم تأت بجديد. وهكذا، ففي العام 2012 رأى حوالي أربعين بالمئة من المستطلعين أنّ غياب الديمقراطية هو العقبة التي تقف حجر عثرة أمام تقدّم المجتمعات العربية فإنّ هذه النسبة قد تقلّصت إلى خمسة عشر بالمئة في العام 2015. وهذا يعني أنّ أبناء هذه الشريحة من الأجيال العربية الشابّة قد فقدت ثقتها بمجتمعاتها وبأنظمتها. ولمّا كانت هذه الشريحة هي أغلبية المجتمعات فإنّ هذا يعني أيضًا أنّها فقدت ثقتها بنفسها وبقدرتها هي على إحداث التغيير المنشود.

وإذا كان هنالك من يعتقد أنّ قضية التهديد النوي الإيراني هي العقبة الكبرى التي تواجه الشرق الأوسط، أو أنّها الشغل الشاغل للأجيال العربية فإنّ نتائج هذا الاستطلاع تُظهر أنّ هذه القضية تقع في ذيل الاهتمامات سويّة مع قضيّة تكافؤ الفرص للمرأة الغربية، حيث بلغت نسبة من يرون ذلك عقبة في الطريق ثماني بالمئة فقط. ليس هذا فحسب، بل حتّى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي قد يظنّ البعض أنّه قضية العرب الأولى، كما يشيع في الخطاب الثقافي العربي، ليس كذلك بالمرّة، إذ يأتي في المرتبة الرابعة بوصفه عقبة تعترض طريق الشرق الأوسط. لقد أظهر الاستطلاع أنّ الأجيال الشابّة ترى في تنظيم ”داعش“ وفي خطر الإرهاب، ثمّ مسألة البطالة كالقضايا الملحّة والعقبة التي تعترض طريق هذه المنطقة.

وهنالك قضيّة لا تقلّ أهميّة عمّا سبق، وهي تتعلّق بمسألة اللغة العربية ونظرة الأجيال العربية نحوها. فعلى الرغم من الشعور بأهمية اللغة بوصفها إحدى الركائز الأساسية للهوية العربية إلاّ أنّ أكثرية المستطلعين يرون أنّ هذه اللغة قد بدأت تفقد أهميّتها في صفوف هذه الأجيال. بل وأكثر من ذلك، فهنالك الكثيرون منهم يستخدمون الإنكليزية بدل العربية في حياتهم اليومية. وكانت نسبة مستخدمي الإنكليزية في دول الخليج هي الأعلى حيث تجاوزت الخمسين بالمئة. كما عبّر حوالي ثلثي المستطلعين عن عدم ثقتهم بقدرة حكوماتهم على صون مكانة اللغة.

وفوق كلّ ما ذكرنا أعلاه، فإنّ غالبية الأجيال العربية تفضّل العيش خارج بلدانها، وفي البلاد الغربية على وجه التحديد. وكما أسلفنا، فإذا أخذنا بالحسبان أنّ هذه الشريحة هي في الواقع ما سيشكّل صلب المجتمعات العربية في العقود القادمة، فإنّ الحال يُرثى لها.

هذه النتائج هي أكثر من مجرّد أضواء حمراء تنتظر هذه المجتمعات. إنّها صفّارات إنذار يجب أن تطرق مسامع الحريصين على مستقبل البشر في هذه البقعة من العالم. إنّ هذه النتائج تعني أنّ هذه البقعة لن تشهد استقرارًا لعقود طويلة في المستقبل.
 

فهل من سميع وهل من مجيب يضع الخطط للخروج من هذه المآزق، ومواجهة هذه التحدّيات؟
___
* استطلاع أصداء بيرسون-مارستيلر. استطلاع لرأي الشباب العربي 2015

نشرت: ”الحياة“، 7 مايو 2015 

أيضًا في: "شفاف الشرق الأوسط مصر العربية

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    فتوى علمانية

    فلو أنّ الأمور اقتصرت على هذه الفتاوى لضحكنا ومضينا في طريقنا غير آبهين بها. غير أنّ ما يثير الحفيظة هو توقُّف الكثيرين عند هذه المضحكات بينما يدسّون، كالنّعامات، رؤوسهم في الرّمال...
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • كاترينا إليوپولو

    حلمتُ عن امرأة
    امرأتي ليستْ أربعاء الرّماد
    كما ليستْ هي الجمعة الحزينة
    وليستْ أحدَ الصُّعُود
    امرأتي هي دَوْمًا الخميس.

  • ڤيسلاڤا شيمبورسكا

    نحنُ أبناءُ هذا العَصْر،
    إنّه عصرٌ سياسيّ.

    كلّ ما يحملُ يومُك من أعباء
    أو ليلُك، أعباؤك أعباؤنا، أعباؤكم
    هي أعباءُ سياسة.

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة