حوارات من أجل الغد

أرشيف (يوليو 2008): مقابلة تحوّلت إلى عراك

حوارات من أجل الغد


قبل سنوات اتّصل بي الدكتور أفنان القاسم مستفسرًا عن بعض القضايا. ثمّ لاحقًا طلب إجراء حوار يكون كتابيًّا ليتمّ تعميمه نشرًا في موقعه. ولمّا كنت أنشر آرائي على الملأ معبّرًا عن قناعاتي دون البحث عن شعبويّة عابرة، فقد وافقت على إجراء الحوار ونشره. ثمّ فوجئت بنشر المقابلة مع تقديم الدكتور أفنان القاسم يسبغ فيه عليّ نعوتًا مثل ”ضحية الفكر السائد“، وما إلى ذلك. فكتبت ردًّا على كلامه وتقديمه ونشرته في حينه أيضًا.

ها أنذا أعيد نشر الحوار والتقديم حرفيًّا، منقولاً عن جريدة “مصر الحرّة”، كما أعيد نشر مقالتي في الردّ على د. أفنان القاسم. وحينما أفعل ذلك فإنّما أفعله توثيقًا للكلام، ولكي يكون عقل القارئ النبيه هو الفصل في هذه القضايا التي لا زالت راهنيّة بعد مرور كلّ هذه السنوات.


***

[مقابلة]

حوارات من أجل الغد يجريها طلال حماد // د. سلمان مصالحة

(تنشر بالتعاون بين موقع أفنان، ومجلة مسارات الثقافية، وجريدة صوت العروبة، وجريدة عالم برس، وجريدة مصر الحرة)
*

[تقديم أفنان القاسم:]

”الدكتور سلمان مصالحة ضحية من ضحايا الفكر السائد، تخدعه المظاهر، ولا يقف الأمر عند هذا، فيجعل من نفسه موضوعا للتأويل حين تأمله لبعض الظواهر التي لا يتجاوز فيها –مع الأسف– سطحها، وعلى عكس ديوانه باللغة العبرية “داخل المكان” الذي كافأه عليه رئيس دولة إسرائيل بجائزته، نجده يكتب من “خارج المكان” فيما يخص مسائلنا وهمومنا، فهو على سبيل المثال عندما يتكلم عن واقع عربي ليس واحدا لا يرى هموم هذا الواقع الواحدة: قمع، فقر، مصادرة حريات، تجهيل، ترهيب، تكليب… وبالطبع من المهم الاعتراف بتعدد هويات هذا الواقع إلى جانب الهوية العربية (أمازيغية، كوردية، فرعونية…)، ولكن الأهم هو المعاناة الواحدة والإلتقاء حول نضالات واحدة فيها فائدة للجميع وبالتالي للبلد الحاضن لهم. ويذهب في تصوره البراني إلى حد يلامس فيه الخطورة عندما يعتبر القضية الفلسطينية واحدة من بين قضايا ليست أهمها، وهذا بالضبط ما تسعى إليه الإستراتيجية الإسرائيلية، ويعلل ذلك باهتمام النظام العربي بالقضية الفلسطينية والقضايا الأخرى على حساب “البشر والشجر والحجر” فيتناساها، بينما يتناسى هو ما كانته هذه القضايا للحاكم العربي المتختخ من ذريعة “جماهيرية” وغطاء “وطني” للبقاء في الحكم وللتسلط ونهب ثروات البلد.إلغاء مصطلح “القضية الفلسطينية”والحديث عن الإنسان يكون عندما يُلغى الإحتلال ويستعيد الإنسان إنسانيته. وفيما يخص “الإسلام هو الحل” بكل ما يعني ذلك من تجاهل للطوائف الأخرى، أي التطرف المعروف، يقابل التطرف بالتطرف، فالإسلام له ليس الحل، وهو يماهي بين الإسلام والهوية الفلسطينية، وكأن هذا ينفي ذاك في نظام يترك الدين في المعابد، ويجعل من فلسطين هوية لكل الديانات.نوافقه حينما يفسر الإستعمار السياسي بإحلال القبيلة التكريتية أو العلوية أو الهاشمية…محله، والإقتصادي بهيمنة السلع المستوردة، هذا صحيح، ويُحمّل الفرد العربي تبعة ذلك، هذا صحيح أيضا، لكن أن يكون الإستعمار الغربي أرحم من استعمار “ذوي القربى”، فهذه هي السذاجة بعينها، وهذا هو التبسيط بعينه، لأن الإستعمار يبقى الإستعمار، القمعي الكلبي الكلي، تتبدل فقط أشكاله وأدواته ولا علاقة للإستغلال بأبناء قوم أو غيره بل بأبناء مصالح وفوائد وامتيازات. وفيما يخص أمجاد الماضي وآثارها السلبية نقول له إن الماضي سواء أكان قريبا (الماضي الأميركي) أم بعيدا (الماضي العربي) عندما يتحول إلى إيديولوجيا يصبح أداة من أدوات السيطرة على الأفراد والمجتمعات، والإنسان العربي المثقل كاهله بعبء أمجاد الخليفة عمر كالإنسان الأميركي المثقل كاهله بعبء أمجاد راعي البقر، كلاهما ضحية لإيديولوجيا وُضعت في خدمة الرأسمالية العربية والرأسمالية الأميركية، أي أن المال واستغلال الشعوب من أجل المال يدفعان إلى إعلاء شأو الماضي البعيد في حالتنا للتعويض عن وضع حاضر مذل.أما الحريات في الغرب، فتظل أساسية، هذا صحيح، ولكنها تغدو شكلية عندما نعرف أن الحرية الحقيقية الوحيدة هنا هي حرية رأس المال، وأن تناوب الأحزاب في الحكم، هذه الأحزاب لا تأتي إلا لتدير رأس المال هذا بشكل أفضل مما سبق. حرية الفرد في الغرب تتحول إلى عبودية على الساعة الرابعة مساءً عندما يسعى ملايين البشر معا لأخذ الباص أو المترو أو القطار. المشكل الأساسي ليس بين الفردانية عندنا أو عندهم وإنما النظام. النظام في الغرب مذل ومهين ومدمر ووطواطي بمعنى ماص للدم، الكل فيه “عبيد أحرار”، وعندما نقول الكل (كل الكادحين)نحن لا نعمم مثلما يعمم الدكتور سلمان عندما يحكي هو عن “عرب”كما يحكي عن قطيع من بقر أو غنم!سلمان مصالحة مشكله الكبير التعميم إضافة إلى أنه يستعمل في خطابه مصطلح “العرب”كمفهوم غوغائي، كعصابات مقابل ذلك الإدعاء الرسمي البعيد عن أوائل الإسرائيليين (عصابات) دون أن يكون قصده على الإطلاق الدفاع عنهم، فهم من التنظيم كانوا وما زالوا يتمنى الدكتور سلمان وأنا والكل من هذه الناحية أن نكون مثلهم، إذن عصابات نحن في العراق وغير العراق هذا صحيح، ولكن من أوجد هذه العصابات؟ ولأي غرض؟ وكعادته لا يتكلم عن السياسي كما يوجب الكلام عن السياسي، ويتجاهل الإقتصادي. أخيرا كلمة حول قلم الرقيب غير الموجود في إسرائيل، بنبرة تصل إلى حد التباهي، كما هو حاله في الغرب عندنا بينما الموجود، وهذا ما لا يدركه صاحب “داخل المكان”، أن هناك قوة إعلامية احتكارية جهنمية تقدم إلى الأمام ما تريد وتدفع إلى الوراء إلى المحو الكامل ما لا تريد، والفرد في الغرب وفي إسرائيل يسقط رأسه بكل ما فيه من مزابل الفكر وروث الثقافة تحت مقصلة دكتاتورية الدعاية وقمع الصورة.“

أ. القاسم

*

[مقابلة]

- ما هي قراءتك للواقع العربي الحالي بشكل عام؟

السؤال ذاته مليء بالتّناقضات، إذ لا تمكن “قراءة” الواقع في مجتمعات تتحكّم فيها الأميّة. والأميّة الّتي أعنيها ليست تلك الأميّة الّتي يمكن محوها في المدرسة، على أهميّة هذا الجانب. إنّما أعني بذلك تلك الأميّة المتفشّية بشأن كلّ ما يتعلّق بلغة العصر على جميع جوانبها الحضاريّة: السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة. أضف إلى ذلك، إنّه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال الحديث عن واقع عربيّ واحد يمكن تحديد معالمه. فما هو شاغل بال المغربيّ ليس هو ما يشغل بال العراقيّ، ويمكن تطبيق هذه المقولة على كلّ قطر من هذه الأقطار المسمّاة عربيّة. وما دام العربيّ بحاجة إلى تأشيرات للتّنقُّل بين هذه الأقطار فلا يمكن الحديث عن واقع عربيّ واحد. بل أصلاً، وعلى سبيل المثال فقط، هل يمكننا الحديث عن هذا القطر المسمّى “العراق” وكأنّه شيء واضح المعالم؟ أليست حدود هذا الكيان هي حدود فرضها الاستعمار الغربيّ، مثلما فرض سائر الحدود الفاصلة بين أقطار هذه المنطقة؟ فالكردي “العراقي” على سبيل المثال لا الحصر، ليس عربيًّا ولا يريد أن يكون عربيًّا، وكذلك الأمازيغ والبربر والأقباط وغيرهم. فجميع هؤلاء شعوب كان العرب قد استعمروهم في فترة سابقة هي فترة الاستعمار الإسلامي الأوّل الّذي يحلو للإسلامويّين والعروبيّين تسميته بـ “فتوحات”.

ما من شكّ في أنّ هذا الكلام سيثير حفيظة الكثيرين من هؤلاء. وإذا أثار كلامي هذا غضب هؤلاء، فما عليهم إلاّ أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة ويتفكّروا قليلاً لماذا يغضبهم هذا الكلام. هل يغضبهم لأنّهم في قرارة أنفسهم يحنّون إلى عصر كانوا فيه مستعمرين لغيرهم؟ فإذا كانوا كذلك، فأكاد أجزم إنّه لا يمكن أن يكونوا أحرارًا أبدًا، لأنّ من يسلب حريّة غيره لا يمكن أن يكون هو نفسه حرًّا أبدًا، بل سيظلّ عبدًا لغرائزه البدائيّة.
*

- والقضية الفلسطينية؟

وهذا السؤال أيضًا يحمل في طيّاته الإجابة على نفسه. نعم، إنّها “قضيّة” كما دأب الإعلام العربي على شحن ذهنيّة النّاس بها. فعندما يدور الحديث عن قضيّة يتحوّل الموضوع إلى تمرين ذهنيّ، أو ربّما مسألة مجرّدة تحتمل الجدل فيها بعيدًا عن الأبعاد الإنسانيّة. فإذا كانت “فلسطين” قضيّة فهناك الكثير من القضايا الأخرى، ومثلما يتمّ تقديم البحث أو تعليق بعض القضايا لأسباب متعلّقة بمصالح هذا النّظام أو ذاك حفاظًا على رؤوسه، كذا هي “القضيّة الفلسطينيّة”، قد تلحّ أحيانًا وقد تتأخّر لأنّ قضايا المنطقة كثيرة وعويصة وهنالك ما هو ألحّ للتّعامل معه. وفي أثناء ذلك يتمّ تناسي البشر والشّجر والحجر. هذا ناهيك عن أنّ الفلسطينيّين ذاتهم لا يتصرّفون كشعب منضبط ذي قيادة حكيمة تعرف ماذا تريد وإلى أين تريد الوصول، وفوق كلّ ذلك لا تنتهج القيادات مصارحة النّاس قولاً وفعلاً. وما لم يتمّ عمل ذلك، فسيبقى الفلسطينيّون لعبةً يتلهّى بها الآخرون، كلّ حسب أجندته.
لهذا يجب إلغاء هذا المصطلح “القضيّة الفلسطينيّة” من الاستعمال العربي، وبدل ذلك يجب الحديث عن النّاس، عن البشر وما يفيد البشر بوضع خطط عينيّة وعمليّة تدفع باتّجاه التّحرُّر والتّقدُّم. وبهذا السّياق لا يمكن أن يكون الإسلام “هو الحلّ” لفلسطين المتعدّدة الطّوائف أصلاً. ناهيك عن أنّ أجندة الإسلام هي نقيض لأجندة فلسطين، ولأيّ أجندة وطنيّة محلّيّة. الإسلام سيبقي فلسطين قابعة في خانة الـ”قضيّة”، وبذلك ستنتفي معه الهويّة الفلسطينيّة الخاصّة. من هنا، على الفلسطينيّين أن يقرّروا لأنفسهم أوّلاً إمّا أن يكونوا شعبًا، بكلّ ما تحويه هذه الكلمة من معنى وما يترتّب من ذلك، وإمّا أن يكونوا “قضيّة” قد تلحّ على الآخرين وقد لا تلحّ.

*
- اعتبر القرن الماضي (العشرون)في حينه، قرن انتصار الشعوب والثورات الكبرى والتحرّر من الاستعمار المباشر. إلى أيّ مدى، في نظرك، كان ذلك صحيحاً؟ وماذا تعتقد أن يكون عليه القرن الحالي ( الواحد والعشرون)، في ظلّ هيمنة القطب الإمبريالي الأوحد، الأمريكيّ بالتحديد؟

ماذا يعني التّحرّر من الاستعمار، وهل حقًّا تحرّرت الشّعوب؟ ثمّ، هل يمكن أصلاً الحديث عن تحرّر في هذا العالم؟ ليس من السّهل الإجابة على سؤال من هذا النّوع لأنّ له أبعادًا على جميع مناحي الحياة المعاصرة. فمثلما إنّ الإنسان حيوان اجتماعيّ لا يمكن أن يعيش بمعزل عن أبناء جنسه من البشر، كذا هي الشّعوب والدّول، وعلى وجه الخصوص في هذا العالم المعاصر الّذي أصبح قرية كونيّة، لا يمكن أن تعيش بمعزل عن سائر العالم. وما دام الإنسان بحاجة إلى أبناء جنسه فلا يمكن أن يكون متحرّرًا من هذا الرّابط، وكذلك الدّول والشّعوب لا يمكن أن تكون متحرّرة، وعلى وجه الخصوص تلك الشّعوب والدّول الّتي يُطلق عليها اسم العالم الثّالث أو تسميات من هذا النّوع. وفيما يخصّ العرب تحديدًا، كيف يمكن أن يكون شعب عربيّ أيًّا كان متحرّرًا ما دام متعلّقًا بكلّ شاردة وواردة بما يبدعه وينتجه غيره، بدءًا من الإبرة الّتي يقطب بها ثوبه، عباءته، وانتهاءًا بالعباءة ذاتها، أو عقاله الّذي يلتفّ على حطّته، كوفيّته، مكلّلاً به رأسه كما لو كان كاتمَ عقلٍ متفاخرًا به رمزًا له. هذا ناهيك عن السيّارة والطيّارة والتّلفون والتّلفزيون والحاسوب إلى آخر ما يمكن أن يخطر على بال. إذن، ما نفع كلّ هذا “التّحرّر” الّذي يتلهّى به دعاة التّحرّر؟ وما نفع هذا “التّحرّر”، في الوقت الّذي يسارعون فيه إلى نقل أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ ومن لفّ لفّهم للتّطبُّب في مستشفيات الغرب “الكافر”، برأيهم، في كلّ شاردة وواردة طبيّة؟

والحقيقة المرّة فيما يخصّ الحال العربيّة هي أنّ الاستعمار لم ينته، إنّما تبدّل ملبوسه. الاستعمار لا يزال جاثمًا على صدور العرب على هيئة استعمار قبليّ. هكذا استعمر صدّام العراق بواسطة قبيلته التّكريتيّة، وهكذا استعمر الأسد سورية بواسطة قبيلته، وهكذا هي الحال في كلّ مكان. لا يمكن الوصول إلى تحرّر حقيقيّ إلاّ عبر التّحرّر من هذه الذهنيّة القبليّة. وما لم يحدث ذلك، فإنّ الاستعمار الغربيّ على الأقلّ كان أرحم بكثير من استعمار ذوي القربى الأشدّ مضاضة.

*

- ما الخطأ وما الصواب في صعود (الإمبراطوريّة) الأمريكية الجديدة نحو نهايتها السريعة؟

هذا السؤال خاطئ من أساسه، لأنّه لا يمكن الحديث عن خطأ وصواب في هذا السّياق. فالقضيّة المتعلّقة بهذا السؤال ليست تُقاس بهذه المعايير. السؤال الأهمّ في سياق كهذا هو، كيف نشأت هذه الـ”أميركا”، ولماذا وصلت إلى ما وصلت إليه من تطوّر على جميع الأصعدة؟ والإجابة على ذلك بحاجة إلى معاهد دراسات للشؤون الأميركيّة، وهي معاهد معدومة على كلّ حال في العالم العربي على العموم.

في رأيي المتواضع، هنالك عدّة أسباب لصعود “الإمبراطوريّة” الأميركيّة:

أوّلاً: انعدام التّاريخ – التّاريخ الأميركي هو حديث العهد، ولذلك فهو لا يشكّل عبئًا على كاهل أهله، كما هي الحال لدى العرب والمسلمين مثلاً. فعندما يتغنّى العرب والمسلمون صباح مساء بأمجاد الماضي واصفين ذلك الماضي بأنّه أبهى عصورهم وذروة طموحاتهم، فإنّ عيونهم تبقى معلّقة بالماضي، ومن هنا فإنّ كلّ عالمهم يبقى موجّهًا إلى الخلف، إلى الوراء، دون أن يتفكّروا مثلاً في أن يصنعوا هم بأنفسهم ما قد يصبح “ماضيًا باهرًا” تتغنّى به الأجيال العربيّة بعد قرون. بينما الأميركيّون اليوم يصنعون هذا الماضي الأميركي الآن للأجيال الأميركية القادمة. هذا هو الفرق بين الحالتين.

ثانيًا: الفرد في المقدّمة – على الرّغم من أنّ هذه الفردانية مبالغ فيها في الحالة الأميركيّة إلاّ أنّها تنهل من مبدأ كون الإنسان حرًّا إلى أبعد الحدود في فكره وعلمه وحياته الخاصّة. غير أنّ هذه الحريّة ليست فوضى إنّما هي مقيّدة بدستور جامع شامل يسري على الجميع، على الفرد مثلما على المجتمع والمؤسّسات والسّلطة. ولا يغيّرون الدّستور من أجل توريث الابن، كما فعل ببغاوات البعث وأعوانهم في دمشق مثلاً، ومثلما يعملون في سائر بلاد العربان. كما أنّ الرئيس الأميركي لا يبقى في كرسيّه إلى أن توافيه المنيّة، ولا يورّث رئاسته لأبنائه مثلما يفعل العربان. كما أنّ بيل غيتس، على سبيل المثال أيضًا لا يورّث المليارات لأبنائه بل يفردها صندوقًا خيريًّا لأبناء البشر دون فرق في الجنس والعنصر.

ثالثًا: فصل الدّين عن الدّولة – هذا لا يعني أنّ المجتمع الأميركي غير متديّن، بل ربّما على العكس فهو من أكثر الشّعوب الغربيّة هَبَلاً من النّاحية الدّينيّة. المهمّ في الأمر أنّ الدّولة والمؤسّسات والنّظام يعمل دون أيّ علاقة بطائفة معيّنة أو بدين معيّن. فالأميركي هو من يتجنّس بالجنسيّة الأميركيّة حسب الدّستور والقوانين الأميركيّة مهما كانت خلفيّته الإثنية والقوميّة والدّينيّة، ومتى ما صار كذلك فقد يصبح رئيسًا لأميركا، ولكم في باراك أوباما أسوة حسنة، يا أولي الألباب! فلا يوجد دين رسمي لأميركا مثلاً، بخلاف أنظمة بلاد العربان، حيث أضحى الدّين كاتمًا لعقولهم وعقول مجتمعاتهم. يمكن القول إنّ العرب في هذا الأوان هم أكثر الأمم احتياجًا إلى أتاتورك عربيّ، يخرجهم من الظّلمات إلى النّور.

*
- ما هي قراءتك لإسرائيل بعد 60سنة على قيامها فوق فلسطين.. وعلى حساب هذه؟

الحديث عن 60 سنة هو حديث شكلي فحسب، إذ أنّ إسرائيل المؤسّسات كانت قائمة قبل هذا الوقت بعقود. كانت الجامعات والمصانع والمنشآت والمنظّمات الأهليّة قائمة قبل ذلك بكثير، وكانت كلّ هذه تنتظر القرار الرّسمي الأممي به، ليس إلاّ. ليست هذه هي الحال لدى الفلسطينيّين مثلاً والعرب بعامّة. فالعرب يبنون جامعًا بدل أن يبنوا جامعة، يقيّدون الحريّات بدل أن يُطلقوا العنان للخيال العربي ليسرح وليمرح وليبدع. لا يمكن أن ينوجد إبداع بأيّ حال من الأحوال في وضع من الكبت، ولمّا كان الكبت سمة من سمات الأنظمة والمجتمعات العربيّة فإنّ الهوّة ستبقى هائلة بين الغرب وبين العرب من جهة، وبين إسرائيل وبين هذا العالم العربي من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال، لا توجد رقابة في إسرائيل لا على الكتب ولا على المسرح ولا على السّينما ولا على الأبحاث والعلوم بخلاف العالم العربي. كما أنّ إسرائيل تحاكم حكّامها وتزجّ بهم في السّجن إذا اقتضى الأمر. أمّا في العالم العربيّ، فمهما جرّ زعيم منهم الويلات على شعبه فلا يوجد من يحاسبه، بل يبقى في الحكم إلى يوم يبعثون مورّثًا فساده إلى ابنه وأبناء عشيرته الأقربين. هذه هي الحال العربيّة، كذا كان وكذا يكون إلى يوم يبعثون.
أتذكّر الآن هذه الخاطرة: عندما كنت فتى أنّا ترعرعنا جميعًا على الإذاعات العربيّة القومجيّة الثّائرة على مصطلح “الكيان” أو “دولة العصابات الصّهيونيّة”.

وها أنذا أنظر حولي الآن بعد كلّ هذه العقود فأتساءل: أين هي العصابات، يا ترى؟ أنظر حولي وحولكم وأصارح نفسي وأصارحكم بالحقيقة. العصابات في العراق، العصابات في لبنان، العصابات في فلسطين والعصابات في السّودان.

وفي قرارة نفسي أقول: آن الأوان أن نتصارح لكي نتصالح. أليس كذلك؟

والعقل وليّ التّوفيق!
***
نقلاً عن: جريدة ”مصر الحرّة“، 09/07/2008

ـــــــــ

وهذا هو ردّي على تقديم أفنان القاسم للمقابلة:

سلمان مصالحة || وضع النّقاط على الحروف المبهمات


ما كنت لأردّ بهذه المقالة

لأنّي أؤمن بفتح الأبواب على مصاريعها للآخرين كي يلجوا منها، ويدلوا فيها بدلوهم في نقاش منفتح وصريح إلى أبعد الحدود. غير أنّ المقالة الّتي كتبها د. أفنان القاسم تقديمًا لمقابلة إلكترونيّة معي نشرها على موقعه الخاص استثارت لديّ بعض النّقاط الّتي رأيت ألاّ أمرّ عليها مرّ الكرام، لما فيها من إيضاح لبعض الجوانب الّتي يتخبّط فيها الكاتب من جهة، وما تشكّله هذه التّخبّطات من سمة مميّزة للكثير من الكتّاب العرب في هذا الأوان.   ولأنّي أحترم لغتي العربيّة بما تمثّله في من دلالات ذهنيّة فأنا لا ألقي الكلام على عواهنه، بل أنتقي الكلمات بتؤدة لما فيها من معاني واضحة الدّلالة لا يمكن أن تُفسَّر إلاّ على الوجه الّذي أقصده مع حريّة الاتّساع في المعاني والدّلالات الّتي قد تفسح لها هذه المفردات والمصطلحات.
*
من هنا نبدأ:
يستهلّ د. أفنان القاسم كلمته بمقولة أضحكتني كثيرًا، حيث وسمني بكوني "ضحيّة من ضحايا الفكر السّائد"، إذ يبدو لي أنّ الّذين أدمنوا على تمثيل دور "الضحيّة" في كلّ شاردة وواردة لم يعودوا يفرّقون بين معاني وسياقات استعمالها.   ولمّا كنت لم أشعر أو لم أكن في يوم من الأيّام، على الأقلّ منذ أن بلغت سنّ الرّشد، ضحيّة لأيّ شيء فإنّ وسمي بكوني ضحيّة قد أضحكني كثيرًا.   هذا ناهيك عمّا جاء لصيقًا بهذه التّسمية، أي "من ضحايا الفكر السّائد". ولمّا كنت عربيّ النّشأة أمميّ الأهواء في الآن ذاته، أعيش في وطني وأكتب بلغتي، لغتنا جميعًا الّتي احترمها بخلاف الآخرين الّذين يحتقرونها ويشوّهونها ليل نهار، فلا أدري ما الّذي يرمي إليه الدكتور القاسم باصطلاح "الفكر السائد". أيّ فكر هذا، وأين هو سائد؟ هل هو "الفكر السائد" عند العرب، أم شيء آخر؟ وهل يمكن أصلاً الإشارة إلى فكر وإلى سيادة عند العرب في هذا العصر؟

ربّما كان من المفيد التّذكير والتّأكيد مجدّدًا على أنّه لا يمكن أن ينتج فكر بمعزل عن الحريّة. ولمّا كانت المجتمعات في البلدان العربيّة من أقصاها إلى أقصاها تعيش في أنظمة من الكبت السّياسي والاجتماعي والثّقافي فلا يمكن أن تنتج هذه المجتمعات وهذه البلدان فكرًا أو ثقافة أو علمًا بأيّ حال من الأحوال، مهما تبجّح المتبجّحون ومهما دغدغوا عواطف الأجيال الشّابّة ببلاغة عربيّة تليدة وبليدة في آن معًا. الكبت لا تمارسه الأنظمة فحسب، بل يمكن أن نقول إنّ الكبت الّذي تمارسه بعض التّيّارات، السّائدة حقًّا، ثقافيًّا واجتماعيًّا على الفرد هو في الكثير من الأحيان أشدّ وطءًا عليه من كبت الأنظمة ذاتها.

إذن، ما هو "السّائد" في هذه الأقطار والمجتمعات؟ يمكن أن أجمل هذا السّائد، وبخطوط عريضة، في تيّارين اثنين لا ثالث لهما في هذا الغار المظلم. التّيّار الأوّل هو جوقة المثقّفين المرتزقين المصفّقين لهذه الأنظمة الكابتة على اختلاف درجات كبتها بين قطر عربيّ وآخر. والثّاني هو تيّار ليس أقلّ إيلامًا على النّفس من سابقه، وأعني به تيّار الإسلامويّين ومن يتّبعهم من الغاوين من فلول مراهقي العروبة وفتات اليسار العربي الّذي لم يطرح في يوم من الأيّام نفسه بديلاً حقيقيًّا في هذه المجتمعات ولهذه المجتمعات، بل كان دومًا متعاونًا مع الأنظمة المستبدّة ومع الاستبداد المجتمعي الّذي لم يجرؤ أبدًا على زعزعة أركانه المحافظة.

لو أنّي كنت أنتمي إلى أحد هذين التّيارين السّائدين في المجتمعات العربيّة لكان من حقّ الدكتور القاسم أن يسمني بـ"ضحيّة من ضحايا الفكر السّائد". يجدر هنا أن أذكّر الدكتور القاسم وكلّ هؤلاء الغارقين في هذه المقولات أنّ مواقفي الصّريحة الّتي تقف في موقع نقيض لهذين التّيارين الآنفين تسحب البساط من تحت هذا النّوع من المقولات المضحكة حقًّا.

لكن، ما لي وهذا الكلام إذ ها هو
يناقض نفسه بنفسه لاحقًا، حين يصفني بكوني أكتب "من خارج المكان فيما يخصّ مسائلنا وهمومنا". فإذا كنت أكتب من خارج المكان بخصوص مسائلنا وهمومنا، فهذا يعني أنّي أقف في موقع هو نقيض من السّائد، أليس كذلك؟ ثمّ إنّي لا أعرف ما الّذي يحدو بالكتّاب العرب إلى تأبّط الكلام بنون الجمع هذه: مسائلنا وهمومنا. مسائل من، وهموم من، يا أستاذ؟ يبدو أنّ سطوة اللّغة الفصحى المكتوبة، غير المحكيّة، على ذهنيّة الكُتّاب العرب تفقدهم صوابهم أحيانًا، إذ يميلون إلى الظنّ في قرارة أنفسهم أنّهم صاروا جزءًا من جسم كبير محدّد المعالم، بينما الحقيقة هي خلاف ذلك تمامًا.   وفي ظنّي، إنّ الاحتماء "السّائد" بنون الجمع هذه في الكتابات العربيّة هي جزء من ذهنيّة الهرب من مواجهة الواقع في البيئة القريبة من الكاتب ذاته الّذي يستخدمها. وأعترف هنا أيضًا، وفي هذه النّقطة،   أنّني فعلاً "ضحيّة" من ضحايا هذا الاستخدام باللّغة العربيّة، إذ أجد نفسي أنا أيضًا مستخدمًا هذه الـ"نحن" أحيانًا. لكن، في كلّ ما عدا ذلك، فلست ضحيّة ولا أريد أن أكون ضحيّة. وإذا كنت ضحيّة فأنا ضحيّة من ضحايا ذاتي لا ضحيّة من ضحايا غيري. إنّ دور الضّحيّة هذا أتركه لمن يرتأيه من أناس غيري.

هل يُفهم المقروء؟
لقد أسلفت من قبل أنّي أحترم لغتي العربيّة وأحترم الكتابة بها لأنّي أحترم القارئ أوّلاً وقبل كلّ شيء. ولهذا السّبب فإنّي أنتقي كلامي بتؤدة وأحاول صوغ الكلام بدقّة، قدر استطاعتي، كي لا تلتبس المعاني على القارئ فلا يعرف مقصدي ولا يفقه ما أنا ذاهب إليه في مقالتي.

إنّ ما يثير في نفسي الحزن هو هذه الحال الذّهنيّة العربيّة الّتي يشكّل الأستاذ أفنان القاسم مثالاً صارخًا لها. ما أقصده هنا هي حال الضّحالة، إن لم تكن هذه إعاقة بنيويّة، في فهم المقروء كما تتجلّى في أقوال الأستاذ أفنان القاسم حين يقول عنّي مستندًا إلى إجاباتي ما يلي: "ويذهب في تصوره البراني إلى حد يلامس فيه الخطورة عندما يعتبر القضية الفلسطينية واحدة من بين قضايا ليست أهمها، وهذا بالضبط ما تسعى إليه الإستراتيجية الإسرائيلية...".

كيف وصل الأستاذ أفنان القاسم إلى هذا الفهم؟ لا أدري.   لقد كان كلامي واضحًا إلى أبعد الحدود، فمن أين جاء بهذا الفهم إذن؟ إنّه هو نفسه الّذي يسأل عن "القضيّة"؟ أمّا كلامي الّذي صغته في إجابتي على سؤاله فهو واضح لا يمكن الالتباس فيه. إنّه هو نفسه الّذي يستخدم مصطلح "القضيّة الفلسطينيّة"، أمّا أنا فقد حذّرت في إجابتي من هذا الاستخدام الشّائع في الإعلام العربي، مُذكّرًا الجميع أنّه: "عندما يدور الحديث عن قضيّة يتحوّل الموضوع إلى تمرين ذهنيّ، أو ربّما مسألة مجرّدة تحتمل الجدل فيها بعيدًا عن الأبعاد الإنسانيّة. فإذا كانت "فلسطين" قضيّة فهناك الكثير من القضايا الأخرى، ومثلما يتمّ تقديم البحث أو تعليق بعض القضايا لأسباب متعلّقة بمصالح هذا النّظام أو ذاك حفاظًا على رؤوسه، كذا هي "القضيّة الفلسطينيّة"، قد تلحّ أحيانًا وقد تتأخّر لأنّ قضايا المنطقة كثيرة وعويصة وهنالك ما هو ألحّ للتّعامل معه. وفي أثناء ذلك يتمّ تناسي البشر والشّجر والحجر"، كما ورد حرفيًّا في إجابتي على سؤاله.   أليس كلامي هذا واضحًا؟

الحقيقة الّتي لا بدّ من مواجهتها في هذا السّياق هي أنّ الفلسطينيّين وطوال عقود من الزّمن، ولأسباب عديدة لن نطرق أبوابها الآن في هذه العجالة، قد أدمنوا الجلوس في خانة الذّهنيّة الاتّكاليّة. ليس هذا فحسب، بل يظنّون أنّهم مركز العالم، أو على الأقلّ مركز العالم العربي الّذي هو في الواقع عالم "لا يعرف أَساسُهْ مِنْ راسُهْ"، كما شاع القول في لهجتنا الدّارجة.   وإذا كانت البلاغة العربيّة، الّتي قد يقرؤها، يسمعها أو يشاهدها هنا وهناك في الصحافة والإعلام العربي من الكلام المعسول الّذي يجيء من التّيّارين الآنفين اللّذين ذكرتهما سابقًا حول فلسطين وما إلى ذلك، تُدغدغ مشاعره، فهنيئًا له بهذه الدّغدغة.   لقد نسي، أو تناسى، أنّ هذه الأنظمة قد تركت للنّاس هذه "القضيّة الفلسطينيّة" بصفتها عظمة يتلهّون بها صباح مساء، بشرط أن لا يقربوا الأنظمة الفاسدة والمُفسدة في بلادهم.   لقد وصلت إلى قناعة منذ زمن أنّ كلّ أولئك الصّارخين عن فلسطين في الإعلام العربي لا يعرفون فلسطين في الحقيقة، لا يعرفون أهلها، لا يعرفون بشرها، وبرها، شجرها وحجرها. إنّها صيحتهم الوحيدة المسموح لهم بها (وخاصّة في تلك الفضائيّات المنطلقة من أكبر القواعد العسكريّة الأميركيّة في الشّرق الأوسط، أو تلك الصّحف الزّاعقة من لندن والّتي لا ندري من يموّلها أصلاً، إذ تنعدم فيها الإعلانات التّجاريّة)، بينما هم في قرارة أنفسهم يصيحون ضدّ الظّلم والقهر في بلدانهم.   المحافظون الجدد يسمّون هذه "الفوضى البنّاءة". هذه هي الحقيقة العربيّة المرّة، أليس كذلك؟

وعلى كلّ حال،
أنتظر أنا مثلما ينتظر الآخرون أن يشرح لنا الأستاذ القاسم ما هي هذه "القضيّة الفلسطينيّة" الّتي يسأل عنها. هل هي التّحرُّر من الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة دولة فلسطينيّة في الضفّة والقطاع إلى جانب إسرائيل واعتراف متبادل بين دولتين؟ أم أن "القضيّة" هي القضاء على دولة إسرائيل وتسفير اليهود إلى ما وراء البحار؟ إنّه مُلزم، مثلما أنّ الجميع ملزمون، في الحالتين بإعطاء إجابات صريحة للذّات أوّلاً، ثمّ للنّاس الأقربين ثانيًا ولسائر العالم في نهاية المطاف.   إذا كان من الصّنف الأوّل فعليه أن يصارح الملأ من أبناء قومه بذلك ودون لفّ ودوران، وإذا كان من الصّنف الثّاني، فليقلها أيضًا صراحة. لكن، ليعرف أيضًا إنّه في حال كهذه لن يجد أحدًا في العالم متعاطفًا معه ولا مع "قضيّته"، مهما ساءت أحواله وأحوالها.   وإذا كان يعتقد أنّ قضيّته هي قضيّة مركزيّة، فهو مخطئ، فالعالم مشغول بكثير من القضايا، وما قضيّته هذه سوى واحدة من قضايا كثيرة أخرى تشغل الآخرين.   أليس العراقيّ مشغولاً بعراقه أوّلاً؟ أليس اللّبنانيّ مشغولاً بلبنانه أوّلاً؟ أليس السّودانيّ والمصري مشغولين بمصرهما وسودانهما؟ وكذا المغربي واليمنيّ إلى آخر القائمة.   وكذا هو العالم الآخر من حولنا.   وفي نهاية المطاف لن يَقلع لك أحد الأشواك من يديك، فما عليك إلاّ أن تقلعها بنفسك.   لقد عانى الشّعب الفلسطيني كثيرًا من فساد قياداته وزعاماته السيّاسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، لقد عانى كثيرًا من جبن مثقّفيه وارتزاقهم، لقد عانى كثيرًا من عدم قراءة الواقع وقراءة العالم المعاصر، لقد عانى كثيرًا من جهله واتّكاليّته. من حقّ الشّعب الفلسطيني أن يسمع أصواتًا أخرى تكلّمه صراحة ودون غمز أو لفّ ودوران. من حقّ الشّعب الفلسطيني أن يتحرّر سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، ومن حقّه أن يكون كسائر الشّعوب المتحضّرة.

أمّا اتّهامي باستخدام "لغة غوغائيّة"، فهو أكثر إضحاكًا ممّا سلف. إذ أنّ القارئ النّبيه البصير سيقرّر بنفسه، لغة مَنْ منّا هي الغوغائيّة.

وأخيرًا،
وكي أضع النّقاط على الحروف المبهمات، ها أنا من موقعي هذا، هنا في وطني، ورغم كلّ إشكاليّات هذا الموقع الّذي أعيش فيه وأكتب منه وفيه وله،   أقول بصريح العبارة إنّي أقف ضدّ الصّهيونيّة العنصريّة، مثلما أقف في الوقت ذاته ضدّ القومويّة العربيّة العنصريّة، وضدّ كلّ قومويّة عنصريّة أخرى. يجب أن نقولها كلمة صريحة على الملأ: إنّ القومويّة على جميع تفرّعاتها وأشكالها هي داء نفسيّ عضال يضرب ذهن البشر فيصيبهم بالشّلل الفكري ويتركهم في حال بدائيّة لا يستطيعون الفكاك منها. وهي، أي القومويّة العنصريّة، داء طالما جلب الويلات على من يحمل في ذهنه هذا الڤيروس.   وهذا الكلام لا يعني طبعًا الانتماء الطّبيعي إلى مجموع حضاري معيّن من البشر قد يختلف عن الآخرين لكنّه يبقى مؤتلفًا معهم في الانتماء إلى هذه البشريّة الّتي ننشد الخير لها جميعًا على هذه الأرض، وفي السّماء أيضًا.

لقد قلت هناك إنّ علينا أن نتصارح كي نتصالح. والآن، أما آن الأوان بعد للقوم الّذين أنتمي إليهم لمعالجة هذا الدّاء والشّفاء منه؟

والعقل وليّ التّوفيق!
*
نشر: إيلاف، 12 يوليو 2008

***

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics