منتهى العجب في أحوال العرب

لقد أغرقنا الاستبداد ”الثوري“ العربي في بحر من الجهل بإشاعة الشعارات العاطفية المستندة إلى بلاغة عربية تليدة وبليدة

بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

يكاد المرء يُصاب بمرض عضال من الملل، إن لم يكن مرضًا مزمنًا من الخجل، وذلك من جرّاء التكرار والاجترار...

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

لا يصلح الناس فوضى

كَيْفَ الرَّشادُ إذا ما كُنْتَ فِي نَفَرٍ لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلالٌ وَأَقْيادُ.

30 مارس 2015

باكستان الشرقية في فلسطين


سلمان مصالحة ||


باكستان الشرقية في فلسطين



بعد جلاء الانتداب البريطاني عن شبه القارة الهندية في سنة 1947 انقسمت شبه القارة إلى كيانين سياسيين، واحد بغالبية هندية وآخر ذي غالبية مسلمة وهو الكيان الذي أطلق عليه اسم باكستان. لقد كان الكيان الباكستاني مؤلفًا من إقليمين، باكستان الغربية والشرقيه يفصل بينهما أكثر من ألف كيلومتر. لقد استمر هذا الوضع حتّى بداية السبعينيّات من القرن المنصرم، حيث ثار الإقليم الشرقي البنغالي وأدّى الأمر في نهاية المطاف إلى انفصال تام عن الدولة الباكستانية وقيام دولة بنغلادش.

وها هو التاريخ المشابه يعيد نفسه هنا في فلسطين. فعندما خطّط رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون الانسحاب من قطاع غزّة وتفكيك المستوطنات هناك، كان يضع نصب عينيه شيئًا شبيهًا لما جرى في باكستان الشرقية. لم يكن الأمر صدفة أنّ شارون لم يرتّب خطّة الانسحاب من غزّة مع السلطة الفلسطينية التي كانت تشكّل الإطار السياسي الجامع للإقليمين الفلسطينيين، في الضفة والقطاع. لقد كان شارون يخطّط لإفساح المجال لحركة حماس بالاستيلاء على قطاع غزّة بغية إصابة عصفورين بانسحاب واحد. أوّلاً، سيشكّل ذلك إضعافًا للسلطة الفلسطينية المتحدّثة باسم فلسطين والفلسطينيين. وثانيًا، من شأن هذا الانسحاب أن يقسم الأرض الفلسطينية الموعودة للدولة الفلسطينية إلى إقليمين لا يربط بينهما رابط سياسي أو جغرافي. إنّ تعميق هذا الشرخ الفلسطيني سيفسح المجال أمام إسرائيل لمواصلة التركيز على تعميق الاستيطان وابتلاع القدس وأجزاء واسعة من الضفّة الغربية.

وهذا ما حدث فعلاً على أرض الواقع. من الجدير بالتذكير أنّ الحملات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزّة، لم تهدف في أيّ منها إلى الإطاحة بحكومة حماس التي تسيطر على القطاع بأيّ حال من الأحوال. أصوات من هذا النوع تُسمع فقط من قبل بعض الأحزاب اليمينة الصغيرة، لكنّ الأحزاب الكبرى التي ترأست الحكومات، بدءًا من أولمرت وانتهاءًا بنتنياهو ، بالإضافة إلى المؤسسة العسكرية قد صرّحت غير مرّة أنّها لا تهدف إلى إسقاط حكومة حماس.

وهكذا يتكرّس هذا الانقسام الفلسطيني على غرار ما جرى في باكستان. إنّ إمارة غزّة هي أكثر شبهًا بباكستان الشرقية التي انفصلت فأضحت دولة بنغلاديش. بينما الضفّة الغربية لا زالت تعاني من الاحتلال والتوسّع الاستيطاني الإسرائيلي.

إنّ هذا الانقسام الفلسطيني هو أكبر عون للسياسات التوسعية الإسرائيلية، إذ منذ استيلاء حماس على القطاع وتأبيد هذا الشرخ الفلسطيني، لم يعد هناك من يتحدّث باسم فلسطين. فحكومة حماس تتحدّث باسم غزّة، حيث تسيطر، وحكومة رام الله تتحدّث باسم الضفّة، حيث لا سلطة لها على غزّة. وبين هذه وتلك تسرح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وتمرح. ما من شكّ في أنّ استمرار هذا الانقسام هو أكبر هدية تقدّمها القيادات الفلسطينية المتّسمة بقصر النظر، وعلى طبق من فضّة، لحكومات الرفض الإسرائيلية.

وعلى مرّ السنين، طالما تغنّى العرب والفلسطينيون بخاصة، ورفعوا شعارات رنّانة مثل أنّ فلسطين هي قضية العرب الأولى. لقد صدّقت الزعامات الفلسطينية، السياسية والثقافية والاجتماعية، كلّ تلك الشعارات وأشاعتها على الملأ الفلسطيني وكأنّ عجلات قطار العالم تتوقّف عند هذه القضيّة فحسب. لقد ركن الجميع إلى السكينة وكأنّ العالم الواسع، أو كأنّ العالم العربي لا يشغله شاغل سوى الشأن الفلسطيني.

لقد نسيت الزعامات الفلسطينية أو تناست أنّ العالم العربي بزعاماته وشعوبه مشغول في الواقع بقضايا ملحّة أخرى، كما إنّ العالم والقوى العظمى مشغولون بقضايا عالمية لا تقلّ إلحاحًا عن قضيّة فلسطين، بل قد ينشغل العالم بقضايا هي أكثر أهمية من وجهة نظره من القضية الفلسطينية والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. إنّ ما جرى في العالم العربي في السنوات الأخيرة هو أكبر شاهد على ذلك.

لقد شهد هذا العالم العربي نكبات هي أكبر بكثير من النكبة الفلسطينية، ويكفي النظر إلى النكبة السورية المتواصلة لفهم ما هو حاصل في هذه المنطقة. من هنا، فيمكننا القول إنّ هذه المنطقة ستنشغل بقضاياها الداخلية المزمنة. ففي المستقبل المنظور ولعقود طويلة، لن تقوم لدولة مثل سورية قائمة، وكذا هي الحال مع العراق وسائر أقاليم سايكس بيكو.

بالتأكيد ستستغرق عملية إعمار هذه البلدان عقودًا طويلة من الزمان. إنّ الإعمار سيطال بين ما سيطاله أيضًا الإعمار المجتمعي الذي سيكون أكثر عواصة من إعمار المدن والحواضر المتهدّمة. غير أنّ ما نخشاه هو استحالة اتمام التئام هذه المجتمعات من جديد في الكيانات السياسية التي عهدناها. بعد كلّ هذه الشروخ المجتمعية، الطائفية، الدينية والإثنية، والتي اصطبغت بالدم، ليس من السهل بناء الدول مجدّدًا في الحدود المرسومة سابقًا. فهل ستضحي إمارة غزّة على غرار بنغلاديش؟ وهل سترتسم أمان أعيننا حدود جديدة، وتنشأ كيانات جديدة في هذه البقعة من الأرض؟

إنّه سؤال مفتوح على كافّة الإمكانات. وكما قالت العرب منذ القدم: الدّهر ذو دول.

*

نشر: ”الحياة“، 30 مارس 2015
مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • خيوط دخان

    البحث عن المكان هو بحث عن ساكن المكان، صائتًا كان أم صامتًا، رائدًا كان أم جامدًا. الصّامت صائتٌ من حيث هو يُخبر عن حاله بصمته، والرّائد يبحثُ عن أصوات جمدت أصداؤها في حجر، في أثرٍ باقٍ رغم تبدُّل السّنين والأعوام...
    تتمة الكلام

  • كيف يقولون "بدو" بالعبرية؟

    في المعبر الحدودي بين الأردن وإسرائيل، وضمن إجراءات عاديّة، يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر، ثمّ لشبّاك دفع رسوم المغادرة. من هناك تدلفُ إلى المخرج، حيث موقف الباص الّذي سيعبر بك الجسر والنّهر...
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • جذور الإرهاب

    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن