20 نوفمبر 2014

عن الفتن النائمة وعن موقظيها

لقد آن الأوان أن نكفّ عن إبداء الاندهاش والاستغراب ممّا يجري في ربوعنا. لقد آن الأوان أن نغيّر ما بأنفسنا من مسبّبات الفتن. حقيقتنا المرّة هي أنّنا لن نصل إلى سواء السبيل ما لم نسأل أنفسنا السؤال الأكبر: من نحن؟

سلمان مصالحة ||


عن الفتن النائمة وعن موقظيها


بداية، لا مناص من طرح السؤال: لماذا نحن العرب نحبّ السبات؟ والجواب: لأنّنا إذا استيقظنا ونظرنا حولنا وجدنا أنّنا أكوامًا مكدّسة من الشراذم لا يجمع بيننا شيء، اللّهمّ سوى كلام الشعراء المعسول عن كوننا ننتمي إلى أمّة وحضارة واحدة. غير أنّ الحقيقة المرّة هي خلاف ذلك قطعًا. فكلّما هبّت ريح في الأصقاع العربية وحرّكت الرمال الهامدة كشفت تحت هذه الرّمال جمرًا متّقدًا. وهكذا، يكفي أن يلقي البعض منّا عودًا من أعواد ثقافتنا اليابسة والغارقة في السبات لكي تشتعل نيران الفرقة والشرذمة من جديد لتطال ألسنة هذه النيران الأخضر واليابس الذي ينوجد في جوارها.

لذلك، ومنذ القدم ورد وشاع في اللغة العربية قول منسوب للرسول العربي: ”الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها“. فماذا يعني هذا القول؟ لو تفكّرنا فيه مليًّا لوجدنا أنّنا، ومنذ أن شاع هذا القول على ألسنة الناس، نعرف أنّ هذه الفتنة كامنة بين ظهرانينا وهي فقط في حالة من السبات، ليس إلاّ. وبدل أن ننظر في الحيثيّات والمسبّبات لهذه الفتنة، وبدل أن نبحث عن إيجاد السبل للخروج من هذا المأزق البنيوي الذي نحن فيه، فإنّنا نفضّل الهرب من مواجهة هذه الحقيقة، ولا نملك غير الدعوة إلى العودة الـ”مباركة“ إلى هذا السبات المزمن. إنّه السّبات ذاته الذي يفسح المجال لحاملي رايات البلاغة العربية التليدة والبليدة، من صنف أولئك الذين يصمّون الآذان بكلام منشور، منثور ومقفّى، والّذي كثيرًا ما يعجّ بشعارات تدغدغ العواطف وتكرّس العيش في حالة الوهم العربي.

وهكذا، وعندما تنتشر هذه الشرارات في ربوعنا وتزداد معها حدّة النيران التي تبدأ بالتهام البشر والشجر والحجر في بلادنا، فإنّ بلاغة البلادة تزداد معها انتشارًا. وهكذا يسارع تجّار البلاغة إلى الإفصاح عن مفاجآت هذا الاكتشاف الذي ينخر عظام قُطّان هذه الديار. وفي غمرة الاكتشاف الجديد يضيفون شعارًا قديمًا-جديدًا إلى جعبة توصيفاتهم، فيصرخون على الملأ: ”الدين لله والوطن للجميع“.

يظنّ الّذين يرفعون هذا النوع من الشعارات، واهمين بالطبع، أنّهم بمجرّد رفعهم هذه الشعارات العاطفيّة فإنّ الفرج سرعان ما سيأتي على جناح هذه البلاغة العربية بعد كلّ هذه الشدائد المزمنة والمغرقة في القدم.

وسؤال آخر: هل عرف القرآن حقيقة العرب؟ هذا السؤال يتبادر إلى الذهن لدى النّظر في الآية الحادية عشرة من سورة الرعد، حيث ورد فيها: ”إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم“. فإذا جنحنا إلى وضع تفسير جديد لهذا القول، وذلك عملاً بمفهوم الصّلاح لكلّ زمان ومكان، فإنّ التفسير الجديد سيُحيلنا إلى استحالة التغيير في المجتمعات العربيّة دون أن يجنح الأفراد إلى النظر في دواخلهم بغية إصلاحها من الأدران الكامنة فيها. إنّ هذه الأدران الاجتماعية هي ذاتها تلك الفتنة النائمة التي ورد ذكر اللعنة على من يوقظها. فهل كلّ فرد منّا هو مشروع كامل متكامل من هذه الفتن النائمة في دواخلنا؟

وعلى هذه الخلفية، فإنّي وبخلاف الذين يدعون إلى الإبقاء على الفتنة نائمة، فإنّي أدعو بالذات إلى إيقاظها. نعم، أدعو إلى إيقاظها، ليس بمعنى تعزيز سلوكيات العداوة بين البشر، بل بمعنى الكلام صراحة عن هذه المحنة، الكامنة في دواخلنا. لأنّنا، إذا لم نجد في أنفسنا ما يكفي من الجرأة للحديث عن مشاريع الفتن هذه التي تنخر في دواخلنا، فلن نجد حلولاً لهذه المعضلات.

علينا أن نعترف أوّلاً، بيننا وبين أنفسنا، أنّ ثمّة أكثر من فتنة في دواخل مجتمعاتنا. حريّ بنا، أفرادًا، قبائل، طوائف ومجتمعات، أن نضع كلّ هذه الفتن تحت المساءلة اليومية. إنّ الميل العربي إلى الهرب من مواجهة الحقائق لن يوصلنا إلى سواء السبيل. لننظر إلى أنفسنا، ولننظر إلى أين أوصلتنا محاولاتنا الدائمة في الركون إلى السبات الدافئ في حضن شعاراتنا المدغدغة لعواطف هذه الأمّة المراهقة.


*

نشر: ”الحياة“، 20 نوڤمبر 2014

***




مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن