19 نوفمبر، 2008

مزامير تبحث عن ذاتها



سلمان مصالحة || مزامير تبحث عن ذاتها


ورد في الحديث: "من استمع الي قينة صُبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة"، رواه السّيوطي في الجامع الصغير. والآنك هو الرّصاص المذاب.

وإذا كان هذا ما ينتظر المستمعين، فما من شكّ في أنّ الأمّة العربيّة قد امتلأت آذانها رصاصًا مُذابًا منذ زمن، وفي هذه الحياة الدّنيا قبل أن تقوم السّاعة. أقول امتلأت آذان العرب بالآنك، إذ يبدو أنّهم ما عادوا يسمعون ما تعرضه هذه الإذاعات والفضائيّات من غناء وموسيقى. ففي هذا الفضاء المشحون بكلّ ما يعكّر الذّوق العربي، هنالك لحظات يعود بها الفرد إلى حديث آخر، فيقول في نفسه إنّه كان من الأجدر أن يؤخذ بهذا الكلام: روى الإمام أحمد في مسنده : عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني ان أمحق المزامير والكِبارات يعني آلة تشبة العود – والمعازف والأوثان التى كانت تعبد في الجاهلية ". وأوثان الجاهليّة الجديدة هي كلّ هؤلاء المغنّين والمغنّيات الّذين أضحوا أوثانًا يطوف حولها الشّبان من جيل العربان وهم يبحثون عن مكان في هذا العالم وفي هذا الزّمان. وهذا الزّمان الرّديء يفرض نفسه عليك غير آبهٍ برغباتك، بحياتك، بأحلامك، بكلّ ما يختلج في سريرتك، في سرّائك وضرّائك. وما أدراكَ ما السّرّاء وما أدراكَ ما الضّرّاء؟

غير أنّ ثمّة لحظات
يرى فيها الفرد ذاته مجرّدة من كلّ هذه المنغّصات، وما أكثرها في هذا الفضاء العربي الرديء، لغةً وفكرًا ولحنًا. ومن بين هذه اللّحظات لحظات الإنصات إلى ديسك جديد صدر حديثًا عن مركز الأرموي لموسيقى المشرق بفلسطين. إنّه "مزامير" الموسيقى خالد جبران مؤلّفًا وعازفًا بمشاركة تامر أبو غرالة- بزق باص، هومان بور مهدي - زارب ودفّ، ربيع جبران - صوت. وهذا العمل يتألّف من ستّ مؤلّفات هي على التّوالي: أصفهان، سفر، بلو دايڤ، إيراني، أندر چرواند، والصلب.
نقرأ في تقديم خالد جبران لهذا الدّيسك: "كُتبت هذه المقطوعات خصّيصًا لآلات موسيقيّة بعينها كالعود أو البزق، وهي تضع الآلة الموسيقيّة في قلب عمليّة الإبداع، وبخلاف المعهود تُخاطب المستمع مباشرة دون وساطة الكلمة المغنّاة ودلالاتها اللّغويّة. فهي إذن موسيقى تتحدّث عن نفسها". وفي نهاية التّقديم يقول: "أُلّفت هذه المقطوعات خلال أعوام الانتفاضة الأخيرة كمنفذ وحيد أُتقنه مُجيبًا على سؤال يومي يُطرح على كلّ عربي وشرقي: من أنت؟".
وهكذا نرى أنّ الموسيقى الّتي أرادت أن تتحدّث عن نفسها دون وساطة الكلمة، هي في الحقيقة أسيرة داخل سجن هذه الكلمات الّتي تُحدق بها من كلّ جانب. فالسّؤال الّذي يرغب خالد جبران في الإجابة عليه لا يمكن أن يتبلور ويُعرَض على الأسماع إلاّ من خلال هذه الكلمات المنطوقة الّتي تفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات. ومن هذه النّقطة ينطلق الدّيسك متكلّمًا بلغة الموسيقى، وفي الوقت ذاته يحسّ المستمع بكلّ هذا الكلام الّذي لا يُباحُ لفظًا، بل يتحرّك في ذهنه ويرنّ في أذنه، شاء ذلك أم أبى.


يحمل الدّيسك المستمع
على ظهر الآلات الموسيقيّة، من البزق والعود والطّبلة، في الحقيقة زارب ودفّ، في هذه الرّحلة الطّويلة للبحث عن الذّات. فالبزق ينقلك إلى أصفهان وإلى ذلك المكان الّذي بدأت منه الموسيقى الشّرقيّة. ورغم الصّوت المعدني لآلة البزق إلاّ أنّ العمل يرغمك على الإنصات والإبحار معه إلى عوالم أوّليّة تفوح منه معاناة المشرق على روائحها الصّحراويّة. ثمّ يأتي العود هذه الإله ذات الحشرجات الّتي تختزل في آهاتها المتثاقلة شِعاب الصّحراء فيأخذك في سفر عميق بين كبوات وانتفاضات حياة عربيّة لا ترغب في الرّحيل بعد عن هذه الرّمال والكثبان الّتي تلفّها من كلّ جانب. وبين الزارب والدفّ والعود والبزق، أي في مسرح النّغمات الّتي تفترق في جواهرها، ما بين ثنايا البطن الّتي هي وطن آلة الطبلة على اختلافاتها وبين الأذن الّتي هي وطن آلة البزق، يفترق عشّاق الهوى بين سماع منفتح على آفاق لا تنتهي وبين مكان محاصر في هذا الزّمان. حتّى ينتهي بك إلى هذا الصّلب الّذي يختتم الدّيسك، حيث تأخذ الآلات بتجميع المشاعر وتلهيبها نحو ما هو آت من عملية الصّلب. والغريب في هذا المقطع من الدّيسك هو أن المستمع يجد نفسه متماثلاً مع عمليّة الصّلب. لكنّ السؤال هو، هل نحن الصّالبون أم المصلوبون؟ وهذا السؤال، على غرابته، يحوي بداخله الإجابة في نهاية المطاف، إذ أنّه يخترق الحدود الّتي تفصل بين العقائد الّتي يتشكّل منها المشهد الوجودي لهذا الوطن.

بهذا الدّيسك يستطيع المستمع العربي
أن يقول أنّا جزء من هذه البشريّة، لي ما لها وعليّ ما عليها. وفوق كلّ ذلك لا يشكّل الدّيسك انصهارًا في العولمة، بل هو انفتاح واسع على العالم، وفي الوقت ذاته يعرض نفسه حافظًا لبعض ما تبقّى من هويّة خصوصيّة. لكن، ومن جهة أخرى، ما هي هذه الهويّة؟ فلو نظرنا إلى عناوين المقطوعات الّتي يشملها الدّيسك، وهي على التّوالي: أصفهان، سفر، بلو دايڤ، إيراني، أندر چراوند، الصّلب، بالإضافة إلى اسم الدّيسك، مرامير، نرى أنّ عنوانًا واحدًا فقط، هو سفر، له نكهة عربيّة من ناحية الدّلالة المؤسِّسَة للعاطفة العربيّة الصّحراويّة. أمّا سائر المقطوعات فتستمدّ دلالاتها من عوالم تقع خارج جزيرة الموسيقى العربيّة. فهل هذه التّأثيرات الخارجيّة هي هي الّتي جعلت الموسيقى تُعدّ من عمل الشّيطان في نظر العربان؟ كما روى ابن أبي الدّنيا في كتاب "مكائد الشّيطان": "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنّ ابليس لما أُنزل الى الأرض قال : يارب انزلتني الى الأرض ، وجعلتني رجيما، فاجعل لي بيتًا قال: الحمام ، قال: فاجعل لي مجلسًا قال: الأسواق ومجامع الطرقات، قال: فاجعل لي طعامًا قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فاجعل لي شرابًا، قال كل مسكر قال: فاجعل لي مؤذنًا، قال المزمار". إذن، وإذا كان كلّ هذا هو أنت، فمن أنت أيّها العربي؟ ولكن، حتّى وإن لم يحصل المستمع على إجابة على السؤال: من أنت؟ فربّما يكون انعدام الإجابة على هذا السّؤال هي في الواقع الإجابة الحقيقيّة والصّادقة عليه.

وعلى كلّ حال،
يظلّ الاستماع إلى هذا الدّيسك تجربة موسيقيّة عربيّة رائدة، تتحدّث إلى النّفس بلغة الآلات الموسيقيّة، الشعريّة والشعوريّة في آن. ومن يتحدّث بهذه اللّغة الموسيقيّة أو يستمع إليها لا يمكن أن يتحوّل قردًا أو خنزيرًا، كما ورد في الحديث الّذي رواه ابن ماجة في سننه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ليشربن ناس من أُمّتى الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات. يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردة وخنازير". ربّما كان على العكس من ذلك تمامًا، فمن لا يستمع إلى أو من لا يستمتع بهذه اللّغة الموسيقيّة، ربّما هو الّذي سيُضحي قردًا أو خنزيرًا، أو ربّما يُصبّ في أذنيه الآنك.

أليس كذلك؟

أغسطس 2005
***

المقالة في إيلاف
____________________________________


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام