5 نوفمبر 2014

هل هنالك مخرج من المآزق العربيّة؟


فإذا كانت العروبة جامعة لأطياف ومذاهب ومعتقدات دينية مختلفة، فما معنى أن يكون المرء عربيًّا، إذن؟ إنّ من يؤمن بوحدة هذه الأمّة وبحضارتها لا يمكن أن يكون إلاّ علمانيًّا، أو لا دينيًّا. إذ أنّه بدون ذلك ستفقد عروبته كلّ معانيها...

سلمان مصالحة ||

هل هنالك مخرج من المآزق العربيّة؟


الكتابة في الشأن السياسي العربي هي عمليّة محبطة للغاية. إذ إنّ حال من يمارس الكتابة في هذه الأمور شبيهة بحال من يدور في حلقة مفرغة. فلقد قيل كلّ شيء عن الدولة وعن المواطنة وعن الثورة وعن الاشتراكية. لقد قيل وكتب كلّ شيء عن الاستعمار، وعن الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر. لقد قيل وكتب كلّ شيء عن العروبة وعن الإسلام. لقد قيل وكتب كلّ شيء وتمّ اجترار كلّ هذا الكلام على طول العالم العربي وعرضه. ولكن، ويا للعجب، لم يأت كلّ هذا الكلام بأيّ نتيجة. فيا للعجب، ما هو السبب؟

في الواقع، هنالك قوى كبرى وحقائق ضاربة جذورها في هذه البقعة من الأرض تُسيّر المجتمعات العربيّة بعيدًا عن أوهام وشعارات الكتّاب. ومن الملاحظ أنّ الكتّاب العرب قلّما يتطرّقون إلى هذه الحقائق، وبدل ذلك يختارون السباحة في وهم شعارات برّاقة تدغدغ العواطف في المجتمعات الذكوريّة العربية. إنّ ارتفاع نبرة ووتيرة الكلام عن الأمجاد الماضويّة وطوال عقود طويلة كان أكبر شاهد على عقم وعياء الحال العربيّة الرّاهنة. لقد شكّل الهرب إلى الماضي في كتابات العروبيّين أو الإسلامويّين هربًا من مواجهة التحدّيات التي تواجه الجماهير في هذا العصر.

ففي غمرة الانتشاء بالشعارات البرّاقة، لم ينتبه هؤلاء إلى أنّهم يناقضون أنفسهم في طروحاتهم. لم ينتبه هؤلاء إلى أنّهم يقفون في خندق يتناقض مع شعاراتهم الشعبويّة الّتي طالما اجترّوها. وما من شكّ في أنّ أكبر هذه الشعارات الشعبويّة، التي شكّلت كواتم عقول على رؤوس رافعيها ومنذ عشرات السنين، كان شعار فلسطين.

”مجنون يحكي وعاقل يسمع“، كما يقال في لهجتنا. فالوحدوي العروبي الذي يتحدّث، على سبيل المثال، عن تحرير فلسطين. على ماذا يستند في دعواه هذه؟ عن حقّ الشعوب في تقرير المصير؟ حسنًا. إذا كان الأمر كذلك، فماذا تعني الوحدويّة والعروبة، إذن؟ ولماذا تقرير مصير لشريحة هي جزء من كيان أكبر، أي العروبة؟ ولماذا، والحال هذه، لم يتوقّف ذلك العروبي والوحدوي عن الإصرار على خاصيّته المصرية، السورية، العراقية، التونسية وغيرها من الهويّات الإقليمية. وإذا كان مؤمنًا بحقّ بما يتلفّظ به، فلماذا لا يطالب بحلّ وتفكيك كلّ تلك الدول وصهرها في كيان عروبي واحد؟ وإذا لم يفعل ذلك ويرفع شعار تفكيك دولته الوطنيّة بغية الوصول إلى الوحدة، فإنّ كلّ شعاراته عن فلسطين مستقلّة تفقد معناها، إن لم نقل إنّها كانت كاذبة أصلاً جملة وتفصيلاً.

وإذا انتقلنا إلى شعارات الإسلامويّين، فماذا نجد؟ إنّ حال هؤلاء هي على ذات المنوال. فالإسلاموي الذي يقول: ”طزّ في مصر“، على سنّة مرشد الإخوان، فإنّ هذا الـ ”طزّ“ لا شكّ ينسحب على سائر البلدان، بدءًا بفلسطين وانتهاءً بالعراق، سورية أو لبنان والسّودان. وإذا كان يؤمن بذلك حقًّا، فليصرّح بذلك علانية، وعليه أن يتحمّل كامل المسؤوليّة عن عواقب شعاراته.

الحقيقة المرّة هي أنّنا، نحن العرب، كثيرًا ما نتهرّب من مواجهة الأسئلة الحقيقية التي يتوجّل علينا الإجابة عليها. إنّ السؤال الأكبر الذي يجدر بنا الإجابة عليه هو: ماذا يعني أن تكون عربيًّا في هذا الأوان؟

لا مناص من طرح السؤال، ولا مناص من القيام بمحاولة جدّية للإجابة عليه. فكُلّ من يدّعي الانتماء لهذه الشريحة البشرية المسمّاة عربًا، لزامٌ عليه أن يشرح لنا بصراحة معنى هذا الانتماء كما يراه. إذ أنّنا، وإزاء ما نشاهد في الأعوام الأخيرة في البقاع التي يقطنها العرب، نُصدم من رؤية الشعارات الجوفاء التي شببنا وترعرعنا عليها وشبعنا من ترديدها قد فقدت كلّ معانيها. كلّ هذه الشعارات لم تعد تنطلي على أحد من أبناء هذه البقعة من الأرض.

لا بدّ من وضع علامات الاستفهام حول معنى المصطلحات الدارجة على ألسننا في هذا السياق. فمنذ أن نشأنا وجدنا أنفسننا أمام هذه الثنائية الوجودية المشطورة بين ”عرب“ من جهة، و”مسلمين“ من جهة أخرى. غير أنّ ”العربيّ“ سابقٌ وجودًا وحضارةً لوجود ”المسلم“ وحضارته.

صحيح أنّ الإسلام طغى على بقاع واسعة من الأرض غير أنّه لم يستطع صهر الأقوام والأمم في بوتقة واحدة جامعة للهويّات الإثنية الحضارية. فقد ظلّ الفارسيّ فارسيًّا، والتركيّ تركيًّا، والكرديّ كرديًّا والهنديّ هنديًّا بلغاتهم وحضاراتهم، رغم إسلام كلّ هؤلاء وأمثالهم. وكذا هي الحال مع الـ”عرب“ بوصفهم قومًا في بقعة جغرافية واحدة. فلم تكن العروبة في يوم من الأيّام جامعة لكلّ تشعّبات هذه الشرائح البشرية العربية التي يُفترض أنّها تنتمي لهوية واحدة. إذ أنّ العصبيّة القبليّة هي التي تُحدّد مسير ومصير الأفراد ضمن المجموعة وتحدّد مسيرها ومصيرها تجاه المجموعات القبلية الأخرى.

فإذا كانت العروبة جامعة لأطياف ومذاهب ومعتقدات دينية مختلفة، فما معنى أن يكون المرء عربيًّا، إذن؟ إنّ من يؤمن بوحدة هذه الأمّة وبحضارتها لا يمكن أن يكون إلاّ علمانيًّا، أو لا دينيًّا. إذ أنّه بدون ذلك ستفقد عروبته كلّ معانيها. فإذا كانت عقيدته الدينيّة، المذهبيّه والطائفيّة تقف في الصّدارة، فلا معنى للعروبة التي يتشدّق بها. إذ إنّ الذي ينتمي لمذهب وطائفة مختلفة سيجد نفسه خارج هذه الهويّة المتصدّرة. هكذا يحدث الشّرخ ويبدأ الانشقاق في هذه المجتمعات. إنّ أنظمة الاستبداد في العالم العربي لم تُعط إجابات على هذه الأسئلة الوجوديّة. إنّها فقط كنست هذه المآزق ووضعهتا تحت بساط الاستبداد. لذلك، فعندما يتضعضع الاستبداد قليلاً تطفو كلّ هذه القضايا على السطوح العربيّة. وفي الحقيقة هذا ما نلمسه جميعًا من تفسّخ مجتمعي على طول وعرض العالم العربي بأسره في السنوات الأخيرة.

لهذا السبب، وبغية الخروج من المآزق العربيّة، لا مناص من مواجهة هذه الأسئلة المستعصية بعقول منفتحة وبالنّظر إلى حقائق هذه المجتمعات وعدم الهرب إلى شعارات بائتة واتّهام العالم أجمع بالمآسي العربيّة، دون النّظر ولو مرّة واحدة إلى أنفسنا في المرآة.


*

نشر: ”الحياة“، 5 نوفمبر 2014

***




مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن