عن مخترة جنبلاط وأمثاله

إنّ الزعامات الطائفية الوراثيّة والتوريثيّة في هذا المشرق، وجنبلاط أحد أمثلتها البارزة، لا يمكن بأيّ حال أن تشكّل مثالاً يُقتدى

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

باكستان الشرقية في فلسطين

عندما خطّط الانسحاب من قطاع غزّة كان يضع نصب عينيه شيئًا شبيهًا بما جرى في باكستان

الهوية المعقّدة للعرب في إسرائيل

الفوارق بين المكوّنات الطائفية لهذا المجتمع هي مجرّد أصداء لما هو حاصل في سائر المجتمعات العربية في هذا المشرق.

12.11.08

هل حوار الأديان ممكن؟

سلمان مصالحة

هل حوار الأديان ممكن؟


بسبب ما يشهده العالم
من صراعات تأخذ أبعادًا ذات خلفيّة دينيّة في كثير من الأحيان، هنالك من يطلق، ولنوايا طيّبة بالطّبع، دعوات إلى حوار الأديان. ومصطلح الأديان في هذه الدّعوات إنّما يعنون به اليهودية والمسيحية والإسلام، إذ أنّ سائر الدّيانات البشريّة لا تعنيهم أصلاً. يذهب هؤلاء الداعون إلى إجراء حوار من هذا النّوع إلى أنّ القيادات الدّينيّة لدى هذه الدّيانات السّماوية تستطيع أن تخفّف من وطأة هذه الصّراعات الّتي تمزّق النّسيج البشري على اختلاف مذاهب ومشارب هذا النّسيج.

ينقسم أصحاب هذه الدّعوة إلى قسمين، فمنهم رجال دين ومنهم من هم رجال سياسة أو شخصيّات اجتماعيّة أو ثقافيّة. وإذا نظرنا إلى رجال الدّين الّذين يطلقون دعوات الحوار هذه نلاحظ أنّهم ليسوا من رجال الصفّ الأوّل لدى أتباع العقيدة الّتي ينتمون إليها، وإنّما هم أناس متديّنون ذوو نوايا طيّبة بلا شكّ، غير أنّ تأثيرهم لدى أبناء ملّتهم هو تأثير ضئيل. أمّا القسم الآخر فهو يشمل أناسًا ذوي نوايا طيّبة أيضًا غير أنّ فهمهم للدّين هو فهم سطحيّ. بالإضافة إلى ذلك يُستشفّ من دعواتهم نوع من الشّعور بالنّقص أمام رجال الدّين، وهو الأمر الأخطر في توجّهاتهم هذه.

لا يمكن أن تأتي دعوات كهذه
بأيّ نتيجة، لأنّ الأديان لا تتحاور. مرحلة الحوار في الأديان هي مرحلة نشوء الأديان، لكن وبعد أن تستكمل الأديان وجودها وتؤسِّس عقائدها تتوقّف عن لغة الحوار، لأنّها تصل إلى مرحلة الإصرار على أنّها العقيدة الوحيدة الّتي تمتلك الحقيقة. ومتى ما وصلت إلى مرحلة الإصرار هذه، بما يتبعها من أصول تضع الكواتم على العقول، وتلغي فضيلة الشكّ لدى بني البشر، تتوقّف لغة الحوار لديها مُدّعية مؤمنة أنّها تملك الحقيقة المطلقة. غير أنّ الإيمان شيء والمنطق الّذي هو نتاج العقل البشري شيء آخر لا يأتلفان بقدر ما يختلفان.
***

الحقيقة المرّة
الّتي يتوجّب علينا رؤيتها والتّفكّر بها هي حقيقة يتّضح منها رؤية هي نقيضة للحوار الّذي يدعو له البعض من ذوي النّوايا الطّيّبة. ويكفي للتّدليل عمّا نقول بعرض ما تنضح به الفتوى الصّادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهي الفتوى المرقّمة بـ 19402 في 25-1-1418هـ. واللجنة التي أصدرت هذه الفتوى مكونة من سماحة الرئيس العام ومفتي عام المملكة العربية السعودية، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رئيسًا - والشيخ عبد العزيز ابن عبد الله آل الشيخ -نائبًا -وعضوية كل من الشيخ د. بكر أبو زيد و الشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان. هذه الفتوى تعرض على الملأ الأصول المُؤسِّسَة للعقيدة الإسلامية، ويمكن تلخيص هذه الأصول كما عرضتها الفتوى كما يلي:

"أولاً: لا يوجد على وجه الأرض دين حق سوى دين الإسلام، وأنه خاتمة الأديان، وناسخ لجميع ما قبله من الأديان والملل والشرائع.

ثانيًا: أن كتاب الله تعالى، القرآن الكريم، هو آخر كتب الله نزولاً وعهدًا برب العالمين، وأنّه ناسخٌ لكلّ كتاب أنزل من قبل من التّوراة والزّبور والإنجيل وغيرها، ومهيمن عليها، فلم يبق كتاب منزل يُتعبد الله به سوى القرآن الكريم.

ثالثًا: يجب الإيمان بأن التّوراة والإنجيل قد نُسِخا بالقرآن الكريم، وأنه قد لحقهما التحريف والتبديل بالزيادة والنقصان، ولهذا فما كان منها صحيحًا فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرف أو مبدل.

رابعًا: أنّ النّبي محمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلم يبق رسول يجب اتّباعه سوى محمد صلى الله عليه وسلم ، ولو كان أحد من أنبياء الله ورسله حيًّا لما وسعه إلا اتّباعه صلى الله عليه وسلم .... ونبي الله عيسى - عليه الصلاة والسلام - إذا نزل في آخر الزّمان يكون تابعًا لمحمد صلى الله عليه وسلم وحاكمًا بشريعته. كما أنّ من أصول الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم عامّة للنّاس أجمعين.

خامسًا: يجب اعتقاد كُفْر كُلّ من لم يدخل في الإسلام من اليهود والنّصارى وغيرهم وتسميته كافرًا، وأنه عدو الله ورسوله والمؤمنين، وأنّه من أهل النار.
سادسًا: وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية؛ فإن الدعوة إلى وحدة الأديان والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه."

ولهذا السّبب تخلص الفتوى إلى أنّه:
"لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها، وتسليكها بين المسلمين، فضلاً عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها، والانتماء إلى محافلها."

ولهذا السّبب أيضًا فإنّه:
"لا يجوز لمسلم الاستجابة لدعوة بناء مسجد وكنيسة ومعبد في مجمع واحد، لما في ذلك من الاعتراف بدين يعبد الله به غير دين الإسلام، وإنكار ظهوره على الدين كلّه، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاثة ولأهل الأرض التديّن بأي منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان، ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال... كما أنه لا يجوز تسمية الكنائس بيوت الله وأن أهلهـا يعبـــدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله؛ لأنّهـــا عبادة على غير ديـــن الإسلام، والله ــ تعالى ــ يقول: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. بل هي بيوت يُكفر فيها بالله. نعوذ بالله من الكفر وأهله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله تعالى ــ في مجموع الفتاوى (22-162): "ليست ــ أي: البيع والكنائس ــ بيوت الله، وإنّما بيوت الله المساجد، بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها؛ فالبيوت بمنزلة أهلها وأهلها كُفّار، فهي بيوت عبادة الكفّار".
***

إذن، وبعد
كلّ هذا الكلام الواضح الّذي لم يصدر عن مؤسّسات إسلامية أخرى كالأزهر أو غيره ما ينقضه، هل هنالك من سبيل إلى الحديث عن حوار حقيقي بين الحضارات؟ لا شكّ أنّ القارئ النّبيه سيصل إلى الإجابة لوحده. من هنا، نقول إنّ أصحاب النّوايا الطّيّبة الّذين يدعون إلى حوار الشّعوب والحضارات مُلزمون بالبحث عن طرق أخرى للوصول إلى حوار حقيقي، لأنّ دعواتهم هذه تذروها رياح الأصول العقائديّة كما تكشفها الفتوى المعروضة آنفًا. ومن هنا نقول أيضًا إنّه لا سبيل إلى الحوار الحضاري إلاّ خارج المنظومات الدّينيّة، يهوديّة كانت أم مسيحيّة أم إسلاميّة. وبكلمات أخرى يجب العمل بصدق على المبدأ الأساس الّذي تتطوّر معه الشّعوب وتصل إلى جادة الحوار فيما بينها. إنّه مبدأ فصل الدّين عن الدّولة.
لا توجد طريق أخرى، وإن كانت لديكم طريق أخرى، هيّا أرشدونا!

***



مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام