ربيع الممالك العربية


سلمان مصالحة || 

ربيع الممالك العربية




ها نحن نقترب من نهاية العام الرابع على الانتفاضات التي ضربت أكثر من قطر في أنحاء العالم العربي مشرقه بمغربه. أقول انتفاضات ولا أقول ثورات عن سابق قصد، إذ إنّ ما جرى في الأعوام الأخيرة في كلّ تلك الأقطار لا يمكن بأيّ حال أن يُسمّى ثورة بما تعنيه هذه الكلمة في العلوم السياسية.

غير أنّ نظرة إلى نوعية السلطات في الأقطار العربية التي انتفضت فيها الشعوب تدفعنا إلى مواجهة التحدّي بطرح أسئلة جوهريّة ومحاولة الإجابة عليها بصدق ودون مواربة وإلقاء شعارات عاطفيّة كاتمة للعقول. والأسئلة التي لا مناص من طرحها على الملأ هي: لماذا ضربت هذه الهبّات والانتفاضات أقطارًا عربيّة محدّدة دون أخرى؟ وما الفرق بين تلك الأقطار؟ ثمّ، ما الذي جعل أقطارًا أخرى تخرج من هذه الهبّة دون إراقة دماء بخلاف أخرى لا تزال إراقة الدماء سمتها المميّزة؟

بنظرة من بعد أربعة أعوام على كلّ ما يجري، يلاحظ المراقب بعض أبعاد تلك الصورة المتبلورة، وهي تتعلّق بطبيعة النّظم السياسية السائدة في هذا العالم. إذ يتّضح بحسبها انقسام هذا العالم العربي إلى قسمين. إنّ ما يثير التساؤل هو حقيقة كون هذه الانتفاضات الشعبية العربية قد ضربت بالذات الأقطار التي اتبعت أنظمة جمهورية، بينما بقيت الممالك والإمارات خارج هذه الهبّة. إنّ هذه الظاهرة حريّة بالدراسة المعمّقة، وحريّ بنا نحن العرب أن نقف على حيثيّاتها، فلا يكفي أن ندسّ رؤوسنا في الرمال أو نلقي بها عرض الحائط وكأنّ شيئًا من هذا القبيل لم يكن.

لأجل فهم هذه الظاهرة علينا أن ننظر في طبيعة المجتمعات العربية بعيدًا عن الشعارات التي وإن كانت تدغدغ العواطف فإنّها لا تجدي نفعًا ولا تشقّ لنا طريقًا لسبر أغوار ما يجري حولنا بغية الخروج من مآزقنا العربية. وعندما نقول طبيعة المجتمعات فإنّما نعني بها هذا الميراث الاجتماعي المتواصل منذ قرون طويلة، وهو ميراث عابر من الجاهلية إلى الإسلام وحتّى هذا الأوان.

ولمّا كانت طبيعة المجتمعات العربية هي طبيعة قبلية، فالنظام الملكي، أو الأميري، على كافّة تنويعاته هو الاستمرار الطبيعي لهذه البنية الاجتماعية المتجذّرة. فالولاء القبلي سابق على أيّ ولاء آخر. لذلك، فمع خروج الاستعمار من الأقطار العربية فإنّ الممالك والإمارات هي التي حلّت مكانه كخطوة طبيعية تتلاءم مع طبيعة المجتمع القبلي.

غير أنّ الصّراع الكوني بين القطبين الخارجين من الحرب العالمية الثانية قد زعزع المنطقة العربية. ونتيجة لذلك، حصلت انقلابات عسكرية أطاحت ببعض الممالك. لم تكن تلك ثورات كما أُطلق عليها، بل كلّ ما في الأمر أنّها كانت تمرّدات عسكرية استولت على السلطة متخفّية وراء شعارات رنّانة، مثل الاشتراكية، والحرية والديمقراطية وما إلى ذلك من بلاغة فارغة من أيّ مضمون حقيقي. في الحقيقة، كانت كلّ تلك الانقلابات مجرّد اغتصاب لمجتمعات عربية بأسرها. فكلّ تلك الأنظمة العروبية البلاغية لم تُحقّق أيًّا من الشعارات التي رفعتها، بل على العكس فقد استولت على موارد الشعوب وافقرتها، كما لم تأت بأيّ شكل من الحرية ولا الاشتراكية. وفوق كلّ ذلك فقد حكمت بالحديد والنّار واستبدّت بالبشر والحجر.

نعم، إنّ أقطار الدجل العروبي هذه هي بالذّات التي ثارت عليها الشعوب العربية. بينما الممالك والإمارات العربية بقيت خارج هذه المآزق. لقد بقيت الممالك خارج هذه الهبّة وبعيدة عن إراقة الدماء، ليس بسبب أموال النفط، كما يحاول بعض جهلة اليسار العربي الترويج له. فهنالك ممالك عربية ليست غنية بأيّ حال، كالأردن مثلاً، بقيت بعيدًا عن هذا التضعضع أيضًا.

إذن، فما السبب من وراء ذلك؟
والإجابة على ذلك بسيطة للغاية. فبالإضافة إلى ما ذكرنا آنفًا، يجدر بنا أن نجري مقارنة بين علاقة الأنظمة الملكية بشعوبها وبين علاقة أنظمة الدجل الجمهورية. إنّ مقارنة بسيطة ستجعل الكفّة تميل لصالح الأنظمة الملكية بالذّات. لقد شكّل البطش والاستبداد واستعباد وإفقار العباد السمة المميّزة لأنظمة الشعارات الزاجلة الداجلة. بينما كانت الأنظمة الملكية وعلى مرّ السنين أكثر رحمة بشعوبها، على الرغم ممّا قد يُقال وبحقّ أيضًا ضدّ إخفاقات تلك الأنظمة الملكية. ولكن، إذا توخّينا الصدق مع أنفسنا ومع البشر من حولنا، فيجدر بنا أن نرى هذه الحقيقة كما هي، بما لها وبما عليها.

كما إنّ طبيعة المجتمعات العربية القبليّة مغرقة في القدم وهي ضاربة جذورها في التاريخ العربي ومنذ فترة ”الجاهلية“ العربية. ولعلّ الأقوال المنسوبة إلى الملك السعودي الجديد، سلمان بن عبد العزيز، كما أوردها طلال سلمان في مقالة له في صحيفة السفير تصرّح بكلّ شيء حول هذه المسألة. لقد كان طلال سلمان التقى قبل حوالي أربعة عقود الأمير سلمان، ويقتبس من أقواله: ”وقد اختصر لي الأمير سلمان (الذي وُلّي الآن ملكاً) قضية الصراع بجمل بسيطة: «نحن هنا أبناء الأرض. لسنا وافدين من الخارج، ولسنا محتلين. لسنا من الألبان، كأسرة محمد علي التي حكمت مصر لمئة وخمسين عاماً. إننا أبناء الرمل والنخيل. أبناء الشمس والقمر..». صمت لحظة ثم أضاف ضاحكاً: «يكفي أن أقول لك إن بين أجدادنا مسيلمة الكذاب!»“ (السفير، 26.1.2015). وبكلمات أخرى، فإنّ الجذور القبلية التي تمتدّ في التاريخ هي جذور عربيّة أصيلة، وليست إسلامية فقط. نعم، إنّها وبصراحة الملك الجديد تمتدّ لتصل أيضًا إلى مسيلمة الكذاب ذاته، بكلّ ما يمثّله هذا من معانٍ. إنّ هذه الصراحة تشهد على عمق هذا التجذُّر.

لهذا السبب، يجب أن ننظر بعيون بصيرة إلى جذورنا الحضارية بكلّ ما تمثّله وبكلّ ما تشتمل عليه، لا أن ننفي ذلك من وجودنا ومن كياناتنا الثقافية، الاجتماعية والسياسية. نعم، فقط برؤية الحقائق كما هي، بقمحها وزؤانها، نستطيع التعامل مع بعضنا البعض بغية الوصول إلى سواء السبيل.

وبالإضافة إلى كلّ ما ذكرنا آنفًا، وبسبب هذه الطبيعة القبلية والولاءات القبلية في المجتمعات العربية، فلا يوجد ما يوحّد هذه التشكيلات المجتمعية القبلية في بوتقة واحدة سوى النظام الملكي. ولهذا السبب أيضًا، فإنّنا نرى كيف خرجت الأنظمة العربية الملكية سالمة من الانتفاضات العربية الأخيرة.

والحقيقة التي لا مناص من ذكرها هنا هي أنّ الأنظمة الملكية العربية ومنذ جلاء الاستعمار عن هذه البقعة من الأرض كانت على مرّ السنين أكثر رحمة بالعباد من كلّ الأنظمة الأخرى التي كانت سمتها الاستبداد فقط.

هذه هي الحقيقة والشجاعة الأخلاقية تلزمنا بقولها على الملأ، بلا لفّ أو دوران.
*
نشر أيضًا: شفاف الشرق الأوسط

مشاركات:

تعقيبات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • المرأة هي الحل

    لا مناص لنا سوى رؤية عرب اليوم كعربان الأمس حتّى وإن ركبوا الطّائرات وقادوا السيّارات وتشاتتوا في الإنترنت. حتّى أولئك الّذين ولدوا وترعرعوا في دول الغرب لم تتغيّر مفاهيمهم...
  • عنصرية عربية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قضايا محلية
  • شعب واحد أم تشعّبات

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
قضايا ثقافية
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...

انقر لإرسال إيميل
موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


نصوص شعرية
  • كلام الواحد الثاني

    الحُلْمُ فِي قَفَصٍ
    يَزْقُوهُ صَاحِبُهُ،
    بِفِكْرَةٍ وَقَعَتْ مِنْ
    غَيْمِ نِسْيَانِ.



  • أي، نعم

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.

    فَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ
    أَقِدُ الحَسْرَةَ فِي قَلْبٍ، وَفَمْ


  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.



أرشيف الجهة

 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

  • الإسراء إلى هيكل سليمان

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
نصوص نثرية
  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً...
  • كل الطيور تؤدي إلى روما

    كنت لا أزال طفلاً يافعًا، ولم تكن تنقصني سذاجة من سذاجات تلك الأيّام الغابرة. آنذاك لم يخطر أبدًا على بالي العربيّة الغضّة طرفُ خيط أمسك به، أو فكرة تحملني على معرفة النّوايا الخفيّة لأسراب الطّيور الّتي كانت تحطّ في حقول الزّيتون لقرية المغار الجليليّة المطلّة على بحيرة طبريّة...
  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
ترجمات
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
لغات أخرى